من الأصول المقررة أن "ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط" (^١).
فالمعارضة بين النقل الصحيح والعقل الصريح وَهْم عقلي لا وجود له في الواقع.
وأول من عارض بين العقل والنقل وقدم المعقول على المنقول هم الجهمية (^٢)، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة (^٣)، وتبعهم عليه الأشاعرة
_________________
(١) = الاستقامة له أيضًا، الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٢٧٧)، شرح الطحاوية (١/ ٢٧٧)، وللاستزادة: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العفل للنقل لجابر إدريس.
(٢) درء التعارض (١/ ١٤٧).
(٣) الجهمية: هم طائفة من أهل الباع، ينتسبون إلى الجهم بن صفوان السمرقندي، من بدعهم: القول بنفي الأسماء والصفات عن الله تعالى، وأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، وأن الإيمان إنما هو المعرفة، وأنه لا يزيد ولا ينقص، وغيرها. انظر: التنبيه والرد (ص ١١٠)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٤)، الفرق بين الفرق (ص ٢١١)، الملل والنحل للبغدادي (ص ١٤٥)، الفصل (٤/ ٢٠٤)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٦)، البرهان (ص ٤).
(٤) المعتزلة هي فرقة ظهرت في الإسلام في أوائل القرن الثاني، وسلكت منهجًا عقليًا متطرفًا في بحث العقائد الإسلامية، ورأسها واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وجملة أصولهم خمسة هي: التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد ستروا تحت كل واحد منها معنى باطلًا يخالف المتبادر منه. انظر: التنبيه والرد للملطي (ص ٤٩)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٥)، الفرق بين الفرق (ص ١١٤)، الملل والنحل للبغدادي (ص ١٨٣)، الفصل (٥/ ٥٧)، التبصير في الدين =
[ ٦٦ ]
والماتريدية وبخاصة المتأخرون منهم، حتى صار ذلك علامة عليهم تميزهم عن أهل السنة والجماعة.
يقول العلامة أبو المظفر السمعاني (^١) - ﵀ -: "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسّسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول" (^٢).
وشبهة هؤلاء على اختلافهم أن العقل هو الذي دل على صحة النقل، وذلك بمعرفة الله وصدق الرسول، فلو قدم النقل على العقل لكان في ذلك تقديم للفرع على الأصل، ولكان فيه إبطال للأصل، وإذا بطل الأصل الدال على الفرع بطل بالتالي الفرع المترتب عليه، وقد ذكر هذا المعنى كثير من أهل الكلام بعبارات متنوعة، وأساليب مختلفة (^٣).
وقد قرر - ابن حجر - عفا الله عنه - ذلك في كتبه، وفرّع عليه جملة من المسائل العقدية.
حيث قال: "وكالنص، حكم العقل القطعي، فالاعتقاد المستند إليه صحيح، وإن لم يرد فيه نص، بل لو ورد النص بخلافه، وجب تأويل النص إليه، كآيات الصفات وأحاديثها؛ إذ ظاهرها محال على الله عقلًا، فوجب صرفها عنه بتأويلها بما يوافق العقل" (^٤).
_________________
(١) = (ص ٥٣)، الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٤٣)، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (ص ٢٧)، البرهان (ص ٤٩).
(٢) هو منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني، أبو المظفر، الحنفي ثم الشافعي، أصولي مفسر سلفي، له مصنفات منها: تفسيره المشهور، والقواطع في أصول الفقه، والانتصار لأهل الحديث، توفي سنة ٤٨٩ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٩/ ١١٤)، شذرات الذهب (٣/ ٣٩٣).
(٣) نقله عنه السيوطي في صون المنطق (ص ١٨٢).
(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص ٢١٢، ٢٣٣، ٢٦٢، ٢٢٦)، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني (ص ٣٠١)، معالم أصول الدين للرازي (ص ٢٤)، غاية المرام للآمدي (ص ٢٠٠)، المسامرة شرح المسايرة لابن أبي شريف (ص ٩٩).
(٥) المنح المكية (٢/ ٨٦٨).
[ ٦٧ ]
وبناء على هذا أوّل ابن حجر - غفر الله له - نصوص الصفات كالعلو (^١)، واليمين (^٢)، والأصابع (^٣)، والنور (^٤)، والصورة (^٥)، والكلام (^٦)، والنزول (^٧)، والقرب (^٨)، والمحبة (^٩)، والرحمة (^١٠)، والغضب (^١١)، ونفى دلالاتها اللائقة بالله تعالى.
ولا شك في بطلان ما قرره ابن حجر من المعارضة بين العقل والنقل وتقديم العقل والحكم بموجبه عليه، لِمَا يلزم على ذلك من فتح باب الزندقة والإلحاد في آيات الله وأسمائه على مصراعيه، بدعوى مخالفتها لصرائح العقول.
ولهذا فمن طرد هذا الأصل الباطل أدّاه إلى الكفر والنفاق والإلحاد، ومن لم يطرده تناقض وفارق العقل والنقل وظهر ما في قوله من التفريق بين المتماثلات القاضي ببطلانه وفساده (^١٢).
وهو ما وقع فيه ابن حجر - غفر الله له - حيث أنكر على المعتزلة طردهم هذا الأصل، ومعارضتهم النقل بالعقل وحكمهم بموجبه بزعمهم في جملة من المسائل كذبح الموت (^١٣)، وفتنة القبر، وعذابه ونعيمه، والصراط، والميزان، والحوض، والرؤية (^١٤).
وبسط الكلام في بيان بطلان هذا الأصل، والرد عليه مذكور في مواضعه من كتب أهل العلم (^١٥).
_________________
(١) انظر: (ص ٣٠٣).
(٢) انظر: (ص ٣١٢).
(٣) انظر: (ص ٣١٤).
(٤) انظر: (ص ٣١٨).
(٥) انظر: (ص ٣٢١).
(٦) انظر: (ص ٣٢٧).
(٧) انظر: (ص ٣٤٠).
(٨) انظر: (ص ٣٤٧).
(٩) انظر: (ص ٣٤٩).
(١٠) انظر: (ص ٣٥٢).
(١١) انظر: (ص ٣٥٤).
(١٢) انظر: درء التعارض (٥/ ٣٢٢) (٦/ ٣)، الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٥٣).
(١٣) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٢٣٤).
(١٤) انظر: الزواجر (١/ ١٠٠).
(١٥) انظر: درء التعارض (٥/ ٢٤٤) وما بعدها، مجموع الفتاوى (٣/ ٣٣٨)، الاستقامة لابن تيمية (١/ ٢٣)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٧٧) وما بعدها، شرح الطحاوية لابن أبي العز =
[ ٦٨ ]