يرى ابن حجر ﵀ تحريم الطيرة، وأنها مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، حيث عدّها في الكبائر، فقال: "ترك السفر والرجوع منه تطيرًا" (^٣)، وأورد الأحاديث الدالة على النهي عنها، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذا [يعني: عد الطيرة من الكبائر] ينبغي حمله على ما إذا كان معتقدًا حدوث تأثير للتطير، لكن الكلام في إسلام مثل هذا" (^٤).
التقويم:
الطِّيرة في اللغة: مصدر تطير يتطير تطيرًا وطيرة.
وهي التشاؤم بالطير (^٥)، وأصله فيما يقال: التشاؤم بالسوانح والبوارح (^٦) من الطيور، ثم صار عامًّا في كل مكروه من قول أو فعل أو مرئي (^٧).
وأما في الاصطلاح:
"فالتطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع" (^٨).
_________________
(١) انظر: القول السديد (ص ٤٢).
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٥)، فتح المجيد (١/ ٢٤١).
(٣) الزواجر (١/ ١٥٠).
(٤) المصدر السابق (١/ ١٥٠).
(٥) انظر: معجم مقاييس اللغة (ص ٦٣٠)، الصحاح (٢/ ٧٢٨)، لسان العرب (٤/ ٥١١)، القاموس المحيط (ص ٥٥٥).
(٦) السانح: ما مر من مياسرك إلى ميامنك، والبارح عكسه. انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٧٠)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٥٣)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٨).
(٧) انظر: شرح السنة (١٢/ ١٧٠)، التمهيد (٩/ ٢٨٢)، شرح صحيح مسلم (٢١/ ١٨٤)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٨)، النهاية في غرب الحديث (٣/ ١٥٣)، فتح الباري (١٠/ ٢١٢).
(٨) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٦)، وانظر: تفسير القرطبي (١٦/ ١٨١)، مجموع الفتاوى =
[ ٢٠٠ ]
وقد وردت النصوص الشرعية بالنهي عنها والتحذير منها.
قال - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر" (^١).
وقال - ﷺ -: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل" (^٢).
وسئل - ﷺ - عن قوم يتطيرون، فقال: "ذلك يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" (^٣).
وأخبر - ﷺ - أنها شرك، فقال: "الطيرة شرك، الطيرة شرك" (^٤).
وعليه فما قرره ابن حجر -غفر الله له- من تحريم الطيرة وعدها في الكبائر هو مقتضى النصوص الشرعية، إلا أن حمله لذلك على ما كان مقارنا للاعتقاد بتأثيرها فيه نظر؛ لكون ذلك الاعتقاد شركًا في نفسه مخرجًا من الملة.
ولهذا استدرك ابن حجر ﵀ على نفسه فقال: "لكن الكلام في إسلام مثل هذا".
_________________
(١) = (٢٣/ ٦٧)، الدرر السنية (١١/ ٤١).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة (٤/ ١٨٣٧) برقم (٥٧٥٧)، ومسلم، كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (٤/ ١٧٤٤) برقم (٢٢٢٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب الفأل (٤/ ١٨٣٧) برقم (٥٧٥٦)، ومسلم، كتاب السلام، باب الطيرة والفأل (٤/ ١٧٤٦) برقم (٢٢٢٤) من حديث أنس بن مالك - ﵁ - به.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهان وإتيان الكهان (٤/ ١٧٤٨) برقم (٢٢٢٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - به.
(٥) أخرجه أبو داود، كتاب الطب، باب في الطيرة (٤/ ٢٣٠) برقم (٣٩١٠)، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة (١٤/ ٣٧) برقم (١٦١٤)، وابن ماجه، كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل (٢/ ١١٧٠) برقم (٣٥٣٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٣٥٨) وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢)، والحاكم (١/ ١٧، ١٨) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٩) من طرق عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - به. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته، ولم يخرجاه". والحديث صححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (٤٣٠).
[ ٢٠١ ]
ومراده بذلك -والله أعلم- أن التطير المصحوب بهذا الاعتقاد يُوجِب البحث لا في كون هذا الفعل كبيرة؛ إذ لا شك في ذلك، لكن البحث في إسلام من صدر منه هذا الفعل، هل هو باقٍ معه أم أنه انسلخ منه بسبب هذا الاعتقاد؟
وهذا هو الحق، ذلك أن التطير موضع تفصيل، فإن من وصل به تطيره إلى اعتقاد وجود شركة بين الله تعالى وبين ما تطيّر به في أمر التأثير فلا إسلام له بل هو مشرك شركًا أكبر مخرجًا من الملة، وإن كان تطيره دون ذلك -كما هو الغالب على الواقعين في هذا الداء من المسلمين- من اعتقاد كون المتطير به سببًا في حصول المكروه أو علامة عليه فإن فعله هذا إنما هو من قبيل الشرك الأصغر (^١).
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "التطير هو التشاؤم بمرئي أو مسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفر وامتنع بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل وَلَجَه، وبرئ من التوكل على الله سبحانه، وفتح على نفسه بابَ الخوف والتعلق بغير الله" (^٢).