عرف ابن حجر ﵀ الرياء بقوله: "الرياء مأخوذ من الرؤية والسمعة ".
وحد الرياء: "إرادة العامل بعمله غير وجه الله تعالى" (^٣).
وقرر -غفر الله له- أن الرياء "قد شهد بتحريمه الكتاب، والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة" (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح السنة (١٢/ ١٧٠)، التمهيد (٢٤/ ١٩٥)، شرح صحيح مسلم (١٣/ ٢١٩)، مفتاح دار السعادة، فتح الباري (١٠/ ٢١٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٢١)، فتح المجيد (٢/ ٥٠٦)، النبذة الشريفة النفيسة لحمد بن معمر (ص ٦٩ - ٧٠)، الدين الخالص (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)، القول السديد (ص ١٠٢)، القول المفيد (٢/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٦).
(٣) الزواجر (١/ ٤٣).
(٤) المصدر السابق (١/ ٣٨) وانظر: (١/ ٣٨ - ٤٣).
[ ٢٠٢ ]
وأن "المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركًا مقتضيًا للّعن أن فيه استهزاء بالحق تعالى" (^١)، "وفيه أيضًا تلبيس على الخلق لإيهامه لهم أنه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك" (^٢).
وعدَّ الرياء من الشرك الأصغر (^٣)، وبيّن أنه قد يبلغ بصاحبه الشرك الأكبر فقال: "الرياء ينقسم إلى درجات متفاوتة في القبح، فأقبحها الرياء في الإيمان وهو شأن المنافقين ويليهم المراؤون بأصول العبادات الواجبة ويليهم المراؤون بالنوافل ويليهم المراؤون بأوصاف العبادات كتحسينها وإطالة أركانها وإظهار التخشع فيها " (^٤).
وذكر حكم العمل إذا كان رياءً كله، أو خالطه، أو طرأ عليه، فقال: "العمل:
إما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط ولو مباحًا فهو حرام لا ثواب فيه.
وإما مشرب برياء ولا ثواب فيه أيضًا للخبر الصحيح "من عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك" (^٥)
ومن عقد عملًا لله ثم طرأ له خاطر رياء: فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسل معه ففيه خلاف، والذي رجحه أحمد وجماعة من السلف ثوابه بنيته الأولى، ومحله في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والحج، دون نحو القراءة ففيه لا أجر له بعد حدوث الرياء.
ولو تم عمله خالصًا فأثنى عليه ففرح لم يضر لخبر مسلم: "ذلك عاجل بشر المسلم"" (^٦) (^٧).
_________________
(١) الزواجر (١/ ٤٣).
(٢) المصدر السابق (١/ ٤٤).
(٣) انظر: المصدر السابق (١/ ٣٨).
(٤) انظر: المصدر السابق (١/ ٤٦).
(٥) سبق تخريجه (ص ١٦١).
(٦) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره (٤/ ٢٠٣٤) رفم (٢٦٤٢) من حديث أبي ذر -﵁- به.
(٧) فتح المبين (ص ٥٤)، وانظر: الزواجر (١/ ٤٣ - ٤٦)، حاشية الإيضاح (ص ٣٩).
[ ٢٠٣ ]
التقويم:
الرياء في اللغة: مشتق من الرؤية، وهي النظر، يقال: راءيته، مراءاة، ورياء إذا أريته على خلاف ما أنا عليه (^١).
وأما في الاصطلاح: فقد ذكر أهل العلم له تعريفات متعددة، إلا أنه وإن اختلفت عباراتهم فيها، فإن مدارها على أمرين:
الأول: إرادة غير الله من دون الله.
والثاني: إرادة غير الله مع الله (^٢).
وما ذكره ابن حجر من تحريم الرياء هو ما تدل علية النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
وأما ما قرره من كون الرياء تارة يكون شركًا أكبر، وأخرى يكون شركًا أصغر فإنه حق (^٣)؛ ذلك أن الرياء تارة يكون في أصل الاعتقاد ومطلق العمل، وهو ما يطلق عليه أهل العلم النفاق الاعتقادي (^٤) أو شرك النية والإدارة والقصد (^٥)، وهذا مما أجمع أهل العلم على كونه شركًا أكبر يكفر به صاحبه ويخرج من الملة، وتارة يكون الرياء في أفراد العمل وهو إما أن يكون في أصله، أو مخالطًا له، أو طارئًا عليه فهو حينئذٍ بحسبه، وفيه التفصيل الآتي بيانه.
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٢/ ١٣٢٦)، الصحاح (٦/ ٢٣٤٨)، لسان العرب (١٤/ ٢٩٦)، القاموس المحيط (ص ١٦٥٨).
(٢) انظر: التعريفات للجرجاني (ص ١١٣)، إحياء علوم الدين للغزالي (٣/ ٢٥٧)، فتح الباري (١١/ ٣٣٦)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٣٧)، فتح المجيد (٢/ ٦١٧)، معارج القبول (٢/ ٤٩٣).
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٣٢ - ٥٣٣)، فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (١/ ٥١٨).
(٤) النفاق الاعتقادي: هو إبطان الكفر وإظهار الإسلام. انظر: فتح الباري (١/ ١١١)، مجموعة التوحيد (٢/ ١٠).
(٥) شرك النية والإرادة والقصد: هو العمل لغير وجه الله، والتقرب إليه، وطلب الجزاء منه. انظر: مجموعة التوحيد (١/ ٨)، معارج القبول (٢/ ٤٩٣).
[ ٢٠٤ ]
يقول الشيخ حافظ حكمي (^١) -﵀-: "اعلم أن الرياء قد أطلق في كتاب الله كثيرًا، ويراد به النفاق الذي هو أعظم من الكفر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار والفرق بين هذا الرياء الذي هو النفاق الأكبر وبين الرياء الذي سمّاه النبي -ﷺ- شركًا أصغر خفيًا هو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^٢)
فإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله والدار الآخرة وسلم من الرياء في فعله، وكان موافقًا للشرع فذلك العمل الصالح المقبول.
وإن كان الباعث على العمل هو إرادة غير الله ﷿ فذلك النفاق الأكبر
وإن كان الباعث على العمل هو إرادة الله ﷿ والدار الآخرة، ولكن دخل عليه الرياء في تزيينه وتحسينه فذلك هو الذي سماه النبي -ﷺ- الشرك الأصغر" (^٣).
وأما ما ذكره ابن حجر من تقسيم العمل إلى عمل هو رياء محض، وآخر هو مشرب به، وثالث طارئ عليه، وحكمه على كل قسم منها بما يراه، فهو مما وافق فيه أهل العلم (^٤).
يقول الحافظ ابن رجب -﵀-: "اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة
_________________
(١) هو حافظ بن أحمد بن علي بن أحمد حكمي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة، الجوهرة الفريدة في تحقيق العقيدة، توفي سنة: ١٣٧٧ هـ. انظر: الشيخ حافظ بن أحمد حكمي د. أحمد علوش.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -ﷺ- (١/ ٢١) برقم (١) ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -ﷺ-: "إنما الأعمال بالنية" (٣/ ١٥١٥) برقم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب -﵁- به.
(٣) معارج القبول (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤).
(٤) انظر: الفروق (٣/ ٢٢)، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ١٢٤)، أعلام الموقعين لابن القيم (٢/ ١٦٢)، جامع العلوم والحكم (١/ ٧٩ - ٨٣)، معارج القبول (٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤).
[ ٢٠٥ ]
يكون رياء محضًا بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] وهذا العمل لا يشك مسلم أنه محبط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء:
فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضًا وحبوطه
وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء
فإن كان خاطرًا ودفعه فلا يضره بغير خلاف.
فإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك خلاف بين العلماء من السلف حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، وأرجو أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره
فأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بفضل ذلك ورحمته، واستبشر بذلك لم يضّره ذلك " (¬١).