يعد ابن حجر -غفر الله له- من حاملي لواء القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- والمنافحين عنه والرادين على من خالفه، وقد صنف في تقرير ذلك مصنفين أحدهما: الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم، والآخر: تحفة الزوار إلى قبر النبي المختار، علاوة على كتبه الأخرى التي عرض فيها لهذه المسألة (^٥)، بل بلغ به الأمر
_________________
(١) انظر: المصادر السابقة.
(٢) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (٩/ ٥٦).
(٣) سبق تخريجه (ص ٧).
(٤) انظر: (ص ٧٠٥).
(٥) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٠)، الإيعاب شرح العباب (٣/ ٩٣/ أ)، المنح المكية (٣/ ١٠٨٧) (٣/ ١٠٩٠)، الدر المنضود (ص ١٢٦) وما بعدها، حاضية الإيضاح (ص ٤٨٨، ٥٠٥، ٥١٠)، فتح الجواد (١/ ٢٤٤)، الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢١)، تحفة=
[ ٢٢١ ]
إلى تضمينها خطبه وحثه الحجاج القادمين إلى مكة عليها، وتحذيرهم من تركها (^١)، حتى صار من بعده من القبورية عالة عليه في تقريرها (^٢).
وفيما يلي عرض رأيه في ذلك مع التعقيب عليه بتقويمه:
يرى ابن حجر استحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، و"تأكد مشروعية الزيارة وقربها من درجة الوجوب، وشد الرحل إليها وإلى المسجد النبوي الذي حوى المطلوب" (^٣).
ويذكر أن العلماء اختلفوا فيها بين الوجوب والندب، وأن "أكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها، وعلى كلٍ من القولين فهي مع مقدماتها من نحو السفر إليها ولو بقصدها فقط دون أن ينضم لها قصد اعتكاف أو صلاة بمسجده -ﷺ- من أهم القربات وأنجح المساعي" (^٤).
ويقرر أن ذلك مما يدل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس حيث يقول: "اعلم أن زيارته -ﷺ- مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة وبالقياس" (^٥).
ثم يفصل ابن حجر دلالة تلك الأدلة على مشروعية الزيارة وشد الرحال إليها، فيذكر أولًا دلالة الكتاب فيقول:
"أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤] دلت على حث الأمة على المجيء إليه -ﷺ-، والاستغفار عنده، واستغفاره لهم وهذا لا ينقطع بموته
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
_________________
(١) = المحتاج (١/ ٤٣٥) (٢/ ٥٨)، النخب الجليلة (ص ٨).
(٢) انظر: النخب الجليلة في الخطب الجزيلة (ص ٨).
(٣) انظر: الدرر السنية في الرد على الوهابية لدحلان (ص ٤)، شواهد الحق للنبهاني (ص ٥٨)، نصرة الإمام السبكي برد الصارم المنكي للسمنودي (ص ١٨٢)، مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي (ص ٢١٣)، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى محمد علي (ص ١٨٢).
(٤) تحفة الزوار (ص ٥١).
(٥) الجوهر المنظم (ص ٨).
(٦) المصدر السابق (ص ٦).
[ ٢٢٢ ]
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] من خرج لزيارة رسول الله -ﷺ- يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله لما يأتي أن زيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذا بعد وفاته بنص الأحاديث الشريفة الآتية" (^١).
ثم يثني ابن حجر بدلالة السنة فيقول: "وأما السنة: فالأحاديث الواردة في الزيارة لقبره -ﷺ-، وقد جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها أيضًا الأمر بزيارة القبور، وقبره -ﷺ- سيد القبور وهو داخل في عموم ذلك بل أولى" (^٢) (^٣).
ثم يورد دلالة الاجماع فيقول: "وأما إجماع المسلمين فقد نقل جماعة من الأئمة حملة الشرع الشريف الذين عليهم المدار والمعول في نقل الخلاف والإجماع، وإنما الخلاف بينهم في أنها واجبة أو مندوبة وأكثر العلماء من الخلف والسلف على ندبها دون وجوبها" (^٤).
ثم يذكر دلالة القياس فيقول: "وأما القياس فقد جاء أيضًا في السنة الصحيحة المتفق عليها الأمر بزيارة القبور، فقبر نبينا محمد -ﷺ- منها أولى وأحق وأحرى وأعلى بل لا نسبة بينه وبين غيره " (^٥).
"وإذا ثبت أن الزيارة قربة، فالسفر إليها كذلك" (^٦).
ولم يكتفِ ابن حجر -عفا الله عنه- بما أورده من دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، على نصرة قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، بل استدل أيضًا ببعض الآثار الواردة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم مما يظن أنه يؤيد قوله ويقوي مذهبه.
_________________
(١) الجوهر المنظم (ص ٦ - ٧)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٥٤).
(٢) تحفة الزوار (ص ٥٧)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ٨).
(٣) ساق ابن حجر كثيرًا من هذه الأحاديث في كتابيه الجوهر المنظم (ص ٧ - ص ١٠)، وتحفة الزوار (ص ٢٩) وما بعدها.
(٤) الجوهر المنظم (ص ٧ - ٨)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٦٧، ٥٩، ٨٢)، حاشية الإيضاح (ص ٤٨٨).
(٥) الجوهر المنظم (ص ٧)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٦١).
(٦) تحفة الزوار (ص ٦٧).
[ ٢٢٣ ]
فقال: "وكذلك يستدل بفعل بلال بن رباح مؤذن الرسول -ﷺرضي الله عنه- فقد ثبت أن بلالًا سافر من الشام إلى زيارة قبر النبي -ﷺ- بالمدينة المشرفة كما رواه ابن عساكر (^١) بسند جيد" (^٢)، "ومما استفاض عن ابن عبد العزيز (^٣) أنه كان يبرد البريدي أي: يرسل الرسول من الشام، يقول له: سلم لي على رسول الله -ﷺ-، وذلك في صدر من صدر التابعين " (^٤).
ويرى ابن حجر أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبر النبي -ﷺ- بل يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء حيث يقول: "زيارة قبور الأولياء قربة مستحبة، وكذا الرحلة إليها " (^٥).
كما يرى أن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء، يقول في ذلك: "ويسن زيارة قبور المسلمين للرجال وتكره لغيرهم إلا مع خشية فتنة فتحرم، نعم يسن لهن حيث لا خشية فتنة زيارة قبره -ﷺ-، وألحق به ابن الرفعة (^٦) وغيره قبور الأنبياء والأولياء والعلماء" (^٧).
_________________
(١) هو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم، ثقة الدين، ابن عساكر الدمشقي، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، صاحب المصنفات، من مؤلفاته: تاريخ دمشق الكبير، وتبيين كذب المفتري في ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري، الإشراف على معرفة الأطراف، توفي سنة ٥٧١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٥٥٤)، شذرات الذهب (٤/ ٢٣٩).
(٢) تحفة الزوار (ص ٦٧).
(٣) هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص القرشي الأموي، الخليفة العادل، الزاهد الراشد، كان من الأئمة المجتهدين، والخلفاء المتقين، أقام السنة، ونشر العدل، توفي سنة ١٠١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٤)، شذرات الذهب (١/ ١١٩).
(٤) تحفة الزوار (ص. ٧).
(٥) الفتاوى الفقهية الكبرى (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ١٠).
(٦) هو أحمد بن محمد بن علي بن مرتفع الأنصاري، نجم الدين، أبو العباس، المعروف بابن رفعة، من مؤلفاته: الكفاية شرح التنبيه، والمطلب شرح الوسيط، والنفائس في هدم الكنائس، توفي ٧١٠ هـ. انظر: الدرر الكامنة (١/ ٢٨٤)، البدر الطالع (١/ ١١٥).
(٧) فتح الجواد (١/ ٢٤٤)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ١٠).
[ ٢٢٤ ]
وينكر ابن حجر على من حرم شد الرحال إلى قبر النبي -ﷺ-، ويحذر من الاغترار بقوله، فيقول: "ولا يُغْتَر بإنكار ابن تيمية لسن زيارته -ﷺ- فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل " (^١).
التقويم:
زيارة قبر النبي -ﷺ- وشد الرحال إليها "من المسائل التي طالت ذيولها، واشتهرت أصولها، وامتحن بسببها من امتحن" (^٢).
وزيارة قبر النبي -ﷺ- تارة تكون دون شد الرحال وأخرى مع شدها:
فالأولى: مشروعة عند أهل العلم دون من شذ منهم، وذلك بشرط أن تكون الزيارة زيارة شرعية.
وأما الأخرى -وهي الزيارة مع شد الرحال-:
فهي لا تخلو من ثلاثة أحوال:
١ - إما أن تكون بقصد المسجد النبوي وزيارة قبر النبي -ﷺ- على السواء.
٢ - وإما أن تكون بقصد المسجد النبوي والصلاة فيه فقط.
٣ - وإما أن تكون بقصد زيارة قبر النبي -ﷺ- فقط.
فالحالة الأولى والثانية مشروعة، وأما الحالة الثالثة فهي محل النزاع ومدار البحث (^٣).
وقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين:
الأول: تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وهو قول الجمهور.
والثاني: جواز شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وهو قول
_________________
(١) حاشية الإيضاح (ص ٤٨٩)، وانظر: الجوهر المنظم (ص ٢١، ١٣)، الإيعاب (٣/ ٩٣/ ب)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٥٠).
(٢) الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد للشوكاني (ص ٨٣).
(٣) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٤٨، ٢٤، ١٦٤)، والفتاوى (٢٧/ ٣٤٢)، والصارم المنكي (ص ١٨).
[ ٢٢٥ ]
بعض أتباع الأئمة الأربعة (^١).
وهذان القولان -أعني القول بالتحريم والقول بالجواز- هما القولان المشهوران عن أهل العلم المتقدمين، وأما القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺوهو الذي يقرره ابن حجر وينتصر له- فهو قول لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين، وإنما قال به بعض المتأخرين (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "لم يقل أحد من علماء المسلمين إن السفر إلى ذلك واجب، ولا عرف عنهم القول بالاستحباب، بل إن السلف والقدماء على التحريم" (^٣).
ويقول: "فدعوى من ادعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب وكذلك إن ادعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين، وإن قال إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك، وهو بعد أن يعرف صحة نقله نقل قولًا شاذًا مخالفًا لإجماع السلف، مخالفًا لنصوص الرسول " (^٤).
وعليه فإن القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- الذي يقول به ابن حجر وينتصر له ويحكي الاجماع عليه- قول باطل لا يصح؛ وذلك لأمرين:
الأول: أن الأدلة الصحيحة جاءت بتحريم ذلك، والتحذير منه، ومنها:
١ - قوله -ﷺ-: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام،
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وشرحه على مختصر خليل (٣/ ٩٣)، وفتح الباري (٣/ ٦٥)، والمغني للموفق بن قدامة (٣/ ١١٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (٧/ ٢١١)، وكشاف القناع للبهوتي (٢/ ١٥٠).
(٢) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٣٣، ٤١، ١٧٦، ١٤١، ١٥٣)، الصارم المنكي (ص ١٦٧)، الكشف المبدي للفقيه (ص ١٨٠ - ١٨١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٣٥٩)، فتح المجيد (١/ ٤٣٣)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٥١ - ٥٢)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص ١٦٩ - ١٧٠).
(٣) الرد على الإخنائي (ص ٤١).
(٤) الرد على الإخنائي (ص ١٤١)، وانظر: (ص ١٥٣، ١٧٦، ١٥٣).
[ ٢٢٦ ]
ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (^١).
ووجه الدلالة أن النبي -ﷺ- نهى عن شد الرحال لغير هذه المساجد الثلاثة بقصد التقرب والعبادة، وإذا كان النهي عن ذلك يتناول المساجد التي هي بيوت الله تعالى وأشرف بقاع الأرض، فكون النهي يتناول القبور والمشاهد من باب أولى (^٢).
٢ - قوله -ﷺ-: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (^٣).
ووجه الدلالة أن النبي -ﷺ- نهى أن يتخذ قبره عيدًا، والعيد كل ما يعتاد، وشد الرحال لقبره -ﷺ- وسيلة لاتخاذه عيدًا، والوسائل لها أحكام المقاصد، ومما يدل على تناوله النهي عن شد الرحال لقبره -ﷺ- قوله: "وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (^٤).
٣ - قوله -ﷺ-: "قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (١/ ٣٥٣) برقم (١١٨٩)، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢/ ١٠١٤) برقم (١٣٩٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - به.
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٦٧١)، التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٤٨، ٢٥٠)، مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (٢/ ٣٩ - ٤٠، ٥٢).
(٣) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) برقم (٢٠٤٢)، وأحمد (١٤/ ٤٠٣) برقم (٨٨٠٤)، والطبراني في الأوسط (٩/ ١٥ - ١٦) برقم (٨٠٢٦)، والبيهقي في حياة الأنبياء بعد وفاتهم (ص ٩٥) برقم (١٤). من طرق عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- به. والحديث إسناده حسن لأجل عبد الله بن نافع، قال فيه الحافظ في التقريب: (ص ٥٥٢ ترجمة: ٣٦٨٣): "ثقة، صحيح الكتاب، في حفظه لين"، وبقية رجاله ثقات. وقد حسن الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص ٩٢ - ٩٣)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٣٠٨)، والحافظ السخاوي في القول البديع (ص ١٥٥)، والعلامة الألباني في تحذير الساجد (ص ١٧).
(٤) انظر: تهذيب سنن أبي داود لابن القيم (٢/ ٤٤٧)، والصارم المنكي (ص ٣٠٨).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة (١/ ١٥٤) برقم (٤٣٧)، ومسلم، =
[ ٢٢٧ ]
ووجه الدلالة أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن الصلاة عليها أو إليها وتحري العبادة عندها -كما سبق- (^١) وشد الرحال إلى القبور مفضٍ إلى اتخاذها مساجد (^٢).
٤ - قول أبي هريرة -﵁-: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار فذكر حديثًا طويلًا، وفيه: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت، سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "لا تُعمل المطي إلا لثلاتة مساجد: إلى المسجد الحرام، وإلى مسجدي هذا، والى مسجد إيلياء أو بيت المقدس" (^٣).
_________________
(١) = كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (١/ ٣٧٦) برقم (٥٣٠) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
(٢) انظر: (ص ١٨٥).
(٣) انظر: تحذير الساجد (ص ٢١).
(٤) أخرجه الترمذي في أبواب الجمعة، باب الساعة التي ترجى في يوم الجمعة (١/ ٥٠١ - ٥٠٢) برقم (٤٩١) مختصرًا دون ذكر الشاهد وأشار إليه بقوله: (وفي الحديث قصة طويلة". وأخرجه النسائي، كتاب الجمعة، باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة (١٣/ ١١٣ - ١١٤) برقم (١٤٣٠)، ومالك في الموطأ، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (١/ ١٦٤ - ١٦٦) برقم (٢٩٠)، والحميدي في مسنده (٢/ ٤٢١). برقم (٩٤٤)، وأحمد في مسنده (٣٩/ ٢٦٧) برقم (٢٣٨٤٨)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٢/ ٢٩٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٤٧) برقم (١٠٠١)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٥٤) برقم (٥٨١، ٥٩٠)، وابن حبان (٧/ ٧) برقم (٢٧٧٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٣٦ - ١٣٧) برقم (١٢١٠). من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁- به. وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٢٣ - ١٢٤)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة (٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٤٩) برقم (١٠٠٢)، وأبو يعلى في المسند (١١/ ٤٣٥) برقم (٦٥٥٨)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٥٥، ٥٦) برقم (٥٨٢، ٥٨٤. ٥٨٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٦) برقم (٢١٥٧) (٢١٥٨) (٢١٥٩)، وفي الأوسط (١/ ٤٧١) برقم (٨٥٧) من طرق عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة -﵁- به. وأخرجه الطيالسي (٢/ ٦٨٥) برقم (١٤٤٥)، وأحمد (٣٩/ ٢٧٠) برقم (٢٣٨٥٠)، =
[ ٢٢٨ ]
ووجه الدلالة منه أن الصحابي الذي روى الحديث قد فهم أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء داخلة في عموم النهي، وأنه لا يجوز السفر إليها، وقد أقره أبو هريرة على فهمه فلم ينكر عليه ذلك.
٥ - إجماع المتقدمين من أهل العلم على أن السفر إلى غير المساجد الثلاثة كزيارة القبور ليس مستحبًا ولا قربة ولا طاعة، وإن اختلفوا هل هو جائز أم لا، فالقول باستحباب ذلك خرق لإجماعهم، وخروج عن قولهم (^١).
الثاني: ضعف الأدلة التي استدل بها القائلون بالاستحباب -والتي ذكر بعضها ابن حجر- وإمكان الإجابة عنها، وفيما يلي مناقشة الأدلة التي ساقها ابن حجر لتدعيم قوله وتأييد مذهبه:
أما استدلاله بدلالة الكتاب، فقد ذكر عليها دليلين:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن الآية دلت على الحث على المجيء إليه -ﷺ- والاستغفار عنده واستغفاره لمن جاء إليه، وأن هذا لا ينقطع بموته.
فالجواب عنه: أن الآية ليس فيها دلالة على ما ذكره، بل إن الآية تدل على نقيض قوله.
_________________
(١) = والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٧) برقم (٢١٦٠) من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أبي بصرة -﵁- بنحوه. وأخرجه أحمد (٤٥/ ٢٠٦) برقم (٢٧٢٣٠)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٧٧) برقم (٢١٦١) من طريق مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي بصرة -﵁- بنحوه. والحديث صحيح، وقد صححه جمع من أهل العلم، منهم الإمام الترمذي حيث قال بعد إخراجه له مختصرًا: "وهذا حديث صحيح"، كما صححه الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٤٤٩)، والعلامة الألباني في إرواء الغليل (٣/ ٢٢٨).
(٢) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣، ٤٨، ١٧٣).
[ ٢٢٩ ]
يقول العلامة ابن عبد الهادي (^١) -﵀-: "فأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية فالكلام فيها في مقامين:
أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه.
والثاني: بيان دلالتها على نقيضه.
وإنما يتبين الأمران بفهم الآية، وما أريد بها وسيقت له، وما فهمه منها أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، ولم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم وهذه هي عادة الصحابة معه -ﷺ- فلما استأثر الله بنبيه -ﷺ- لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت، أفترى عطل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب؟ وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام فلم يدعوا إليه، ولم يحضّوا عليه، ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم البتة
وهذا يبين أن هذا التأويل الذي تأوله المعترض تأويل باطل قطعًا ولو كان حقًّا لسبقونا إليه علمًا وعملًا وإرشادًا ونصيحةً، ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف.
وأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له ولم يقل مسلم إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة له لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطّلوها وَوُفِّق
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، أبو عبد الله، سلفي المعتقد، من أعلام المحدثين، وأحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، من مؤلفاته: الصارم المنكي في الرد على السبكي، المحرر في الأحكام، توفي سنة ٧٤٤ هـ. انظر: الدرر الكامنة (٣/ ٣٣١)، شذرات الذهب (٦/ ١٤١).
[ ٢٣٠ ]
لها هؤلاء الغلاة العصاة" (^١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
ووجه الدلالة عنده -كما سبق- أن من خرج لزيارة رسول الله -ﷺ- يصدق عليه أنه خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله، وزيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته، وزيارته في حياته داخلة في الآية الكريمة قطعًا، فكذلك بعد وفاته.
والجواب عنه: أن الاستدلال بالآية على القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- "مردود من وجوه:
أ- أن الآية واردة في الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام، يدل عليه سياق الآية وسباقها ويدل عليه أيضًا شأن نزولها ويدل عليه أيضًا معنى الهجرة فلا بد في معنى الهجرة من أمرين، الأول:
الخروج من أرض إلى أرض، والثاني: ترك الأولى للثانية، والخروج لزيارة النبي -ﷺ- في حياته يتحقق فيه الأمر الأول لا الثاني.
ب- أن مثل من يستدل بهذه الآية على كون الزيارة قربة كمثل من يستدل على كون الزيارة قربة بجميع الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر الهجرة مع أن أحدًا من أهل العلم والدين لم يستدل بهذه الأحاديث والآيات على كون الزيارة قربة.
ج- أنه لو سُلِّم دخول زيارته -ﷺ- في الآية الكريمة في الحياة، فلا نسلم دخول زيارته -ﷺ- بعد الممات فيها، والأحاديث الدالة على أن زيارته -ﷺ- بعد وفاته كزيارته في حياته لم يثبت واحد منها" (^٢).
وأما استدلاله بدلالة السنة، فقد ذكر منها دليلين إجماليين، وأفاض في ذكر الأدلة التفصيلية التي يرجع حاصلها إلى ما ذكر من الدليلين
_________________
(١) الصارم المنكي (ص ٣١٧ - ٣١٨)، وانظر: صيانة الإنسان للهسواني (ص ٢٣ - ٤١)، والكشف المبدي للفقيه (ص ١٢٥ - ١٣٤)، وأوضح الإشارة للنجمي (ص ٤٩٤).
(٢) صيانة الإنسان (ص ٤٢) وما بعدها.
[ ٢٣١ ]
الاجماليين، ولذا ساوردهما وأكتفي بالإجابة عنهما عن الإطالة بمناقشة الأدلة التفصيلية.
١ - الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي -ﷺ-:
وقد ذكر ابن حجر نحوًا من خمسة عشر حديثًا منها -مستدلًا بها على قوله باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- (^١).
والجواب عنها بطريقين:
الطريق الأول: طريق مجمل: وذلك بأن يقال إن هذه الأحاديث كلها لا تصلح للاحتجاج، ولا تقوم بها الحجة لأمرين:
أ- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي -ﷺ- كلها موضوعة أو ضعيفة لا يصح منها شيء (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "أحاديث زيارة قبره -ﷺ- كلها ضعيفة، لا يعتمد على شيء منها في الدين؛ ولهذا لم يروِ أهل الصحاح والسنة منها شيئًا، وإنما يرويها من يروي الضعاف كالدارقطني (^٣) والبزار (^٤) وغيرهما" (^٥).
_________________
(١) انظر: الجوهر المنظم (ص ٧ - ١٠)، وتحفة الزوار (ص ٢٩) وما بعدها.
(٢) ممن نص على ذلك من أهل العلم: شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص ١٨٩)، والحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٢٩)، والشيخ سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد (ص ٣٦١)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد (١/ ٤٣٦)، والشيخ حمد بن معمر في النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين (ص ١٧٠) وحكاه عن جمع من أهل العلم، ومن المعاصرين الشيخ حماد الأنصاري في كشف الستر (ص ٦ - ٧)، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسلة الضعيفة (حديث رقم ٤٧)، والشيخ بكر أبو زيد في التحديث بما قيل لا يصح فيه حديث (ص ١٣١).
(٣) هو علي بن عمر الدارقطني، أبو الحسن، الإمام الحافظ، المقرئ المحدث، له تصانيف عديدة منها: السنن، والصفات، والرؤية، توفي سنة ٣٨٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٤٩)، شذرات الذهب (٣/ ١١٦).
(٤) هو أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله، أبو بكر، العتكي البصري المعروف بالبزار، الإمام الحافظ، من مؤلفاته: البحر الزخار المعروف بالمسند، وكتاب الصلاة على النبي -ﷺ-، وكتاب الأشربة وتحريم المسكر، توفي سنة ٢٩٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٥٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٠٩).
(٥) قاعدة جليلة في التوسل (ص ١٣٣)، وانظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٧).
[ ٢٣٢ ]
ب- أن الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي -ﷺ- على فرض صحتها إنما تدل على مطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، وحينئذٍ فهي لا تدل على ما استدل عليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، بل هي خارجة عن محل النزاع أصلًا (^١).
الطريق الثاني: طريق مفصل: وذلك بتتبع هذه الأحاديث والكلام على كل واحد منها بما يناسبه من حيث الرواية والدراية، وقد قام بذلك جمع من أهل العلم في القديم والحديث، وصنفوا في ذلك مصنفات خاصة بما يغني عن الإطالة في الجواب عما ذكره ابن حجر منها (^٢).
٢ - الأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور، ويدخل فيها دخولًا أوليًا قبره -ﷺ-، إذ هو سيد القبور وأشرفها.
والجواب عنها: بأن يقال إن هذه الأحاديث لا تدل على ما ذهب إليه ابن حجر من القول باستحباب شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وذلك لأمرين:
أ- أن هذه الأحاديث إنما تدل على الأمر بمطلق الزيارة التي بدون سفر ومن غير شد للرحال، فهي خارجة عن محل النزاع أيضًا (^٣).
ب- أن هذه الأحاديث جاءت بالأمر بمطلق الزيارة فهي أحاديث عامة تخصصها الأحاديث الأخرى كالأحاديث الواردة في النهي عن زيارة النساء للقبور، والنهي عن زيارة القبور لمن ينوح عندها أو يقول هجرًا، أو يتعبد عندها ويتخذها مساجد، كذلك تخصصها الأحاديث الواردة في النهي عن شد الرحال للقبور (^٤).
_________________
(١) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٦).
(٢) ممن تتبع هذه الأحاديث بالتخريج والدراسة في القديم الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص ٢٠) وما بعدها، وفي الحديث الشيخ حماد والأنصاري في كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر، والشيخ صالح بن حامد الرفاعي في الأحاديث الواردة فضائل المدينة (ص ٥٨٣) وما بعدها، والشيخ أحمد النجمي في أوضح الإشارة (ص ٢٢٥) وما بعدها، والشيخ عمرو عبد المنعم في هدم المنارة (ص ٢٢٩)، وما بعدها.
(٣) انظر: الرد على الإخنائي (ص ٨٦).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٧٧).
[ ٢٣٣ ]
وأما استدلاله بدلالة الاجماع، وزعمه أن جماعة من الأئمة قد نقلوا الاجماع على مشروعية شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وأن الخلاف بينهم إنما هو في كون ذلك واجبًا أو مندوبًا.
فالجواب عنه من وجهين:
١ - أن المقصود بقول من قال باستحباب السفر لزيارة قبره -ﷺ- أو حكى الإجماع على ذلك من المتقدمين هو استحباب السفر إلى مسجده -ﷺ- للصلاة فيه ويتبع ذلك زيارة قبره -ﷺ- ومما يدل على ذلك أن لفظ إتيان القبر، وزيارته، والسفر إليه، يتناول من يقصد المسجد، ومن لم يقصد إلا القبر، فالأول مشروع والثاني ممنوع؛ فوجب حمل الكلام على المعنى المشروع، خاصة مع كونه هو المعنى المعروف الشائع بينهم (^١).
٢ - أن المتقدمين من علماء السلف مجمعون على أن السفر لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ- ليس بقربة ولا طاعة وإن اختلفوا هل هو حرام أم جائز فلم يقل أحد منهم بالاستحباب -كما سبق- فابن حجر ومن وافقه على القول باستحباب شد الرحال خرقوا إجماع الطائفتين، ولم يكتفوا بذلك بل ادعوا أن هذا الخرق للإجماع إجماع (^٢)! !
وأما استدلاله بدلالة القياس على ما جاء في السنة الصحيحة المتفق عليها من الأمر بزيارة القبور، وكون قبر نبينا -ﷺ- منها، وأنه أولى وأحق وأعلى.
فالجواب عنه: أن هذا استدلال بالسنة لا بالقياس (^٣)، ولهذا فما قيل في الجواب عن الاستدلال بالأحاديث الواردة في الأمر بزيارة القبور يقال هنا؛ إذ الجواب عنهما واحد.
وأما قوله بان الزيارة إذا ثبت كونها قربة، فالسفر إليها كذلك.
فالجواب عنه من وجهين:
١ - "أنه ليس كل ما كان جائزًا أو مستحبًا أو واجبًا جاز التوسل إليه
_________________
(١) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٣٥)، والصارم المنكي (ص ٣٤٣).
(٢) انظر: الرد على الإخنائي (ص ١٤٠).
(٣) انظر: صيانة الإنسان (ص ٤٨)، الكشف المبدي (ص ١٥٢).
[ ٢٣٤ ]
بكل طريق بل لو توسل الإنسان إلى الطاعة بما حرمه الله لم يجز ذلك
وكون الرحلة إلى القربة قد تكون معصية محرمة كثير في الشريعة، كالرحلة للصلاة والاعتكاف والقراءة والذكر في غير المساجد الثلاثة، وكما لو رحلت المرأة إلى أمر غير واجب بغير إذن الزوج كحج التطوع، وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بغير إذن سيده، وكذلك المرأة إذا رحلت بغير زوج ولا ذي محرم لزيارة غير واجبة، ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعة إذا أمكن بلا سفر، ومع السفر لا يجوز.
فإن قيل: ما رحل إليه هؤلاء المنهيون عن السفر ليس بقربة في حقهم، قيل له: ومن رحل لزيارة القبور لم يكن ما رحل إليه قربة في حقه" (^١).
٢ - أن زيارة قبر النبي -ﷺ-، ليست متوقفة على السفر لمجرد الزيارة، "لجواز أن يسافر لزيارة المسجد النبوي أو لأمر آخر من التجارة وغيرها، ثم بعد وصوله المدينة الطيبة يزور قبر النبي -ﷺ-، فحينئذٍ تكون الزيارة متوقفة على مطلق السفر لا على سفر الزيارة، فيكون مطلق السفو قربة لا سفر الزيارة" (^٢).
وأما استدلاله بفعل بلال -﵁- وعمر بن عبد العزيز -﵀- فهو متعقب بكونه لم يصح عنهما، وبيان ذلك كما يلي:
١ - أن قصة بلال -﵁- قد أخرجها الحاكم أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري (^٣) في الجزء الخامس من فوائده (^٤)، ومن
_________________
(١) الرد على الإخنائي (ص ١٧٧) وما بعدها.
(٢) صيانة الإنسان (ص ٧٣)، وانظر: (ص ٧١ - ٧٣)، والكشف المبدي (ص ١٧٤) وما بعدها.
(٣) هو محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: الأسامي والكنى، والفوائد وغيرها، توفي سنة ٣٧٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٧٠)، شذرات الذهب (٣/ ٩٣).
(٤) كتاب الفوائد للحاكم مفقود، وقد أشار الحاكم نفسه إلى روايته لهذا الأثر في كتابه الأسامي والكنى دون أن يخرجه فيه بسنده حيث قال في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن=
[ ٢٣٥ ]
طريقه ابن عساكر (^١) والذهبي (^٢) عن محمد بن الفيض، عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن أبي الدرداء، عن أبيه، عن جده سليمان، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء -﵁-.
والقصة بهذا الإسناد لا تصح.
يقول الحافظ ابن عبد الهادي -﵀-: "هو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع، وقد تفرد به محمد بن الفيض الغساني عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده.
وإبراهيم بن محمد هذا شيخ لا يعرف بل هو مجهول ولم يرو عنه غير محمد بن الفيض، روى عنه هذا الأثر المنكر
ومحمد بن سليمان بن بلال -والد إبراهيم- شيخ قليل الحديث، لم يشتهر من حاله ما يوجب قبول أخباره
وأما سليمان بن بلال فإنه رجل غير معروف، بل هو مجهول الحال، قليل الرواية لم يشتهر بحمل العلم ونقله، ولم يوثقه أحد فيما علمناه
والحاصل أن مثل هذا الإسناد لا يصح الاعتماد عليه، ولا يرجع عند التنازع إليه" (^٣).
وممن حكم بوضع القصة ونكارتها الحافظ الذهبي (^٤)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٥)، والحافظ السيوطي (^٦)، والعلامة ابن عراق الكناني (^٧) (^٨)
_________________
(١) = محمد بن سليمان (١/ ١٧٤): "كناه لنا أبو الحسين محمد بن الفيض الغساني الدمشقي وأخبرنا عنه بحديث"، كما أخرجه من طريق الحاكم ابن عساكر والذهبي وعزاه إليه ابن عبد الهادي -كما سيأتي-.
(٢) تاريخ دمشق (٩٧/ ٧).
(٣) سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
(٤) الصارم المنكي (ص ٢٣٧ - ٢٤١).
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٨).
(٦) انظر: لسان الميزان (١/ ١٠٧ - ١٠٨).
(٧) انظر: ذيل الموضوعات (ص ١٠٤).
(٨) هو علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الكناني، نور الدين، فقيه محدث، من مؤلفاته: تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، ونشر اللطائف في قطر الطائف، توفي سنة ٩٦٣ هـ. انظر: الكواكب السائرة (٢/ ١٩٧)، شذرات الذهب (٨/ ٣٣٧).
(٩) انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة (٢/ ١١٨).
[ ٢٣٦ ]
والعلامة علي القاري (^١).
وأما ما زعمه ابن حجر من أن ابن عساكر قد رواها بسند جيد، فهو مما تابع فيه السبكي (^٢)، وقد قال ابن عبد الهادي في الرد عليه: "قوله إسناده جيد خطأ منه" (^٣).
٢ - أما قصة عمر بن عبد العزيز -﵀- فيجاب عنها بجوابين:
أ- أن هذه القصة قد رويت عن عمر بن عبد العزيز -﵀- على وجهين:
الأول: أنه كان يوجه بالبريد قاصدًا لمدينة ليقرئ النبي -ﷺ- السلام:
وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي (^٤) من طريق عبد الله بن يوسف الأصفهاني، عن إبراهيم بن فراس، عن محمد بن صالح الرازي، عن زياد بن يحيى، عن حاتم بن وردان، قال: "كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصدًا إلى المدينة ليقرئ عنه النبي -ﷺ- السلام" (^٥).
والقصة بهذا الإسناد لا تصح، يقول الحافظ ابن عبد الهادي -﵀-: "إن ما نقل عن عمر بن عبد العزيز من إبراده البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة، ليس بصحيح عنه؛ بل في إسناده ضعف وانقطاع حاتم بن وردان لم يلق عمر بن عبد العزيز ولم يدركه فروايته عنه مرسلة غير متصلة" (^٦).
والثاني: أنه كان يرسل السلام لرسول الله -ﷺ- مع بعض من قدم عليه من المدينة إذا أراد الرجوع إليها:
_________________
(١) انظر: المصنوع في معرفة الحديث الموضوع (ص ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) انظر: شفاء السقام في زيارة خير الأنام له (ص ٥٧ - ٥٨).
(٣) الصارم المنكي (ص ٢٣٧).
(٤) هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، من فضلاء الأشاعرة ومتقدميهم، وأكابر الشافعية ومقدميهم، من مؤلفاته: الأسماء والصفات، ودلائل النبوة، والبعث والنشور، توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٨/ ١٦٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٤).
(٥) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي -ﷺ- (٨/ ١٠٠) رقم (٣٨٦٩).
(٦) الصارم المنكي (ص ٢٤٤ - ٢٤٦).
[ ٢٣٧ ]
وقد أخرج القصة على هذا الوجه البيهقي أيضًا من طريق أبي سعيد بن أبي عمرو، عن أبي عبد الله الصفار، عن ابن أبي الدنيا، عن إسحاق بن أبي حاتم المدائني، عن ابن أبي فديك، عن رباح بن بشير، عن يزيد بن أبي سعيد قال: "قدمت على عمر بن عبد العزيز إذ كان خليفة بالشام، فلما ودعته قال: إن لي إليك حاجة إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي -ﷺ- فأقرئه مني السلام" (^١).
قال العلامة ابن عبد الهادي -﵀-: "هذا أجود ما روي عن عمر بن عبد العزيز في هذا الباب مع أن في ثبوته نظرًا، فإن رباح بن بشير شيخ مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي فديك.
ولو فرض أنه شيخ معروف ثقة، فليس في روايته ذكر إبراد البريد لمجرد الزيارة، وإنما فيها إرسال السلام مع بعض من قدم على عمر من أهل المدينة ويزيد بن أبي سعيد قصد الرجوع إلى بلده المدينة، وانضم إلى ذلك قصد آخر، وليس هذا محل النزاع، وإنما الخلاف في شد الرحال وإعمال المطي إلى مجرد زيارة القبور" (^٢).
ب- "أنه لو ثبت عن عمر بن العزيز -﵀- أنه كان يبرد البريد من الشام قاصدًا إلى المدينة لمجرد الزيارة والسلام، كان في فعله ذلك من جملة المجتهدين، ومن المعلوم أنه -﵁- أحد الخلفاء الراشدين ومن كبار الأئمة المجتهدين؛ فإذا قال قولًا باجتهاده وفعل فعلًا برأيه فإن قام دليله وظهرت حجته تعمين المصير إليه والاعتماد عليه، وإلا فهو ممن يحتج لقوله، ويستدل لفعله" (^٣).
وبعد هذا العرض والمناقشة يتبين أن القول الصحيح هو تحريم شد الرحال لمجرد زيارة قبر النبي -ﷺ-، وخطأ ابن حجر -غفر الله له- في قوله باستحباب ذلك وضعف أدلته التي ساقها للاستدلال له.
وأما ما زعمه من أن استحباب شد الرحال لا يختص بقبره -ﷺ- بل
_________________
(١) شعب الإيمان، إتيان المدينة وزيارة قبر النبي -ﷺ- (٨/ ١٠٠ - ١٠١) رقم (٣٨٧٠).
(٢) الصارم المنكي (ص ٢٤٥).
(٣) المصدر السابق (ص ٢٤٦).
[ ٢٣٨ ]
يشاركه في ذلك قبور الأنبياء والأولياء، فيرد عليه بنظير قوله في الاستحباب وهو أنه إذا بطل استحباب شد الرحال لقبره -ﷺ- فقبر غيره من باب أولى؛ "إذ قبر نبينا منها أولى وأحق وأعلى، بل لا نسبة بينه وبين غيره".
وكذا قوله بأن استحباب الزيارة وشد الرحال إليها لا يختص بالرجال وحدهم بل يشاركهم في ذلك النساء.
فيجاب عنه: بأن أهل العلم استحبوا زيارة القبور للرجال، بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك (^١)، وأما النساء فقد اختلفوا في مشروعية الزيارة في حقهن على أقوال، والقول الصحيح -والله أعلم- هو القول بتحريم زيارة القبور لهن (^٢)، ويدخل في ذلك قبره -ﷺ-، إذ لا وجه لتخصيص النهي عن ذلك بغير قبره -ﷺ- لعموم الأدلة وعدم وجود المخصص (^٣).
وأما شد الرحال إلى القبور فقد تقدم أن القول الصحيح الذي تعضده الأدلة ولا تدل على سواه هو تحريم شد الرحال إلى القبور وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء.
وما حكاه ابن حجر -عفا الله عنه- عن شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- وشنع به عليه من القول بتحريم الزيارة وإنكارها مطلقًا، مردود بكون شيخ الإسلام لم ينكر استحباب زيارة قبر النبي -ﷺ- من غير شد رحل، بل أنكر الزيارة مع شد الرحال وفرق بين الأمرين، ثم هو في قوله هذا متبع لقول الجمهور وأهل العلم المتقدمين -كما سبق- فالإنكار عليه إنكار عليهم، والتشنيع عليه تشنيع عليهم (^٤).
_________________
(١) قال النووي في المجموع (٥/ ٣١٠): "وهو قول العلماء كافة، نقل العبدري فيه إجماع المسلمين"، وتعقبه ابن حجر في الفتح (٣/ ١٤٨) بثبوت القول بكراهة الزيارة مطلقًا عن بعض التابعين.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٢٤٢)، والمجموع للنووي (٥/ ٢٨١ - ٢٨٢)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٥٢٣ - ٥٢٤).
(٣) انظر: مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٥) (٦/ ١٢٩ - ١٣٠)، وجزء زيارة النساء للقبور للشيخ بكر أبو زيد (ص ١١ - ١٣).
(٤) انظر: الصارم المنكي (ص ١٨)، جلاء العينين للألوسي (ص ٥٧٧)، شفاء الصدور للكرمي (ص ١٦٧ - ١٦٨)، الكشف المبدي (ص ١١٨ - ١١٩).
[ ٢٣٩ ]
والذي أوقع ابن حجر في فهمه الخاطئ لكلام شيخ الإسلام في ذلك، هو تقليده لغيره ومتابعته له على قوله، ومنهم العز بن جماعة وأبو الحسن السبكي اللذين استدل بقولهما وأشاد بهما.
يقول العلامة مرعي الحنبلي (^١) -﵀-: "ومن العجب أن ابن تيمية - رحمه الله تعالى- قائل بزيارة القبور حتى قبور الكفار وكتبه في الفقه ومناسكه في الحج مصرحة بذلك (^٢)، ومع هذا فتجد كثيرًا من المتعصبين وممن يستحل الوقعية في أئمة الدين ينقلون عنه القول بتحريم زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إما جهلًا أو بغضًا وعنادًا ممن شاع عنه ذلك في الأصل ثم قلده في ذلك من لا يحتاط لدينه ونسي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فنسأل الله -﷾- أن لا يفضحنا يوم تبلى السرائر، وأن يجعلنا من المتأدبين مع الأئمة الأكابر" (^٣).
الثاني: ما ينافي توحيد الألوهية أو يقدح فيه من الأقوال:
١ - الحلف بغير الله:
يرى ابن حجر -عفا الله عنه- كراهة الحلف بغير الله إذا كان الحالف لا يعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله، فإن كان يعتقد في المحلوف به ذلك فإن الحلف به يكون حينئذ كفرًا مخرجًا من الملة.
يقول في ذلك: "يكره الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته كالنبي -ﷺ-
_________________
(١) هو مرعي بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي المقدسي، من فقهاء الحنابلة المتأخرين، له تصانيف منها: أقاويل الثقات في تاويل الأسماء والصفات، وتحقيق البرهان في إثبات حقيقة الميزان، ودليل الطالب لنيل المطالب، توفي سنة ١٠٣٣ هـ. انظر: خلاصة الأثر (٤/ ٣٥٨)، الأعلام (٧/ ٢٠٣).
(٢) انظر: منسك شيخ الإسلام ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (٢/ ٣٧٥)، ومجموع الفتاوى (٢٦/ ٩٨).
(٣) شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور (ص ١٦٧ - ١٦٨)، وانظر: جلاء العينين للألوسي (ص ٥٧٧ - ٥٩٩)، والكشف المبدي للفقيه (ص ٦٢، ١٣٤، ١٩٤)، وأوضح الإشارة للنجمي (٤٠٦)، وللاستزادة: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام عرض ونقد د. عبد الله الغصن (ص ٣٢٣) وما بعدها.
[ ٢٤٠ ]
والملائكة والكعبة والحياة، وكذا الأمانة بل هي من أشدها كراهة
فالحلف بذلك كله مكروه بأي صفة كان، لا حرامٌ، ومحله إن لم يعتقد في المحلوف به أن يعظم بالحلف به كما يعظم الله فإن اعتقد ذلك كفر" (^١).
ويرى أن الأحاديث الدالة على أن الحلف بغير الله شرك أو كفر محمولة على من اعتقد التعظيم للمحلوف به كما يعتقد لله تعالى، يقول في ذلك: "أئمتنا أطلقوا أن الحلف بغير الله مكروه، نعم إن اعتقد له من العظمة بالحلف به ما يعتقده لله كان الحلف حينئذ كفرًا وهو محمل حديث ابن عمر (^٢) والأحاديث" (^٣).
ويبين ابن حجر أن النهي عن الحلف بغير الله عام في جميع صوره، ومنها الحلف بالنبي -ﷺ- حيث يقول في الرد على من استثنى ذلك من عموم النهي: "نهى -ﷺ- الناس عن الحلف به وبغيره من الخلق على حدٍّ واحد، فتحريم بعض الصور فقط تحكم" (^٤).
ويرى ابن حجر أن مما يلحق بالحلف بغير الله قول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي، حيث عد من
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١٩٠ - ١٩١)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٩/ ب)، تحفة المحتاج (٤/ ٢٨٩)، فتح الجواد (٢/ ٣٧٢).
(٢) يشير إلى حديث ابن عمر "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك"، والحديث أخرجه أبو داود كتاب الأيمان والنذور باب في كراهية الحلف بالآباء (٣/ ٥٧٠) برقم (٣٢٥١)، والترمذي كتاب الأيمان والنذور باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (٤/ ٩٣) برقم (١٥٣٥)، والطيالسي (٣/ ٤١٢) برقم (٢٢٠٨)، وأحمد (١٠/ ٢٤٩) برقم (٦٠٧٢)، والطحاوي في المشكل (٢/ ٢٩٧) برقم (٨٢٦)، وابن حبان (١٠/ ١٩٩) برقم (٤٣٥٨)، والحاكم (١/ ١٨) (٤/ ٢٩٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٩)، كلهم من حديث ابن عمر -﵁-. قال الترمذي: "حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
(٣) الزواجر (٢/ ١٨٤)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٢٨٩)، وفتح الجواد (٢/ ٣٧٢).
(٤) تنبيه الأخيار (ل ١٩/ ب).
[ ٢٤١ ]
الكبائر: "الحلف بالأمانة أو بالصنم مثلًا، وقول بعض المجازفين: إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي" (^١).
وقال في بيان حكم ذلك: "ويحرم إن فعل كذا فهو يهودي ونحوه، إن قصد تبعيد نفسه أو أطلق، وتلزمه التوبة، ويسن له أن يتشهد" (^٢).
التقويم:
الحلف بالله تعالى تعظيم له سبحانه، والعدول بالحلف به إلى الحلف بغيره عدوان على مقام الرب -﷿- وتنقص لكماله؛ ولهذا وردت النصوص بالنهي عن الحلف بغير الله تعالى والتحذير من ذلك، وتسميته شوكًا وكفرًا، ومنها:
قوله -ﷺ-: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (^٣).
وقوله -ﷺ-: "من حلف فقال في حلفه باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" (^٤).
وقوله -ﷺ-: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" (^٥).
وعليه فإن الحلف بغير الله محرم، وصاحبه دائر بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؛ وبيان ذلك أنه إن اعتقد تعظيم المحلوف به كتعظيم الله كان حلفه كفرًا أكبر وشركًا أكبر يخرج به من الملة، وإن لم يعتقد ذلك في المحلوف به كان حلفه كفرًا أصغر وشركًا أصغر لا يخرجه عن الملة، وإن
_________________
(١) الزواجر (٢/ ١٨٤).
(٢) فتح الجواد (٢/ ٣٧٢)، وانظر: الزواجر (٢/ ١٨٤).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا تحلفوا بآبائكم (٤/ ٢٠٧٦) برقم (٦٦٤٦)، ومسلم، في كتاب الأيمان، باب النهي عن الحلف بغير الله (٣/ ١٢٦٧) برقم (١٦٤٦) من حديث عبد الله بن عمر -﵄- به.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت (٤/ ٢٠٧٧) برقم (٦٦٥٠)، ومسلم، كتاب الإيمان من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله (٣/ ١٢٦٧ - ١٢٦٨) برقم (١٦٤٧) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
(٥) سبق تخريجه (ص ٢٤١).
[ ٢٤٢ ]
كان قد أتى ذنبًا عظيمًا (^١).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: "أجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله أو بصفاته، وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره" (^٢).
وبناء على ما سبق فإن ما ذهب إليه ابن حجر من كراهة الحلف بغير الله متعقب بما يلي:
أ- أن ظاهر النصوص من الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن الحلف بغير الله تدل على أن النهي فيها للتحريم، خاصة مع كونه الأصل في النواهي ما لم يأت صارف يصرفها عن ذلك، ولا صارف هنا عن التحريم، فبقي الأمر على الأصل (^٣).
ب- أن الحلف بغير الله يتضمن مضاهاة غير الله بالله، فإن العلماء متفقون على أن الحكمة من النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، وأن العظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده (^٤)، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال بكراهة الحلف بغير الله، بل القول الصحيح تحريم ذلك.
جـ- أن ابن حجر قرر أن الحالف بغير الله إذا اعتقد في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله كفر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، وكان حلفه كذلك؛ وعليه فيمكن القول بأن الحلف بغير الله إذا كان محتملًا لهذا الاعتقاد الباطل، فكيف يقال فيما هو مضاه له وشيبه به ووسيلة إليه إنه مكروه كراهة تنزيه، فإن الشرع قد جاء بتحريم كل قول أو فعل يوقع في الشرك أو يكون سببًا له، والوسائل لها أحكام المقاصد.
_________________
(١) انظر: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (١/ ٣٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٥٩٣)، فتح المجيد (٢/ ٦٩١)، النبذة الشريفة النفيسة للشيخ حمد بن معمر (ص ٦٠ - ٦١)، القول المفيد لابن عثيمين (٣/ ٢١٩).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٩٠)، وانظر: التمهيد (١٤/ ٣٦٦، ٣٦٧)، والفتاوى (١/ ٢٩٠، ٣٣٥)، والاستغاثة لشيخ الإسلام (١/ ٣٦٤، ٣٦٥).
(٣) انظر: منهاج التأسيس للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن (ص ١٠٥) (ص ٣٠٦).
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١/ ١٦٨) (١١/ ١٠٥)، فتح الباري (١١/ ٥٣١).
[ ٢٤٣ ]
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "الحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وقد حكى إجماع الصحابة على ذلك، وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه، والأول أصح قال عبد الله بن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا" (^١)؛ لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب" (^٢).
وأما ما قرره ابن حجر من كون النهي عن الحلف بغير الله عامًا يشمل كل محلوف به سواه سبحانه ومنه الحلف بالنبي -ﷺ- فهو مما وافق فيه عامة أهل العلم من السلف والخلف (^٣).
يقول شيخ الإسلام -﵀-: "الصواب الذي عليه عامة علماء المسلمين سلفهم وخلفهم، أنه لا يحلف بمخلوق ولا نبي ولا غير نبي ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من الشيوخ، والنهي عن ذلك نهي تحريم عند أكثرهم كمذهب أبي حنيفة وغيره وهو أحد القولين في مذهب أحمد" (^٤).
وأما قول ابن حجر عن الحلف بغير ملة الإسلام كقول بعض المجازفين أنا يهودي أو نصراني إن فعلت كذا بأنه محرم وكبيرة عظيمة يجب التوبة منها والإقلاع عنها فهو محل إجماع أهل العلم من المذاهب
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨/ ٤٦٩) برقم (١٥٩٢٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٨٣) برقم (٨٩٠٢) من طريق مسعد بن كدام، عن وبرة بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود فذكره. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٧٧): "رواته رواة الصحيح". وأخرجه ابن أبي شيبة (ص ١٨ - ١٩ في الجزء المفقود من المصنف) عن وكيع بن مسفر، عن عبد الملك بن ميسرة، عن أبي وبرة عن ابن مسعود -﵁- به. والأثر صححه الألباني في إرواء الغليل (٨/ ١٩١).
(٢) الفتاوى (١/ ٢٠٤).
(٣) انظر: تفسير القرطبي (٦/ ٢٧٠ - ٢٧١)، وأضواء البيان للشنقيطي (٢/ ١٢٣).
(٤) الفتاوى (٢٧/ ٣٤٩).
[ ٢٤٤ ]
الفقهية المشهورة (^١).
يقول العلامة النووي -﵀-: "يحرم أن يقول إن فعلت كذا أنا يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ونحو ذلك، فإن قاله وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك صار كافرًا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرمًا فيجب عليه التوبة ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله" (^٢).
٢ - سب الدهر:
يرى ابن حجر -﵀- النهي عن سب الدهر، وأن حكمه يختلف باختلاف حال الساب، حيث عده من الكبائر فقال في تعداده لها: "سب الدهر من عالم " (^٣) يعني بالنهي الوارد عن ذلك.
ثم أورد الأحاديث الدالة على النهي عن سب الدهر، وأعقبها بقوله: "عدّ هذا هو ظاهر الأحاديث ببادئ الرأي لا سيما قوله تعالى: "ويشتمني عبدي" (^٤)، فعد تعالى سب الدهر شتمًا له أي: يؤدي إليه وهو كفر، وما أدى إلى الكفر أدنى مراتبه أن يكون كبيرة، لكن كلام أئمتنا يأبى ذلك ويصرح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلًا عن كونه كبيرة.
والذي يتجه في ذلك التفصيل وهو أن من سب الدهر:
إن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة.
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٨)، حاشية ابن عابدين (٣/ ٥٥)، الحاوي الكبير للماوردي (١٥/ ٢٦٣)، المقدمات الممهدات (٢/ ٣١)، نهاية المحتاج (٨/ ١٦٩)، الإنصاف للمرداوي (١١/ ٣١، ٣٣)، زاد المعاد لابن القيم (٢/ ٤٧٠).
(٢) الأذكار (ص ٣١٩).
(٣) الزواجر (١/ ١١٣).
(٤) يشير إلى الحديث القدسي: "استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يقول: وا دهراه وا دهراه وأنا الدهر". والحديث أخرجه أحمد (١٦/ ٣٤٠) برقم (١٠٥٧٨)، وابن خزيمة (٤/ ١١٣) برقم (٢٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤١٨)، من طرق عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁- به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ولم يتعقبه الذهبي بشيء.
[ ٢٤٥ ]
أو الله تعالى فلا كلام في الكفر.
وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتماله الكفر وغيره، وظاهر كلام أئمتنا الكراهة هنا أيضًا لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى بطريق التجوز" (^١).
التقويم:
سب الدهر مما جاءت الأحاديث بالنهي عنه، وتكاثرت في التحذير منه، وهو مما ينافي التوحيد ويقدح فيه، لأنه في حقيقته سب لله تعالى إذ هو خالق الدهر والمتصرف فيه بما يشاء (^٢).
يقول العلامة ابن القيم -﵀- مبينًا مفاسد سب الدهر:
"في هذا ثلاث مفاسد عظيمة:
إحداها: سبه من ليس بأهل أن يسب فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمره، مذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه.
الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق الضرر، وأعطى من لا يستحق العطاء وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة، وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدًّا، وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه.
الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع الحق فيها أهواءَهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه " (^٣).
وعليه فسب الدهر إيذاء لله، وشعار لأهل الجاهلية يجب التنزه عنه والتحذير منه.
_________________
(١) الزواجر (١/ ١١٣)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص ٥)، وتنبيه الأخيار (ل ١٥/ أ).
(٢) انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٤ - ١٥٧)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ٣٥٧) شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٥)، مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١ - ٤٩٥)، فتح الباري (٨/ ٥٧٥)، غذاء الألباب للسفاريني (٢/ ٥٥٩ - ٥٦٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦٠٨ - ٦٠٩)، فتح المجيد (٢/ ٧٠٦ - ٧٠٨).
(٣) زاد المعاد (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
[ ٢٤٦ ]
وأما حكمه فيختلف باختلاف مقصد قائله:
فإن سب الدهر قاصدًا ما يقصده أهل الجاهلية من تأثيره وفعله من دون الله كما قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. فهذا شرك أكبر.
وإن سبه مع خلو قصده مما تقدم كأن يجري سب الدهر على لسانه دون اعتقاد لفاعلية الدهر وتأثيره فهذا شرك أصغر؛ ووجهه أن ألفاظ سب الدهر فيها منازعة لله في ربوبيته فصارت شركًا من هذا لوجه، إضافة إلى كونها ذريعة إلى الشرك الأكبر (^١).
وبناء على ما سبق فما قرره ابن حجر من التفصيل في حكم من سب الدهر على الوجه الذي ذكره، وقوله بكراهة ذلك إن أراد به سب الزمن، وتردده في الحكم عليه إن أطلق ولم يعين مراده باطل لوجوه، منها:
١ - أن النهي عن سب الدهر يقتضي التحريم مطلقًا لا الكراهة، إذ الأصل في النهي التحريم، فالعدول عنه إلى الكراهة يحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك، فيبقى النهي على أصله.
٢ - أن سب الدهر إيذاء لله تعالى وشتم له سبحانه، وقد توعد الله من آذاه بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وجعل نسبة الولد إليه شتمًا له سبحانه كما في الحديث القدسي: "شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني" (^٢).
وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن يقال فيما هو أذية لله وقرين لنسبة الولد إليه في الشتم إنه مكروه أو أن يتردد في حكمه.
٣ - أن سب الدهر دائر بين أمرين لا ثالث لهما وهما سب الله تعالى أو الشرك به، وكلاهما موجب للتحريم لا الكراهة.
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (٢/ ٣٥٥)، وتيسير العزيز الحميد (ص ٦٠٩).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ برقم (٣١٩٣) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
[ ٢٤٧ ]
يقول العلامة ابن القيم -﵀-: "ساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما، إما سبه لله تعالى أو الشرك به، فإنه إذا اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فقد سب الله" (^١).
٣ - الاستسقاء بالأنواء:
يرى ابن حجر -﵀- أن الاستسقاء بالأنواء وقول القائل: مطرنا بنوء كذا يحرم تارة ويجوز أخرى، وذلك بحسب اعتقاد قائل ذلك، ومراده بقوله، يقول في تقرير ذلك:
"من قال ذلك معتقدًا لتأثير الكوكب وحده أو مع الله تعالى كافر، وهذا مما لا خلاف فيه.
ومن قاله معتقدًا أن الكوكب جعله الله علامة على كذا بحسب ما استقر في العادة فليس بحرام.
وعلى هذا نص الشافعي -﵁- فقال: إذا قال: مطرنا بنوء كذا يريد وقت كذا فهو كقوله: مطرنا في شهر كذا، وهذا لا يكون كفرًا من مسلم ولا حرامًا بخلاف قول أهل الشرك، لأنهم يعتقدون التأثير له " (^٢).
التقويم:
الاستسقاء بالأنواء يراد به إضافة المطر لها، ونسبة مجيئه إليها (^٣).
والأنواء: جمع نوء، والنوء النجم (^٤).
_________________
(١) زاد المعاد (٢/ ٣٥٥).
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧١)، وانظر: الزواجر (١/ ١٥٨ - ١٥٩)، تنبيه الأخيار (ل ١٩/ أ).
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (١/ ٣٢١)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٤٠)، التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٢٨٧)، شرح السنة للبغوي (٤/ ٤٢٠)، النهاية لابن الأثير (٥/ ١٢٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥١)، فتح المجيد (٢/ ٥٣٥).
(٤) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٤٧٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٠٢)، الصحاح (١/ ٧٩)، لسان العرب، القاموس المحيط (ص ٦٩).
[ ٢٤٨ ]
وقول القائل: مطرنا بنوء كلذا لا يخرج عن حاليق:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل هو النجم وحده، أو أنه شريك لله تعالى في ذلك فهذا كفر أكبر بالاتفاق.
وثانيهما: أن يعتقد أن المنزل هو الله وحده، وأن النجم سبب لذلك، أو علامة جعلها الله عليه، فهذا مما اختلف أهل العلم في حكمه (^١).
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله -﵀-: "الاستسقاء بالنجوم نوعان:
أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر؛ إذ لا خالق إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل للمطر، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦٣] وليس هذا معنى الحديث (^٢)، فالنبي -ﷺ- أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر، فهو كافر.
الثاني: أن ينسب المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه -﷾- أجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم، فحكى ابن مفلح (^٣) خلافًا في مذهب أحمد في تحريمه وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه.
والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك الخفي، وهو الذي أراده
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٢٥٢)، التمهيد (١٦/ ٢٨٦)، شرح السنة للبغوي (٤/ ٤٢١)، المنتقى للباجي (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٦٠)، والأذكار له أيضًا (ص ٣١٨)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٧/ ٢٢٩)، فتح الباري (٢/ ٦٠٨)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥٤)، فتح المجيد (٢/ ٥٣٩)، القول المفيد لابن عثيمين (٢/ ١١٥).
(٢) يشير إلى حديث أبي مالك الأشعري وفيه: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن وذكر منها الاستسقاء بالنجوم"، والحديث أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة (٢/ ٦٤٤) برقم (٩٣٤).
(٣) هو محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الراميني ثم الصالحي، أحد أعلام الحنابلة في وقته، وتلاميذ شيخ الإسلام ابن ثيمية، من مؤلفاته: الفروع، والآداب الشرعية، وأصول الفقه وغيرها، توفي سنة (٧٦٣ هـ). انظر: الدرر الكامنة (٤/ ١٦١)، شذرات الذهب (٦/ ١٩٩).
[ ٢٤٩ ]
النبي -ﷺ-، وأخبر أنه من أمر الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودًا في هذه الأمة إلى اليوم، وأيضًا فإن هذا من النبي -ﷺ- حماية لجناب التوحيد، وسدٌّ لذرائع الشرك " (^١).
وعليه فما ذهب إليه ابن حجر من تحريم قول مطرنا بنوء كذا في حق من اعتقد تأثير الكواكب والنجوم وكفر قائله موافق لإجماع أهل العلم.
وأما قوله بجواز ذلك في حق من اعتقد تسبب الكواكب أو كونها علامة على ذلك، فهو وإن كان قولًا لبعض الشافعية إلا أن الصحيح خلافه لِمَا سبق.
وقول الشافعي -﵀- الذي أورده ابن حجر للدلالة على ما ذهب إليه يختص بمن قال مطرنا بنوء كذا وأراد في وقت كذا دون من قال ذلك يريد تسبب النجم في المطر أو كونه علامة عليه، وفرق بين الأمرين. على أنه قد نص غير واحد على تحريم هذا اللفظ مطلقًا سدًا للذريعة وحماية لجناب التوحيد.
٤ - إطلاق لفظ: عبدي وأمتي:
يرى ابن حجر -﵀- كراهة قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي حيث يقول: "روى الشيخان أنه -ﷺ- قال: "لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" (^٢)، وفي رواية لمسلم: "لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي" (^٣).
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٤٥٤، ٤٥٥)، وانظر: كلام ابن مفلح الذي أشار إليه في المبدع (٢/ ٢١٢).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله عبدي وأمتي (٢/ ٧٦٨) برقم (٢٥٥٢)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤) برقم (٢٢٤٩) من حديث أبي هريرة -﵁- به.
(٣) أخرجه مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب، باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة والمولى والسيد (٤/ ١٧٦٤) برقم (٢٢٤٩).
[ ٢٥٠ ]
ويؤخذ من قوله -ﷺ- في هذه: "كلكم عبيد الله" الإيماء إلى علة كراهة عبدي وأمتي بأنه موهم وجود حقيقة العبودية والأمتِّية لغير الله، وهو كذب بل كفر صريح فنهى عن ذلك اللفظ الموهم لذلك، وإن كان غير مراد بخلاف الفتاتية والغلامية والجارية، لا يوهم ذلك الإيهام ولا قريبًا منه فلا يكره" (^١).
التقويم:
قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي من الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة؛ لِمَا فيها من إيهام العبودية لغير الله، فالنهي عنها جاء تحقيقًا للتوحيد وبعدًا عن الشرك (^٢).
والنهي عن قول السيد لعبده وأمته عبدي وأمتي نهي تنزيه لا تحريم باتفاق أهل العلم.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني شارحًا ترجمة البخاري في صحيحه: "باب كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي وأمتي، وقول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (^٣) [النور: ٣٢].
"قوله: عبدي أو أمتي، أي: وكراهية ذلك من غير تحريم، ولذلك استشهد للجواز بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وبغيرها من الآيات والأحاديث الدالة على الجواز، ثم أردفها بالحديث الوارد في النهي عن ذلك، واتفق العلماء على أن النهي الوارد في ذلك للتنزيه، حتى أهل الظاهر " (^٤).
وعليه فما قرره ابن حجر -﵀- من كراهة تلفظ السيد بقوله عبدي وأمتي موافق لاتفاق أهل العلم.
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١٨٥ - ١٨٦)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٩/ أ).
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٥/ ٧)، والأذكار له (ص ٣٢٢)، زاد المعاد (٢/ ٤٧٠)، فتح الباري (٥/ ٢١١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦٥٥)، فتح المجيد (٢/ ٧٥٥)، القول المفيد لابن عثيمين (٣/ ٩٧ - ٩٨).
(٣) صحيح البخاري (٢/ ٧٦٧).
(٤) فتح الباري (٥/ ٢١١).
[ ٢٥١ ]
٥ - التسمي بملك الأملاك وما في معناه:
يرى ابن حجر -﵀- تحريم التسمي بملك الأملاك، وشاهن شاه، وحاكم الحكام، وقاضي القضاة. وأن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب. حيث عد من الكبائر: "التسمية بملك الأملاك" (^١) وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله:
"عد ما ذكر [يعني: من الكبائر] ظاهر، قال أئمتنا: وتحرم التسمية بكل من ملك الأملاك، وشاهِن شاه إذ هو بمعناه؛ وذلك أنه لا يوصف بذلك غير الله -﷿-.
وألحق بذلك بعض أئمتنا حاكم الحكام، وقاضي القضاة " (^٢).
التقويم:
لما كان الله سبحانه هو مالك الملك، ولا ملك أعظم وأكبر منه، كان إطلاق هذا الاسم على غيره لا يجوز؛ حفظًا للتوحيد ودفعًا لوسائل الشرك (^٣)، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أخنع (^٤) اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك" (^٥).
وقد نص غير واحد من أهل العلم على أنه يلحق بملك الأملاك ما في معناه كشاهن شاه، وسلطان السلاطين، وأحكم الحاكمين. واختلفوا في التسمي بقاضي القضاة وحاكم الحكام هل يلحقان بذلك أم لا؟
_________________
(١) الزواجر (١/ ٢١٢).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢١٢)، وانظر: تنبيه الأخيار (ل ١٨/ أ).
(٣) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ١٢٢)، تهذيب السنن لابن القيم (٧/ ٢٥٨)، زاد المعاد (٢/ ٣٤٠)، تحفة المودود (ص ١٣٠)، فتح الباري (١٠/ ٥٩٠)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦١٢)، فتح المجيد (٢/ ٧١١)، القول المفيد (٣/ ٣).
(٤) أخنع أي: أوضع أو أذل، والخانع: الذليل الخاضع، والمعنى: أشد الأسماء ذلًا وأوضعها عند الله. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٨)، والنهاية (٢/ ٨٤).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله (٤/ ١٩٥١) برقم (٦٢٠٥)، ومسلم، كتاب الأدب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك (٣/ ١٦٨٨) برقم (٢١٤٣).
[ ٢٥٢ ]
والراجح -والله أعلم- أنهما يلحقان بذلك لكون علة النهي متحققة فيهما كما هي متحققة في ملك الملوك وشاهن شاه وسلطان السلاطين (^١).
يقول العلامة ابن القيم ﵀: "ومن المحرم التسمية بملك الملوك، وسلطان السلاطين، وشاهن شاه
وقال بعض العلماء: وفي معنى ذلك كراهية التسمية بقاضي القضاة، وحاكم الحكام؛ فإن حاكم الحكام في الحقيقة هو الله " (^٢).
وبناء على ما سبق فما ذهب إليه ابن حجر ﵀ من تحريم التسمي بملك الأملاك وما في معناه موافق لِمَا عليه أهل العلم من أهل السنة والجماعة.
٦ - التوسل:
يرى ابن حجر- غفر الله له- استحباب التوسل بالنبي -ﷺ-، حيث يقول: "التوسل به -ﷺ- حسن في كل حال قبل خلقه، وبعد خلقه في الدنيا والآخرة " (^٣).
ويبين مراده بالتوسل به -ﷺ- المستحب فيقول: "معنى التوسل به -ﷺ- طلب الدعاء منه" (^٤)، أو الدعاء بحقه "والمراد بحقه رتبته ومنزلته إليه، أو الحق الذي جعله الله سبحانه وتعالي له على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه" (^٥).
ويرى أن "السؤال به -ﷺ- ليس سؤالًا له حتى يوجب اشتراكًا وإنما هو سؤال الله بمن له عنده قدر عليّ ومرتبة رفيعة وجاه عظيم فمن كرامته على ربه أن لا يخيب السائل به والمتوسل بجاهه" (^٦).
_________________
(١) انظر: زاد المعاد (٢/ ٣٤٠)، تحفة المودود (ص ١٣٠)، فتح الباري (١٠/ ٥٩١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٦١٣ - ٦١٤).
(٢) تحفة المودود (ص ١٣٠).
(٣) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٨٧) وما بعدها، وحاشية الإيضاح (ص ٤٩٩)، فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٦٣).
(٤) الجوهر المنظم (ص ٦٢)، وانظر: حاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).
(٥) الجوهر المنظم (ص ٦١).
(٦) المصدر السابق (ص ٦١).
[ ٢٥٣ ]
ويقرر أن التوسل به مشروع في كل أحواله -ﷺ- سواء كان ذلك قبل خلقه، أو بعد خلقه في الدنيا أو الآخرة، ويسوق الأدلة على ذلك فيقول:
"مما يدل لطلب التوسل به قبل خلقه
ما أخرجه الحاكم (^١) وصححه أنه -ﷺ- قال: "لَمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد -ﷺ- إلا ما غفرت لي، فقال الله: يا آدم كيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لَمّا خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إليّ، إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك " (^٢).
"وفي حياته: ما أخرجه النسائي والترمذي وصححه أن رجلًا ضريرًا أتى النبي -ﷺ- فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت وهو خير لك، قال: فادعه، وفي رواية: ليس لي قائد وقد شق عليّ، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد -ﷺ- نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى لي اللهم شفّعه فيّ.
وصححه البيهقي وزاد: فقام وقد أبصر.
وفي رواية: اللهم شفّعه فيّ وشفعني في نفسي" (^٣).
"ومما يستدل به على التوسل بالنبي -ﷺ- فعل عمر بن الخطاب -﵁- في توسله بالاستسقاء بعم النبي -ﷺ- العباس بن عبد المطلب، وكان يقول:
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي، أبو عبد الله، المعروف بابن البَيِّع الحاكم النيسابوري، إمام محدث، من مؤلفاته: المستدرك على الصحيحين، والمدخل إلى الصحيح، ومعرفة علوم الحديث، توفي سنة (٤٠٥ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٦٢)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٦).
(٢) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٨٩)، وحاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).
(٣) الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (ص ٩٨)، وحاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).
[ ٢٥٤ ]
اللهم إنّا كنّا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا هانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون
وهذا أوفى دليل في هذا المعنى لأن قول عمر بن الخطاب -﵁-: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، دليل ظاهر على أنه في حياته، وهو ما نحن فيه" (^١).
"وبعد وفاته استعمل السلف هذا الدعاء [يعني: الدعاء الوارد في حديث الضرير السابق] في حاجاتهم بعد موته، وقد علّمه عثمان بن حنيف الصحابي راويه لمن كان له حاجة عند عثمان بن عفان زمن إمارته بعده -ﷺ- وعسر عليه قضاؤها منه، وفعله فقضاها منه، رواه الطبراني (^٢) والبيهقي.
وروى الطبراني بسند جيد أنه -ﷺ- ذكر في دعائه: بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي" (^٣).
"وقد صح في حديث طويل أن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- فجاء رجل إلى قبر النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتاه -ﷺ- في النوم فأخبره أنهم يسقون فكان كذلك.
وفيه: ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس، أي: الرفق فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال: يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه.
وفي رواية: أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي -﵁-.
فعلم أنه -ﷺ- يطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته
_________________
(١) تحفة الزوار (ص ١٠٧).
(٢) هو سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، أبو القاسم، من حفاظ الحديث المكثرين من التصنيف فيه، من مصنفاته: ص المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، توفي سنة (٣٦٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٩)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠).
(٣) انظر: الجوهر المنظم (ص ٦١)، وانظر: تحفة الزوار (١٠٨)، حاشية الإيضاح (ص ٥٠٠).
[ ٢٥٥ ]
وأنه -ﷺ- يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه، وهذا مما قام الإجماع عليه، وتواترت به الأخبار" (^١) (^٢).
وابن حجر حينما يقرر استحباب التوسل لا يرى ذلك مقتصرًا على النبي -ﷺ- وحده، بل يشمل ذلك التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، يقول في ذلك: "ولا فرق بين ذكر التوسل به -ﷺ- أو بغيره من الأنبياء وكذا الأولياء وذلك:
لأنه ورد جواز التوسل بالأعمال كما في حديث الغار الصحيح مع كونها أعراضًا فالذوات الفاضلة أولى.
ولأن عمر بن الخطاب توسل بالعباس - ﵄ - في الاستسقاء ولم ينكر عليه" (^٣).
وقد شنع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الإسلام ابن تيمية في تحريمه التوسل بجاه النبي -ﷺ- فقال:
"من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مثلة، أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به -ﷺ-، وليس ذلك كما أفتى، بل التوسل به حسن في كل حال فقول ابن تيمية ليس له أصل من افترائه" (^٤).
التقويم:
التوسل: طلب الوسيلة، والوسيلة، القربة والشفاعة، يقال: وَسلَ وتَوَسلَ إلى الله تَوسُّلًا؛ إذا عمل عملًا تقرب به إليه.
_________________
(١) انظر: الجوهر المنظم (ص ٦٢، ٦٣)، وانظر: تحفة الزوار (ص ١١١)، وما بعدها.
(٢) توسع ابن حجر في ذكر الأدلة التي استدل بها على استحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في أحواله كلها في كتابه تحفة الزوار إلا أن كلامه فيه كان نقلًا عن السبكي ولهذا اعتمدت على الأدلة التي ساقها من نفسه في كتابه الجوهر المنظم مع الإشارة إلى مواضعها من تحفة الزوار.
(٣) انظر: الجوهر المنظم (ص ١ - ٦٢).
(٤) انظر: المصدر السابق (ص ٦١).
[ ٢٥٦ ]
فالتوسل في اللغة: التقرب (^١).
وهو في الشرع: التقرب إلى الله تعالى بوسيلة (^٢).
وهو قسمان:
الأول: توسل مشروع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة مشروعة، وهو ثلاثة أنواع:
١ - التوسل إلى الله تعالى بأسمائه وصفاته.
٢ - التوسل إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة.
٣ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الصالحين الأحياء.
والثاني: توسل ممنوع: وهو التقرب إلى الله تعالى بوسيلة ممنوعة، وهو أربعة أنواع:
١ - التوسل إلى الله تعالى بسؤال الأموات ودعائهم.
٢ - التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الأموات.
٣ - التوسل إلى الله تعالى بذوات المخلوقين.
٤ - التوسل إلى الله تعالى بجاه المخلوقين أو حقهم (^٣).
وهي مترددة بين الشرك والبدعة فالتوسل بسؤالهم ودعائهم وطلب الدعاء منهم بعد وفاتهم شرك أكبر، والتوسل بذواتهم أو جاههم أو حقهم بدعة منكرة (^٤).
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٨٩٢)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٩١)، الصحاح (٥/ ١٨٤١)، لسان العرب (١١/ ٧٢٤)، القاموس المحيط (١٣٨٩).
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية (ص ٧٩)، والتوصل إلى حقيقة التوسل لمحمد نسيب الرفاعي (ص ٢٠)، والتوسل أنواعه وأحكامه للألباني (ص ١٣).
(٣) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٧)، قاعدة في الوسيلة لابن تيمية (ص ٧٩)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢٩٥، ٢٩٦)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص ٩٤)، صيانة الإنسان (ص ١٩٧)، التوصل (ص ٢٢)، التوسل للألباني (ص ٣١)، التوسل لابن عثيمين (ص ١٣).
(٤) انظر: المصادر السابقة.
[ ٢٥٧ ]
إذا تقرر ذلك فالتوسل بالنبي -ﷺ- لفظ مجمل مشترك ترد عليه الأنواع المشروعة والممنوعة حسب مورد التوسل به واعتباراته وبكون حكمه تابعًا لحكمها.
فإن أريد به التوسل بالإيمان به ومحبته، أو التوسل بطلب الدعاء منه حال حياته -ﷺ- فهو توسل مشروع.
وإن أريد به التوسل بسؤاله ودعائه، أو طلب الدعاء منه بعد وفاته -ﷺ-، أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه فهو توسل ممنوع (^١).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لفظ التوسل بالشخص، والتوجه به، والسؤال به، فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم
يراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو لكون الداعي محبًا له مطيعًا لأمره، مقتديًا به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته.
ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا لشيء منه، ولا لشيء من السائل بل بذاته، أو بمجرد الإقسام به على الله.
فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه" (^٢).
وعليه فقول ابن حجر باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بمعنى طلب الدعاء منه بعد وفاته، أو السؤال بحقه وجاهه قول باطل؛ إذ هو بهذا المعنى توسل ممنوع لا يجوز، فلم يكن الصحابة والتابعون وأتباعهم يفعلونه ولو كان مشروعًا لكانوا أولى الناس به، فإنهم عدلوا عن الاستسقاء به إلى الاستسقاء بعمه، ولم يعرف عن أحد منهم أنه توسل بجاه النبي -ﷺ- وحقه (^٣).
وأما زعمه كون السؤال به -ﷺ- ليس سؤالًا له، واعتماده على ذلك
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢١٧)، الكشف المبدي للفقيه (ص ٢٦٣)، القول الجلي لمحمد أحمد خضر (ص ٥٤).
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٩٣).
(٣) انظر: اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص ٣٦)، قاعدة جليلة (ص ١١٥)، كشف ما ألقاه إبليس (ص ٢١٥ - ٢١٦).
[ ٢٥٨ ]
في تجويزه فمردود بكون السؤال به -ﷺ- يجمع بين الشرك والبدعة.
فهو شرك من جهة كون السائل اعتقد أن السؤال بالنبي -ﷺ- سببًا لتحقق المسؤول، واتخاذ ما لم يجعله الله سببًا لا شرعًا ولا كونًا سببًا شرك أصغر.
وهو بدعة من جهة كون السؤال بالنبي -ﷺ- لم يكن معروفًا في عهد النبي -ﷺ- وأصحابه، وكل ما لم يكن موجودًا في عهدهم مع قيام المقتضي له فهو بدعة (^١).
وقوله بذلك مبني على شبهة المجاز العقلي وقد سبق الجواب عنها بما يغني عن إعادته (^٢).
وأما ما أورده ابن حجر من الأدلة لقوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في جميع أحواله فهي مما لا يمكن الاستدلال به؛ لكونها إما مطعونًا في ثبوتها، أو في دلالتها، أو فيهما جميعًا، وفيما يلي مناقشة هذه الأدلة:
أولًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- قبل خلقه:
استدل ابن حجر بحديث توسل آدم ﵇ بالنبي -ﷺ- حين وقعت منه الخطيئة ومغفرة الله له بسبب توسله.
والحديث أخرجه الحاكم (^٣)، والبيهقي (^٤)، والطبراني (^٥)، من طرق عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن جده، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا.
قال الحاكم بعد إخراجه له: "صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب" (^٦).
_________________
(١) انظر: التوسل لابن عثيمين (ص ٣٣).
(٢) انظر: (ص ١٦٢).
(٣) انظر: المستدرك (٢/ ٦١٥).
(٤) انظر: دلائل النبوة (٥/ ٤٨٩).
(٥) انظر: المعجم الصغير (٢/ ٨٢).
(٦) المستدرك (٢/ ٦١٥).
[ ٢٥٩ ]
وأخرجه الآجري (^١) من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به موقوفًا من قول عمر -﵁- (^٢).
والحديث معلول سندًا ومتنًا.
فأما السند ففيه ثلاث علل:
١ - ضعف عبد الرحمن بن زيد بن أسلم- وعليه مدار الحديث- (^٣).
٢ - جهالة من دون عبد الرحمن بن زيد، وقد أشار إلى ذلك الهيثمي (^٤) حيث قال: "فيه من لم أعرفهم" (^٥).
ومن هؤلاء عبد الله بن مسلم الفهري (^٦).
٣ - اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعًا، وتارة موقوفًا على عمر -﵁- (^٧).
وأما المتن فهو يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
١ - أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمدﷺ-، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه قال ﷿: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ
_________________
(١) هو محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، أبو بكر، أحد أعلام السلف ومصنفيهم، من مؤلفاته: الشريعة، والأربعون، وأخلاق العلماء وغيرها، توفي سنة ٣٦٠ ص. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٣٣)، شذرات الذهب (٣/ ٣٥).
(٢) انظر: الشريعة (٣/ ١٤١٥) برقم (٩٥٦).
(٣) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٥/ ٢٣٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٢٨٤)، والمجروحين لابن حبان (٢/ ٥٧ - ٥٩)، والكامل لابن عدي (٤/ ١٥٨١)، وميزان الاعتدال للذهبي (٢/ ٢٦٤).
(٤) هو علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، أبو الحسن، المصري، المحدث الحافظ، من مؤلفاته: مجمع الزوائد، وترتيب الثقات لابن حبان، وزوائد ابن ماجه على الكتب الستة، توفي سنة (٨٠٧ ص). انظر: الضوء اللامع (٥/ ٢٠٠)، الأعلام (٤/ ٢٦٦).
(٥) مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٣).
(٦) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤)، ولسان الميزان (٣/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
(٧) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٧٥)، والتوسل للألباني (ص ١٢٤).
[ ٢٦٠ ]
فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ [البقرة: ٣٧]. وقد قيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] (^١).
٢ - أن الحديث جاء في آخره: "ولولا محمد ما خلقتك"، وهذا مخالف للقرآن الكريم في بيانه أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي عبادة الله وحده، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] (^٢).
وقد أعل الحديث بهذه العلل أو بعضها جماعة من المحدثين كالبيهقي (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، والحافظ الذهبي (^٥)، والإمام ابن عبد الهادي (^٦)، والحافظ الهيثمي (^٧)، والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٨)، والعلامة الألباني (^٩) (^١٠).
وأما تصحيح الحاكم لهذا الحديث فيجاب عنه بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "رواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قال في كتاب المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم: عبد الرحمن بن
_________________
(١) انظر: الرد على البكري لابن تيمية (ص ١٠)، التوسل للألباني (ص ١٢٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٢٤).
(٢) انظر: التوسل للألباني (ص ١٢٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٢٧).
(٣) انظر: دلائل النبوة (٥/ ٤٨٩).
(٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٧)، الرد على البكري (ص ٥ - ١١، ٦٠).
(٥) انظر: ميزان الاعتدال (٢/ ٥٠٤).
(٦) انظر: الصارم المنكي (ص ٤٣).
(٧) انظر: مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٣).
(٨) انظر: لسان الميزان (٣/ ٣٥٩)، النكت على ابن الصلاح (١/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٩) هو محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي بن آدم الألباني، أحد علماء المحدثين المعاصرين، من مؤلفاته: التوسل أنواعه وأحكامه، تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، سلسلة الأحاديث الصحيحة، وغيرها، توفي سنة ١٤٢٠ هـ. انظر: الألباني حياته وآثاره لمحمد الشيباني.
(١٠) انظر: التوسل (ص ١١٥).
[ ٢٦١ ]
زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا يخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث وهي موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث
ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه. وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه " (^١).
وعليه فالحديث معلول لا يحتج به، وكلام عامة أهل العلم فيه دائر بين الحكم بوضعه أو ضعفه الشديد.
ثانيًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- في حياته:
استدل ابن حجر بحديث الضرير وحديث توسل عمر بالعباس -﵄- على استحباب التوسل بجاه النبي -ﷺ- وحقه في حياته، وهما حديثان صحيحان، ولكنهما لا يدلان على ما ذهب إليه ابن حجر.
فأما حديث الضرير (^٢) فيجاب عنه بما يلي:
١ - أن المراد بالتوسل به -ﷺ- في الحديث هو التوسل بدعائه وهو
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٦٨ - ١٧٠).
(٢) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات (٥/ ٥٦٩) برقم (٣٥٧٨)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة ذكر حديث عثمان بن حنيف (٦/ ١٦٨ - ١٦٩) برقم (١٠٤٩٤)، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة (١/ ٤٤١) برقم (١٣٨٥)، وأحمد (٢٨/ ٤٧٨) برقم (١٧٢٤٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابن خزيمة (٢/ ٢٢٥) برقم (١٢١٩)، والطبراني في الكبير (٩/ ٣١ - ٣٢) برقم (٨٣١١) والصغير (١/ ٣٠٧) برقم (٥٠٨)، والحاكم (١/ ٣١٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٦٦) من طرق عن عثمان بن حنيف -﵁- به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب ". وقال الحاكم: "هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
[ ٢٦٢ ]
مشروع في حياته -ﷺ- بخلاف التوسل بجاهه أو حقه أو ذاته فهو لا يشرع بحال، ومما يؤيد كون التوسل المراد في الحديث التوسل بدعائه قول الأعمى: ادع الله أن يعافيني، ووعده -ﷺ- بالدعاء مع بيان الأفضل له، ثم إصرار الأعمى على الدعاء، وقوله: اللهم فشفعني فيه، وشفعه فيّ، كل ذلك يدل على أن المراد به التوسل بدعائه؛ لأن هذه الصيغة لا تحتمل غير ذلك (^١).
٢ - أنه لو كان المراد بالتوسل به -ﷺ- في الحديث التوسل بذاته أو جاهه، أو حقه، لا دعائه، لكان كل أعمى من الصحابة ومن بعدهم إلى هذا الزمان، يتوسلون إلى الله بذات النبي -ﷺ- وجاهه وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى (^٢).
وأما حديث توسل عمر بن الخطاب بالعباس (^٣) -﵄- فيجاب عنه من وجهين:
١ - أن المقصود بالتوسل بالنبي -ﷺ- الوارد في الحديث طلب الدعاء منه وهو مشروع في حياته دون وفاته- كما سبق- لا التوسل بذاته أو حقه وجاهه فهو ممنوع مطلقًا، فلا دلالة في الحديث على ما ذهب إليه ابن حجر (^٤).
_________________
(١) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٤)، قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١١٥)، اللمعة في الأجوبة السبعة لابن تيمية (ص ٤٨ - ٥٠)، تلخيص كتاب الاستغاثة لابن تيمية (ص ١٢٩ - ١٣٠)، النبذة الشريفة لابن معمر (ص ٨٣)، صيانة الإنسان (ص ١٢٥)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ١٦٢)، الضياء الشارق له أيضًا (ص ٥٣٧)، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٢١٦)، الكشف المبدي للفقيه (ص ٢٤٥)، التوصل للرفاعي (ص ٢٣٦)، التوسل للألباني (ص ٧٥).
(٢) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٢٦٠)، تلخيص كتاب الاستغاثة (ص ١٣٠).
(٣) الحديث أخرجه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا (١/ ٣٠٢) برقم (١٠١٠) من حديث أنس -﵁- به.
(٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، تلخيص الاسثغاثة (ص ١٢٦)، اللمعة في الأجوبة السبعة، كشف ما ألقاه إبليس لعبد الرحمن بن حسن (ص ٥٥)، الصواعق المرسلة الشهابية (ص ٢٦٢)، الضياء الشارق (ص ٥٥١ - ٥٥٢)، صيانة الإنسان (ص ١٣٦)، الكشف المبدي (ص ٢٤٣)، التوصل للرفاعي (ص ٢٦١)، التوسل للألباني (ص ٥٥).
[ ٢٦٣ ]
ومما يدل على أن المراد بالتوسل في الحديث طلب دعائه -ﷺ- لا التوسل بذاته أو جاهه أو حقه أمران:
أ- الأحاديث الواردة في الاستسقاء، ومنها ما رواه أنس بن مالك -﵁-: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب نحو دار القضاء- ورسول الله -ﷺ- قائم يخطب- فاستقبل رسول الله -ﷺ- وقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا " الحديث" (^١).
فدل هذا الحديث دلالة قوية ظاهرة على أن توسلهم به -ﷺ- كان توسلًا بدعائه، لا بجاهه، وهذا ظاهر من قوله: "فادع الله لنا".
ب- أن توسل عمر بن الخطاب بالعباس -﵁- كان توسلًا بدعائه لا بذاته، فإن العباس لَمّا استسقى به عمر قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث " (^٢) (^٣)
٢ - أن عدول عمر -﵁ - عن التوسل بالنبي -ﷺ- بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته أو جاهه وحقه إلى التوسل بالعباس -﵁- وإقرار الصحابة له دليل على عدم جواز ذلك؛ إذ لا يمكن أن يتوسلوا بالمفضول ويدعوا الفاضل، خاصة مع جدبهم وحاجتهم، فالدليل حجة عليه لاله (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الاستسفاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (١/ ٣٠٣) برقم (١٠١٤)، ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (٢/ ٦١٢) برقم (٨٩٧) من حديث أنس -﵁- به.
(٢) أخرجه الزبير بن بكار في الأنساب كما في فتح الباري (٢/ ٥٧٧).
(٣) انظر: التوسل للألباني (ص ٥٦ - ص ٦٨).
(٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ٨٢)، تلخيص الاستغاثة (ص ١٢٦)، اللمعة في الأجوبة السبعة (ص ٥٠).
[ ٢٦٤ ]
ثالثًا: مناقشة الأدلة التي استدل بها ابن حجر على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بعد وفاته:
استدل ابن حجر على استحباب التوسل بالنبي -ﷺ- وفاته بطلب الدعاء منه، أو التوسل بذاته أو جاهه بثلاثة أدلة:
الأول: فعل عثمان بن حنيف -﵁-:
ونص القصة: "أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان -﵁- في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ ثم ايت المسجد فصل ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد -ﷺ- نبي الرحمة يا محمد؛ إني أتوجه بك إلى ربي فتقضي لي حاجتي وتذكر حاجتك ".
والجواب عنها من وجهين:
١ - أن القصة أخرجها الطبراني (^١) والبيهقي (^٢) من طريق شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الحظمي، عن أبي أمامة سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف بها.
وهي بهذا الإسناد لا تثبت، بل هي معلولة بما يلي:
أ- ضعف شبيب بن سعيد (^٣) وتفرده بها (^٤).
ب- الاختلاف على شبيب فيها فإنه تارة يذكر القصة في الحديث وتارة يهملها (^٥).
_________________
(١) انظر: المعجم الكبير (٩/ ٣١) برقم (٨٣١٠)، والمعجم الصغير (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧) برقم (٥٠٨).
(٢) انظر: دلائل النبوة (٦/ ١٦٧ - ١٦٨).
(٣) انظر: التاريخ الكبير (٤/ ٢٣٣)، والجرح والتعديل (٤/ ٣٥٩)، والكامل لابن عدي (٤/ ١٣٤٦)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٢)، تهذيب الكمال (١٢/ ٣٦٠).
(٤) نص على تفرده في هذه الرواية الطبراني في الصغير (١/ ٣٠٧).
(٥) أخرجها البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٦٧ - ١٦٨) بالوجهين، وأخرجها الحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٦) وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ٥٨١) برقم (٦٢٨) دون ذكر القصة وهي الرواية المحفوظة لموافقتها لرواية الأثبات.
[ ٢٦٥ ]
جـ- مخالفة شبيب للثقات الذين رووا الحديث مجردًا عن القصة في السند والمتن (^١).
٢ - أن فعل عثمان بن حنيف -ﷺ- لو ثبت عنه فهو معارض بفعل الصحابة -﵃- فإنهم لم يكونوا- يتوسلون بالنبي -ﷺ- بعد وفاته لا بطلب الدعاء منه ولا بالتوسل بذاته أو جاهه، بل عدلوا عن التوسل به بعد وفاته إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل به -ﷺ- بعد وفاته بطلب الدعاء منه أو التوسل بذاته وجاهه مشروعًا لم يعدلوا عن التوسل به -ﷺ- (^٢).
الثاني: حديث أنس بن مالك -﵁- في قصة فاطمة بنت أسد:
ونصه: "لَمّا ماتت فاطمة بنت أسد أم علي -﵄- دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلامًا أسود يحفرون فلما فرغ دخل رسول الله -ﷺ-، فاضطجع فيه فقال: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي فإنك أرحم الراحمين ".
والجواب عنه:
أن الحديث أخرجه الطبراني (^٣)، ومن طريقه أبو نعيم (^٤) في الحلية (^٥) عن أحمد بن حماد، عن روح بن صلاح، عن سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أنس بن مالك -﵁- به.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف لا تقوم به الحجة، لضعف روح بن
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٢٦٨)، التوسل للألباني (ص ٩٥).
(٢) انظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٧٥٩ - ٧٦٠)، صيانة الإنسان (ص ٣٧٧)، الكشف المبدي (ص ٢٦٧)، الصواعق المرسلة الشهابية (ص ١٦٢)، التوسل للألباني (ص ٩٢)، هدم المنارة لعمرو عبد المنعم (ص ١١٤).
(٣) انظر: المعجم الكبير (٢٤/ ٣٥١) برقم (٨٧١)، والأوسط (١/ ١٥٢) برقم (١٩١).
(٤) هو أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني، أبو نعيم، حافظ محدث، مكثر من التصنيف، من مصنفاته: حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة وغيرها، توفي سنة (٤٣٠ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٤٥٣)، شذرات الذهب (٣/ ٢٤٥).
(٥) انظر: حلية الأولياء (٣/ ١٢١).
[ ٢٦٦ ]
صلاح من جهة (^١)، وتفرده به عن أصحاب سفيان الثوري من جهة أخرى (^٢).
وأما زعم ابن حجر أن الطبراني رواه بسند جيد فلعله بناه على توثيق ابن حبان (^٣) (^٤) والحاكم (^٥) لروح هذا، وهو متعقب بما يلي:
١ - أن ابن حبان والحاكم قد عرفا بتساهلهما في التوثيق فلا يعارض قولهما قول جمهور المحدثين (^٦).
٢ - أن روح تفرد بالحديث عن أصحاب سفيان، وقد عد أهل الحديث تفرد الرجل عمن أكثر الرواة عنه طعنًا فيه وفي روايته (^٧).
الثالث: فعل بلال بن الحارث المزني -﵁-:
والجواب عنه من وجهين:
١ - أن القصة أخرجها ابن أبي شيبة (^٨) (^٩) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدار بها.
وهي معلولة سندًا ومتنًا.
_________________
(١) انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ١٠٠٥)، ميزان الاعثدال (٢/ ٥٨)، لسان الميزان (٢/ ٤٦٥).
(٢) نص على تفرده به أبو نعيم في الحلية (٣/ ١٢١).
(٣) هو محمد بن حبان بن أحمد بن معاذ بن معبد التميمي الدارمي البستي، أبو حاتم، المحدث الحافظ، شيخ خراسان في وقته، من مؤلفاته: الصحيح، والمجروحين، وروضة العقلاء وغيرها، توفي سنة ٣٥٤ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٦/ ٩٢)، شذرات الذهب (٣/ ١٦).
(٤) انظر: الثقات (٨/ ٢٤٤).
(٥) انظر: سؤالات أبي مسعود السجزي للحاكم (ص ٩٨).
(٦) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (١/ ٣٢)، والتوسل له (ص ١١٢).
(٧) انظر: مقدمة صحيح مسلم (١/ ٧).
(٨) هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم أبي شيبة العبسي مولاهم، المشهور بابن أبي شيبة، من حفاظ الحديث وأعلام السلف، من مؤلفاته: المصنف، والإيمان، والأدب وغيرها، توفي سنة ٢٣٥ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ١٢٢)، شذرات الذهب (٢/ ٨٥).
(٩) انظر: المصنف (١٢/ ٣١ - ٣٢) برقم (١٢٠٥١).
[ ٢٦٧ ]
أما السند ففيه علتان:
أ- جهالة مالك الدار حيث لم يُذكر فيه جرح ولا تعديل ولم يرو عنه إلا اثنان، وهذا يرفع عنه جهالة العين دون جهالة الحال، فيبقى على جهالته (^١).
ب- جهالة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي -ﷺ-، وأما ما ذكره ابن حجر من كونه سمي في رواية أخرى، وأنه بلال بن الحارث المزني، فهذه الرواية رواها سيف بن عمر (^٢)، وسيف تفرد بها وهو ضعيف بالاتفاق، بل متهم بالوضع والكذب (^٣).
وأما المتن: فإن القصة منكرة؛ لمخالفتها ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء في مثل هذه الحالات، ومخالفتها ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين، إذ ما جاء عنهم أنهم كانوا يرجعون إلى قبر النبي -ﷺ- أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط يستدفعونها بهم وبدعائهم وشفاعتهم، بل كانوا يرجعون إلى الله تعالى واستغفاره وعبادته (^٤).
٢ - أن القصة لو صحت فلا حجة فيها، إذ من شرط حجية قول الصحابي وفعله عدم مخالفته للأدلة أو معارضته بقول أو فعل صحابي آخر، وكلاهما غير متحقق في فعل بلال بن الحارث على التسليم بصحته عنه (^٥).
_________________
(١) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل (٨/ ٢١٣)، والتاريخ الكبير (٧/ ٣٠٤)، وتهذيب التهذيب (٦/ ١٨٧).
(٢) نص على ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (٢/ ٤٩٦) حيث قال: "روى سيف في الفتوح .. "، وبمراجعة كتاب الفتوح لسيف بن عمر لم أجد الرواية فلعلها في الجزء المفقود منه.
(٣) انظر: ترجمته في الجرح والتعديل (٤/ ٢٧٨)، والمجروحين لابن حبان (١/ ٣٤٥)، والكامل لابن عدي (٣/ ١٢٧١)، وميزان الاعتدال (٢/ ٢٥٥)، والمغني في الضعفاء للذهبي (١/ ٤٦٠) وتهذيب الكمال (١٢/ ٣٢٤).
(٤) انظر: التوسل للألباني (ص ١٣٢).
(٥) انظر: الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ١٦٩)، والتوصل للرفاعي (ص ٢٥٦)، والتوسل للألباني (ص ١٣٠)، وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز على فتح الباري (٢/ ٤٩٥).
[ ٢٦٨ ]
وبعد مناقشة أدلة ابن حجر التي ساقها للاستدلال على قوله باستحباب التوسل بالنبي -ﷺ- بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه وبيان ضعفها وعدم دلالتها على قوله يظهر بطلان زعمه بكون ذلك مما تواترت به الأخبار وقام عليه الإجماع.
فإن الأخبار على خلافه، وكل ما استدل به فهو مطعون في ثبوته أو في دلالته، والمستدل عليه أن يبين صحة دليله ودلالته على قوله، وكلاهما غير متحقق فيما ساقه من الأدلة.
وأما الإجماع فإنه على نقيضه، فلم يعرف عن السلف الأوائل من الصحابة والتابعين وأتباعهم طلب الدعاء منه -ﷺ- بعد وفاته أو التوسل بذاته وجاهه، ودعوى إجماعهم على خلاف ذلك تحتاج إلى دليل، ولا دليل يدل على ذلك (^١).
وقوله باستحباب التوسل بالأنبياء والأولياء وكونه لا يقتصر على النبي -ﷺ- وحده، القول فيه كالقول في التوسل بالنبي -ﷺ-.
وأما استدلاله بقياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال، وتوسل عمر بالعباس -﵄- فالجواب عنهما بأن يقال:
أما قياس التوسل بالأنبياء والأولياء على التوسل بالأعمال لكون التوسل بهم توسل بذوات والتوسل بها توسل بأعراض، والتوسل بالذوات أولى من التوسل بالأعراض فمردود من وجهين:
١ - أنه لا ملازمة بين جواز التوسل بالأعراض وبين جواز التوسل بالذوات فالقياس بينهما قياس مع الفارق (^٢).
٢ - أن التوسل بالأعمال هو تقرب إلى الله تعالى بما شرعه لعباده، وهو معقول لتزكيتها لنفس العامل وجعله أهلًا لقبول دعائه واستجابته، وأما ذوات غيره فلا تأثير لها في تزكيته البتة مهما كان فضلها فإن عملها مزكٍّ لها لا لغيرها (^٣).
_________________
(١) انظر: صيانة الإنسان (ص ٢٢٧).
(٢) انظر: المصدر السابق (ص ٢٧٧).
(٣) انظر: المصدر السابق (ص ٢٧٨، ١٥٥)، والتوسل للألباني (ص ١٥١).
[ ٢٦٩ ]
وأما توسل عمر بالعباس -﵄- فقد سبق الجواب عنه بما يغني عن إعادته (^١).
وأما تشنيع ابن حجر- عفا الله عنه- على شيخ الاسلام ابن تيمية في إنكاره التوسل بالنبي -ﷺ- زعمه بكونه مما انفرد به فالجواب عنه من وجهين:
١ - أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يمنع من عموم التوسل به -ﷺ-- كما توهمه عبارة ابن حجر- وإنما ذهب إلى أن التوسل بالنبي -ﷺ- منه ما هو مشروع ومنه ما هو ممنوع- وقد سبق نقل كلامه في ذلك (^٢).
٢ - أن شيخ الإسلام لم ينفرد بمنع التوسل بالنبي -ﷺ- بطلب الدعاء منه بعد وفاته أو التوسل بذاته أو جاهه، بل سبقه إلى ذلك جماعة من أهل العلم منهم أبو حنيفة النعمان، وصاحبه أبو يوسف (^٣) (^٤) فالتشنيع عليه تشنيع عليهم، والاستطالة في عرضه استطالة في أعراضهم.
وقد رد على ابن حجر غير واحد من أهل العلم في القديم والحديث تشنيعه على شيخ الإسلام وزعمه بتفرده بتحريم التوسل بالنبي -ﷺ- بما يغني عن التطويل بذكره (^٥).
_________________
(١) انظر: (ص ٢٦٣).
(٢) انظر: (ص ٢٥٨).
(٣) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي البغدادي، أبو يوسف، تلميذ أبي حنيفة وناشر مذهبه، من مؤلفاته: الخراج، والفرائض، والآثار وغيرها، توفي سنة ١٨٢ هـ. انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (١/ ٢٩٨).
(٤) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٨٧)، إتحاف السادة المتقين للزبيدي (٢/ ٢٨٥)، جلاء العينين للألوسي (ص ٥١٦ - ٥١٧، ٥٥١)، الصواعق المرسلة الشهابية لابن سحمان (ص ٢١٠).
(٥) انظر: جلاء العينين للألوسي (ص ٤٨٥ - ٥٧٧)، وللاستزادة: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية لعبد الله الغصن (ص ٤٢٨).
[ ٢٧٠ ]