من الأصول المقررة - عند القائلين بالمجاز - أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأن المجاز على خلاف الأصل، فلا يعدل عنها إلا لقرينة (^١).
وقد قرر ذلك ابن حجر - ﵀ - في مواضع متعددة، وكرره في مواطن مختلفة (^٢)، منها قوله:
"كل ما يمكن حمله على ظاهره يتعين حمله عليه، ولا يؤول إلا لدليل يمنع من الحمل على ظاهره" (^٣).
وأنكر - ﵀ - على من صرف ألفاظ النصوص عن حقائقها إلى مجازاتها، وتأولها بما ينافي ظاهرها، كإنكاره على من تأوّل شفاعة الصيام والقرآن يوم القيامة (^٤)، ومن تأوّل نزول الحجر الأسود أبيضَ من الجنة (^٥)، ومن تأوّل بقاء الملائكة على أسوار مكة والمدينة لحراستها من الطاعون والدجال (^٦).
إلا أن - ابن حجر - غفر الله له - خالف ذلك ووقع فيما أنكره على غيره حيث أعمل المجاز والتأويل والتفويض في نصوص الصفات، وحرف دلالاتها عن حقائقها، ومن أمثلة ذلك:
أ - قوله بأن حقيقة اليمين مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن مزيد الرضا والقبول وإعظام الجزاء، وتأويله لها بذلك (^٧).
ب - قوله بأن حقيقة الأصابع مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الخير والشر في العبد، وتأويله لها بذلك (^٨).
_________________
(١) = (١/ ٢٧٧)، وللاستزادة: منهج السلف والمتكلمين في موافقة العقل للنقل لجابر إدريس (١/ ١١٧) وما بعدها.
(٢) انظر: الطراز للعلوي (١/ ٧٧).
(٣) انظر: فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٢٨، ٢٢٣، ٢٢٥، ٣٤٤، ٣٤٦)، التعرف (ص ٣٥، ٣٧).
(٤) فتح الإله (ص ٣٤٦).
(٥) انظر: المصدر السابق (ص ٢٨).
(٦) انظر: المصدر السابق (ص ٢٢٥).
(٧) انظر: المصدر السابق (ص ٣٤٤).
(٨) انظر: (ص ٣١٢).
(٩) انظر: (ص ٣١٤).
[ ٦٩ ]
ج - قوله بأن حقيقة النزول مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن نزول أمره أو بعض ملائكته، وتأويله لها بذلك (^١).
د - قوله بأن حقيقة القرب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن مزيد الإنعام، وتأويله لها بذلك (^٢).
هـ - قوله بأن حقيقة المحبة مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن التفضيل والإنعام، وتأويله لها بذلك (^٣).
و- قوله بأن حقيقة الغضب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الإنعام أو الإنعام نفسه، وتأويله لها بذلك (^٤).
ز - قوله بأن حقيقة الغضب مستحيلة على الله تعالى، وأنها مجاز عن إرادة الانتقام أو الانتقام نفسه، وتأويله لها بذلك (^٥).
وإعمال ابن حجر - عفا الله عنه - المجاز والتأويل والتفويض في هذه المسائل مخالف لِمَا قرره هو من جهة، ومنافٍ للصواب من جهة أخرى، وسيأتي لذلك مزيد بسط - بإذن الله - (^٦).