عرف ابن حجر ﵀ النذر بقوله:
"النذر لغة: الوعد بشرط، أو التزام ما ليس بلازم، أو الوعد بخير أو شر.
وشرعًا: التزام مسلم مكلف ما لا في ذمته" (^٢).
وذكر -غفر الله له- أن النذر لغير الله تعالى كالنذر للأولياء والأموات يكون صحيحًا تارة وفاسدًا أخرى؛ وذلك بحسب إرادة الناذر ونيته، حيث قال:
"النذر للولي إنما يقصد به غالبًا التصدق عنه لخدَّام قبره وأقاربه وفقرائه، فإن قصد الناذر شيئًا من ذلك أو أطلق صح، وإن قصد التقرب لذات الميت كما يفعله أكثر الجهلة لم يصح لأن القُرَب إنما يُتَقرَّب بها إلى الله تعالى لا إلى خلقه" (^٣).
وبيّن ﵀ أن الناذر إن قصد بنذره تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيها أو من نسبت إليه فلا يصح نذره، حيث قال:
"الذي يتجه أن الناذر إن قصد تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دفن فيه أو من تنسب إليه، وهو الغالب من العامة؛ لأنهم يعتقدون أن لهذه
_________________
(١) انظر: (ص ٦٨٦).
(٢) فتح الجواد (٢/ ٣٨٥)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٣٢٣).
(٣) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٧٨ - ٢٨٠)، وانظر: تحفة المحتاج (٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
[ ١٦٩ ]
الأماكن خصوصيات لأنفسهم ويرون أن النذر لها مما يندفع به البلاء، فلا يصح النذر في صورة من هذه الصور" (^١).
التقويم:
النذر لغة: مصدر نَذَرَ يَنْذُرُ نَذْرًا.
وهو الوعد بخير أو شر (^٢).
واصطلاحًا: هو التزام قربة لم تتعين (^٣).
وما ذكره ابن حجر في تعريفه المتقدم في معناه.
والنذر من أنواع العبادة التي يجب صرفها لله، ويحرم صرفها لغيره (^٤).
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].
وقال سبحانه: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧].
وقال - ﷺ -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (^٥).
وعليه فما قرره ابن حجر ﵀ من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الميت فإن نذره غير صحيح، لكون القُرَب لا تكون إلا لله حقًّا، إلا أنه يؤخذ عليه عدم تصريحه بكون ذلك شركًا أكبر مخرجًا من الملة.
وأما ما ذكره من كون الناذر إن قصد بنذره التقرب إلى الله بالتصدق على خدَّام القبر وأقاربه وفقرائه صح نذره وانعقد فلا يسلم له؛ وذلك لِمَا يلي:
_________________
(١) الفتاوى الفقهية الكبرى (٤/ ٢٥٦).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٤/ ٣٥٤٦)، معجم مقاييس اللغة (ص ١٠٢١)، الصحاح (٢/ ٨٢٥)، القاموس المحيط (ص ٦١٨).
(٣) انظر: مغني المحتاج (٤/ ٣٥٤)، الدر النقي لابن عبد الهادي (٣/ ٧٩٧).
(٤) انظر: تطهير الاعتقاد (ص ٣٣)، تيسير العزيز الحميد (ص ٢٠٣)، فتح المجيد (١/ ٢٩٠)، الانتصار لحزب الله الموحدين لأبي بطين (ص ٧٥).
(٥) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة (٤/ ٢٠٩١) برقم (٦٦٩٦) من حديث عائشة - ﵂ - به.
[ ١٧٠ ]
١ - أن الغالب على من ينذر للأولياء والأموات بقصد الصدقة إن لم يكن كلهم أنهم إنما ينذرون لاعتقادهم وجود خصوصية قبول النذر عند مشاهدهم وقبورهم، وإلا فما معنى تخصيص تلك الأماكن والبقاع بذلك؟ وهذا ما يشهد به الواقع المعلوم من حالهم (^١) - وقد تقدم في كلام ابن حجر ما يدل عليه- ولهذا فإن نذرهم غير صحيح.
٢ - أن النذر للميت بقصد الصدقة على فقرائه وخدامه فيه إعانة لهم على العكوف على القبور وإقرار لهم على ذلك، وهذا العكوف منكر لا يصح أن يُقرُّوا عليه، فضلًا عن أن يعانوا عليه بالنذر (^٢).
وبناء على ذلك فإن الحق الذي لا محيد عنه منع النذر للميت مطلقًا والحكم بعدم صحته، لأن التقرب بذلك لا يتصور إلا بارتكاب أحد محذورين، إما الشرك بصاحب القبر وإما إقرار العاكف عنده على عكوفه وإعانته.