يُعرّف ابن حجر ﵀ الأوفاق بقوله: "علم الأوفاق يرجع إلى مناسبات الأعداد وجعلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون بشكل من تسعة بيوت مبلغ العدد من كل جهة خمسة عشر، وهو ينفع للحوائج وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى، وضابطه: بطد زهج واح" (^٢).
ويرى -غفر الله له- أن علم الأوفاق جائز لا محذور فيه إن استعمل في غرض مباح، بخلاف ما إذا استعين به في غرض محرم فإنه يكون حينئذ حرامًا.
يقول في ذلك: "علم الأوفاق لا محذور فيه إن استعمل لمباح أما إذا استعين به على حرام فإنه يكون حرامًا؛ إذ للوسائل حكم المقاصد" (^٣).
ويرى أن من جعل علم الأوفاق من السحر إنما أراد بذلك ما استعمل منه لغرض محرم دون ما استعمل لغرض مباح (^٤).
التقويم:
علم الأوفاق: هو علم يتوصل به إلى توفيق الأعداد والحروف،
_________________
(١) تيسير العزيز الحميد (ص ٣٨٤).
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٢)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣١٠).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ٢٢)، وانظر: (ص ١٢).
(٤) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ١٢).
[ ١٧٧ ]
واستوائها في الأقطار والأضلاع، وعدم التكرار (^١).
والأوفاق هي أشكال هندسية مختلفة، مقسمة إلى مربعات صغيرة متساوية، بخطوط مستقيمة متقابلة، أو قد تكون شكلًا هندسيًا بداخل أشكال هندسية أخرى (^٢).
وأصل الأوفاق الحروف، ثم من بعدها الأعداد، فإن لكل حرف عندهم عددًا يقابله، ولكل منهما خاصية تناسبه ليست لغيرهما (^٣).
يقول العلامة ابن خلدون (^٤) ﵀: "حدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها، وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس، وظهور الخوارق على أيديهم والتصرفات في عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات" (^٥).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن يجلس في الطرق والحوانيت للناس ليخبرهم عن الأمور المغيبة، معتمدين في ذلك على صناعة التنجيم، وكتابة الأوفاق والطلاسم؟
فأجاب بقوله: "لا يحل شيء من ذلك والأجرة المأخوذة على ذلك والهبة والكرامة حرام على الدافع والآخذ ويجب على ولي الأمر وكل قادر السعي في إزالة ذلك" (^٦).
وبناء على ذلك فعلم الأوفاق علم حادث بعد صدر الأمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وهو والسحر والطلسمات والشعبذة كلها باب واحد،
_________________
(١) انظر: مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زاده (١/ ٣٧٣)، الفروق للقرافي (٤/ ١١٢)، وللاستزادة: موقف الإسلام من السحر لحياة أخضر (١/ ٢٧٤).
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) انظر: شمس المعارف الكبرى للبوني (ص. ٣٥).
(٤) هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن خلدون، أبو زيد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي، الفيلسوف المؤرخ من مؤلفاته: تاريخه المسمى العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومقدمته، وشفاء السائل لتهذيب المسائل، توفي سنة ٨٠٨ هـ. انظر: الضوء اللامع (٤/ ١٤٥)، الأعلام (٣/ ٣٣٠).
(٥) مقدمة ابن خلدون (٢/ ٩٣٦).
(٦) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٩١ - ١٩٥).
[ ١٧٨ ]
فقول ابن حجر بجواز ما استعمل منه لغرض مباح دون ما استعمل لغرض محرم مردود بكونه حرامًا مطلقًا سواء استعمل في غرض مباح أو غرض محرم، إذ هو مبني على الشعبذة والخرافة.
وكتابة الحروف والأعداد على الأوفاق لم يجعلها الله سببًا للشفا وحصول المنافع لا شرعًا ولا قدرًا، وكون الانتفاعٍ بها قد يحصل أحيانًا لا يقضي بجوازها؛ إذ قد يقع ذلك مصادفة واتفاقا، أو استدراجًا وفتنة من الشياطين.