عرف ابن حجر ﵀ الكهانة بقوله: " [الكَهَانَة] بالفتح مصدر كَهُنَ بضم الهاء، إذا صار كاهنًا، أي: مخبرًا بالأمور الخفية، والمغيبات البعيدة -أي: علاماتها- وهي ما كانت تأتي من الكهان وتذكره من المغيبات التي تلقيها إليهم الشياطين بواسطة استراقهم لبعض كلام الملائكة، ثم إلقائه إليهم مع ما يضمونه إليه من الكذب" (^١).
كما عرف الكاهن والعراف بقوله: "الكاهن: هو الذي يخبر عن بعض المضمرات فيصيب بعضًا ويخطئ أكثرها ويزعم أن الجن تخبره بذلك والعَرّاف: بفتح المهملة وتشديد الراء هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالمسروق من الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك" (^٢).
وقال في الفرق بينهما: "الكاهن هو المخبر عن مستقبل أو ماضٍ أو عن نحس طالع أو سعده، بخلاف العراف فإنه إنما يخبر عن مسروق أو ضال وقصر بعضهم الكاهن على من يخبر عما يكون في المستقبل ويؤيد الأول قول بعضهم: يزعم بعض الكهان أن الجن يلقون إليهم الأخبار، وبعضهم أنهم يعرفون ذلك، وبعضهم أعطوه، وبعضهم أنهم يعرفون الأمور بمقدماتها وأسبابها" (^٣).
_________________
(١) المنح المكية (١/ ٣٠٣)، وانظر: الزواجر (٢/ ١٠٩).
(٢) الزواجر (٢/ ١٠٩).
(٣) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٨٤).
[ ١٧٩ ]
ويرى ابن حجر -غفر الله له- أن الكهانة والعرافة من الكبائر، وأن إتيان الكاهن والعراف وتصديقهما من الكبائر أيضًا، حيث عدهما من الكبائر (^١).
كما يرى أن الكهانة والعرافة يشتركان في الأحكام فقال: "وكالعراف في هذا الكاهن فالأحكام ثلاثة جارية في كل منهما: حرمة المجيء، وحرمة الإخبار، وعدم قبول الصلاة أربعين يومًا" (^٢).
ويقيس ابن حجر ﵀ على الكهانة والعرافة ما يشاركهما في دعوى علم الغيب كالطَّرْق (^٣)، والعيافة (^٤)، ويعلل ذلك بكونه "ظاهرًا؛ لأن الملحظ في الكل واحد" (^٥).
ولهذا عدّ من الكبائر: "الكهانة والعرافة والطِّيَرَة والطَّرْق والتنجيم والعيافة، وإتيان كاهن وإتيان عرّاف، وإتيان طارق، وإتيان منجم، وإتيان ذي طير ليتطير له، أو ذي عيافة ليخط له" (^٦).
التقويم:
الكهانة والعرافة ضرب من ادعاء علم الغيب، وقد اختلف أهل العلم فيهما وفيمن يتعاطاهما هل هما بمعنى واحد أم بينهما تغاير؟
_________________
(١) انظر: الزواجر (٢/ ١٠٩)، والإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).
(٢) فتح الإله بشرح المشكاة (ص ٣٨٤).
(٣) الطرق: ضرب من ضروب الكهانة، وقد ذكر أهل العلم له تفسيرات منها: أنه الخط يخط في الأرض، وأنه الضرب بالحصى بطريقة مخصوصة فيتوصل الكاهن بزعمه عن طريقها إلى معرفة الغيب. انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤٠٣)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٦٢)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٢/ ٣٢).
(٤) العيافة: هي زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، والاستدلال بذلك على الحوادث، واستعلام ما غاب. انظر: غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤٠٣) (٢/ ٥١٥)، غريب الحديث لابن الجوزي (٢/ ٤٥)، والفائق في غريب الحديث للزمخشري (٣/ ٤٤)، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٣٣٠).
(٥) الزواجر (٢/ ١٠٩).
(٦) المصدر السابق (٢/ ١٠٩).
[ ١٨٠ ]
فمنهم من قال: هما بمعنى واحد (^١).
ومنهم من قال: بالتفريق بينهما، واختلف هؤلاء في تحديد وجه الفرق بينهما:
فمنهم من قال بأن الكاهن أعم من العراف فهو يطلق عليه وعلى غيره ممن يدعي علم الغيب؛ وذلك لكون الكاهن يخبر عن المستقبل والماضي بخلاف العراف فهو إنما يخبر عن الواقع، ومن هؤلاء ابن الأثير (^٢) (^٣) والحافظ ابن حجر العسقلاني (^٤)، وهو ما ذهب إليه ابن حجر في كلامه المتقدم.
ومنهم قال بأن العراف أعم من الكاهن، وأن "العراف اسم عام للكاهن والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور الغيبية" (^٥)، ومن هؤلاء شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)، والشيخ سليمان بن عبد الله (^٧)، والشيخ عبد الرحمن بن حسن (^٨) (^٩) -رحمهم الله تعالى-.
ومما يؤيد ذلك أن العرّاف مبالغة من المعرفة، وعليه فإنه يشمل كل
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٤/ ٢٢٧)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢)، فتح المجيد (٢/ ٤٩٣ - ٤٩٤).
(٢) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الجزري ثم الموصلي، أبو السعادات، المشهور بابن الأثير، من مؤلفاته: النهاية في غريب الحديث، البديع، شرح غريب الطوال. وغيرها، توفي سنة ٦٠٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢١/ ٤٨٨)، شذرات الذهب (٥/ ٢٢).
(٣) انظر: النهاية (٣/ ٢١٨).
(٤) انظر: فتح الباري (١٠/ ٢١٦ - ٢١٧).
(٥) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧٣).
(٦) انظر: المصدر السابق (٣٥/ ١٧٣).
(٧) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ٤١٢).
(٨) هو عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، المجدد الثاني، وحفيد إمام الدعوة، من مؤلفاته: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، والقول الفصل النفيس، والمورد العذب الزلال، توفي سنة ١٢٨٥ هـ. انظر: الأعلام (٣/ ٣٠٤)، علماء الدعوة (ص ٤٠).
(٩) انظر: فتح المجيد (٢/ ٤٩٣).
[ ١٨١ ]
من تعاطى هذه الأمور الغيبية وادعى المعرفة بها (^١).
وعلى كل حال فإن الكاهن والعراف بمعنى متقارب، وكلاهما يشتركان في ادعاء علم الغيب.
ولهذا نُقل عن الإمام أحمد ﵀ أنه سئل عن الكاهن فقال: "هو نحو العراف" (^٢).
وما قرره ابن حجر في الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من كونها مما ينافي التوحيد هو مما وافق فيه أهل السنة والجماعة (^٣).
ولا يعارض ذلك كونه عد الكهانة والعرافة وما يلحق بهما من الكبائر؛ وذلك لأنه عد في الكبائر أمورًا صرح بكونها كفرًا لا كبيرة كالشرك (^٤)، والنفاق (^٥)، وتعمد الكذب على الله وعلى رسوله - ﷺ - (^٦) وغير ذلك؛ معللًا ذلك بأن مقصوده استيفاء الكلام على سائر ما قيل إنه كبيرة وإن لم يكن كذلك عنده (^٧) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه عرف الكهانة والعرافة بما يدل على كونهما من ادعاء علم الغيب (^٨) وجعل ما يلحق بهما مقيسًا عليهما لاشتراكه في هذا الملحظ (^٩) -كما سبق-، وقد صرح في غير موضع من كتبه بكفر من ادعى علم الغيب (^١٠).
وأما قوله باشتراك الكهانة والعرافة وما ألحق بهما من الطرق والعيافة في الأحكام فهو متجه؛ خاصة مع كون بعض أهل العلم لا يرى التفريق بين الكاهن والعراف، ومن فرق منهم جعل أحدهما أعم من الآخر فهو يتضمنه وزيادة -كما سبق-.
_________________
(١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين (٢/ ٤٨).
(٢) أحكام أهل الملل للخلال (٢/ ٥٣٣).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٢)، الكافي لابن قدامة (٤/ ١٦٦)، الفتاوى لابن تيمية (٣٥/ ١٧٣، ١٩٣)، تيسير العزيز الحميد للشيخ سليمان (ص ٤٠٥ - ٤١٦)، فتح المجيد للشيخ عبد الرحمن (٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨).
(٤) انظر: الزواجر (١/ ٢٧).
(٥) انظر: المصدر السابق (١/ ٧٩).
(٦) انظر: المصدر السابق (١/ ٩٧).
(٧) انظر: المصدر السابق (١/ ٢٧).
(٨) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٩).
(٩) انظر: المصدر السابق (٢/ ١٠٩).
(١٠) انظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٢٢٤)، والفتاوى الحديثية (ص ١٦٠).
[ ١٨٢ ]
يقول الإمام الخطابي ﵀: "وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم [يعني: العرّاف وما في معناه] وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم" (^١).
وهذه الأحكام التي ذكرها ابن حجر يدل عليها أحاديث كثيرة منها:
ما جاء عن بعض أزواج النبي - ﷺ -، أن النبي - ﷺ - قال: "من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا" (^٢).
وما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "من أتى عرّافًا أو كاهنًا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ -" (^٣).
وما رواه عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "ليس منا من تطير أو تُطيّر له، أو تكَهَّن أو تُكُهّن له" (^٤).
فقد تضمنت هذه الأحاديث ثلاثة أحكام:
الأول: حرمة إتيان الكهان والعرافين ومن في معناهم وسؤالهم سواء صدقهم أو لم يصدقهم أو شك في خبرهم، بخلاف من أتى إليهم وسألهم
_________________
(١) معالم السنن (٥/ ٣٧١).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان (٤/ ١٧٥١) برقم (٢٢٣٠).
(٣) أخرجه أحمد (١٥/ ٣٣١) برقم (٩٥٣٦)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٣٠) برقم (٥٠٣)، والحاكم (١/ ٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٥). قال الحاكم: "صحيح على شرطهما جميعًا، ولم يخرجاه". وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١١٧): "رجاله رجال الصحيح، خلا عقبة بن سنان وهو ضعيف"، وجَوَّدَ إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢١٧).
(٤) أخرجه البزار في مسنده (٩/ ٥٢) برقم (٣٥٧٨)، والدولابي في الكنى (٢/ ١٦٦)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢) برقم (٣٥٥) من طريق إسحاق بن الربيع أبي العطار عن الحسن عن عمران بن حصين به. قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٠٣ - ١٠٤): "رواه الطبراني، وفيه إسحاق بن الربيع، وثقه أبو حاتم، وضعفه عمرو بن علي، وبقية رجاله ثقات". وجَوَّدَ إسناده الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٣)، والحافظ ابن حجر في الفتح (١٠/ ٢٢٤). والحديث له شواهد فقد روي مرفوعًا من حديث ابن عباس وعلي - ﵃ -.
[ ١٨٣ ]
ليختبرهم أو ليظهر عجزهم وكذبهم فهذا لا بأس به، وقد يكون واجبًا (^١)، ويدل عليه سؤال النبي - ﷺ - لابن صياد (^٢).
والثاني: حرمة تصديقهم وكون ذلك كفرًا، يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب " (^٣).
والثالث: عدم قبول صلاة من أتى الكاهن والعراف أربعين يومًا، ومعنى ذلك أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة؛ ويدل على ذلك كون العلماء متفقين على أنه لا يلزم من أتى العراف والكاهن إعادة صلوات أربعين ليلة (^٤).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: "والوعيد جاء تارة بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فيحمل على حالين من الآتي" (^٥).
يريد بذلك أن الآتي إليهم إن لم يصدقهم في أقوالهم ففيه الوعيد بعدم قبول الصلاة أربعين يومًا، وإن صدقهم ففيه الوعيد بكفره، ويشهد لهذا الجمع روايات الحديث (¬٦).