يرى ابن حجر ﵀ تحريم الرمل والخط وتعلمه وتعليمه، حيث يقول: "تعلم الرمل وتعليمه حرام شديد التحريم، وكذا فعله لِمَا فيه من إيهام العوام أن فاعله يشارك الله تعالى في غيبه وما استأثر بمعرفته وقد أكذب الله مدعي علم الغيب، وأخبر في كتابه العزيز بأنه المستبد بعلم ما كان وما يكون في غير ما آية" (^٢).
وسئل عما يتمسك به أولئك المنجمون الرمالون في تجويز فعلهم من قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] وأن المراد به بزعمهم علم الخط في الرمل، وما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" (^٣).
فأجاب عن الآية بقوله: "ما روي في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] أنه الخط فغير متعين في الآية، وبفرضه فتأويله أن العرب كانوا أهل كهانة وزجر وعيافة فقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٤] الآيات، أي: ائتوني بكتاب يشهد بما ادعيتموه بلفظه، أو أثارة من علم وهو الخط على زعمكم أنكم تدينون به، فلا تقدرون على إقامة حجة لعبادة الآلهة، وللمفسرين في هذه الآثار أقاويل أخر غير ما ذكر" (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٧١)، تيسير العزيز الحميد (ص ٤٤١ - ٤٤٢)، القول السديد لابن سعدي، معارج القبول لحافظ حكمي (٣/ ٥٥٩)، أضواء البيان (٢/ ١٩٧).
(٢) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٠) وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).
(٣) أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ونسخ ما كان من إباحة (١/ ٣٨١) برقم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم - ﵁ - به.
(٤) الفتاوى الحديثية (ص ١٦١).
[ ١٨٨ ]
وأجاب عن الحديث بقوله: "الحديث المذكور في مسلم، لكن يتعين تأويله على ما يطابق القرآن وما اتفق عليه إجماع أهل السنة.
وذلك بأن يحمل على الإنكار، لا الإخبار، لأن الحديث خرج جوابًا على سؤال من اعتقد [علم الخط] على ما اعتقدت العرب، فأجابه - ﷺ - بأن ذلك من خواص الأنبياء بما يقتضي إنكار أن يتشبه به أحدهم، إذ هو من خواصهم ومعجزاتهم الدالة على النبوة، فهو كلام ظاهره الخبر والمراد به الإنكار، ومثله في القرآن والسنة كثير
أو يحمل على أنه علق الحِلَّ بالموافقة بخط ذلك النبي، وهي غير واقعة في ظن الفاعل، إذ لا دليل عليها إلا بخبر معصوم، وذلك لم يوجد، فبقي النهي على حاله، لأنه علق الحِلَّ بشرطه، ولم يوجد، وهذا أولى من الأول
[أو يحمل على أنه أراد] فمن وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم وهذا يدل على أنه ليس على ظاهره، وإلا لوجب لمن وافق خطه أن يعلم علم المغيبات التي كان يعلمها ذلك النبي، وأمر بها في خطه، من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، وحينئذ يلزم مساواته له في النبوة، فلما بطل حمله له على ظاهره لزم تأويله، وعلم أن الله تعالى خص ذلك النبي ﵇ بالخط، وجعله علامة لِمَا يأمره به وينهاه عنه " (^١).
التقويم:
الرمل والخط مما يلحق بعلم التنجيم؛ إذ هو يشاركه في دعوى علم الغيب، والاعتماد على ما لا حقيقة له من الحدس والتخمين وغيرهما (^٢).
وقد عرفه طاش كبرى زاده بأنه: "الاستدلال بأشكاله الاثني عشر على أحوال المسألة حين السؤال وذلك لأنهم يقولون: إن البروج الاثني عشر يقتضي كل منها حرفًا معينًا، وشكلا معينا من الأشكال المذكورة،
_________________
(١) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٠ - ١٦١)، وانظر: الإعلام بقواطع الإسلام (ص ٣٠٤).
(٢) انظر: التنجيم والمنجمون (ص ٢٩٤)، مقدمة محقق القول في علم النجوم (ص ١٢٠).
[ ١٨٩ ]
فحين السؤال عن المطلوب يقتضي أوضاع البروج وقوى الشكل المعين من الرمال، فتلك الأشكال -بسبب مدلولاتها من البروج- تدل على أحكام مخصوصة تناسب أوضاع البروج" (^١).
وقد ذكر أهل العلم له صورًا كثيرة، وأشكالًا متعددة (^٢)، وما ذكروه لا يعدو أن يكون من أنواعه وأشكاله، وليس حصرًا له في المذكور.
وما ذكره ابن حجر من تحريم الخط والرمل وتعلمه وتعليمه معللًا ذلك بما فيه من إيهام مشاركة الله تعالى في علم الغيب الذي اختص به هو قول أهل السنة والجماعة (^٣)، ومن وافقهم (^٤).
وقوله بالتحريم لا ينافي كون ذلك شركًا، وكون فاعله كافرًا مشركًا خارجًا من الملة، كما يدل على ذلك تعليله السابق.
يقول العلامة الذهبي (^٥) ﵀: "من العلوم المحرمة: علم السحر والطِّيرة، والشّعبذة، والتنجيم، والرمل، وبعضها كفر صراح، ومنها ما يحصل من الكتابة" (^٦).
وأما ما أجاب به عن استدلال أولئك المنجمين على تجويز فعلهم
_________________
(١) مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم (١/ ٣٣٦)، وانظر: مقدمة ابن خلدون (ص ١١٢).
(٢) انظر: غريب الحديث للخطابي (١/ ٦٤٨)، شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، تفسير القرطبي (١٦/ ١٨٠)، إكمال الإكمال للإبي (٢/ ٢٤٠)، بلوغ الأرب للألوسي (٣/ ٣٢٣).
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣)، شرح السنة (١٢/ ١٨٣ - ١٨٤).
(٤) انظر: صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، شرح الإبي إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٥)، تفسير القرطبي (٢/ ٢٤٠)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط لابن رشد (ص ٣٥).
(٥) هو محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله، شمس الدين أبو عبد الله، الذهبي، عالم متفنن، سلفي المعتقد، من مؤلفاته: سير أعلام النبلاء، والعلو للعلي الغفار، والكبائر، توفي سنة ٧٤٨ هـ. انظر: الدرر الكامنة (٣/ ٤٢٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٥٣).
(٦) مسائل في طلب العلم وأقسامه (ص ٢١٤ - ٢١٥).
[ ١٩٠ ]
بقوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] على أن المراد بها بزعمهم الخط، وقوله بأن هذا التفسير غير متعين، وعلى فرضه فالمراد به إظهار عجزهم عن الإتيان بما يشهد لقولهم الباطل مما يؤمنون به وإن لم يكن حجة في نفسه، فهو قول المحققين من أهل التفسير (^١).
يقول الإمام ابن جرير (^٢) ﵀ بعد ذكره أقوال المفسرين في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأثارة: البقية من علم، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب وإذا وجه ذلك إلى ما قلنا فيه من أنه بقية من علم، جاز أن تكون تلك البقية من علم الخط، ومن علم استثر من كتب الأولين، ومن خاصة علم كانوا أوثروا به فتأويل الكلام إذن: ائتوني أيها القوم بكتاب من قبل هذا الكتاب بتحقيق ما سألتكم تحقيقه من الحجة على دعواكم صحة ما تدّعون لآلهتكم، أو ببقية من علم يوصل بها إلى علم صحة ما تقولون" (^٣).
وأما ما أجاب به عما استدلوا به من قوله - ﷺ -: "كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك"، وكون ذلك محمول على تأويلات عدة ذكر بعضًا منها، فهو جواب غيره من أهل العلم حيث تأولوا الحديث على تأويلات كثيرة (^٤)، وأولى هذه التأويلات بالقبول هو أن علم الرمل والخط مباح لمن وافق خط ذلك النبي بيقين، وأنه لا سبيل إلا اليقين في ذلك لتوقفه على النص الصريح في كيفيته عنه - ﷺ -، أو النقل المتواتر من زمن
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣)، تفسير السمعاني (٥/ ١٤٩)، تفسير البغوي (٧/ ٢٥١)، تفسير ابن كثير (٤/ ١٦٤).
(٢) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر، أحد أعلام السلف، له مصنفات منها: جامع البيان في تأويل آي القرآن، وتاريخ الأمم والملوك، وصريح السنة وغيرها، توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٦٠).
(٣) تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧٣).
(٤) انظر: شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٨٤)، معالم السنن (٥/ ٣٧٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٤/ ١٢٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٠)، الرد على من ذهب إلى تصحيح علم الغيب من جهة الخط (ص ٤٢) وما بعدها.
[ ١٩١ ]
ذلك النبي إلى - ﷺ -، وكلا الأمرين منتفٍ؛ فيبقى التحريم على أصله (^١).
وهذا التأويل هو الذي يميل إليه ابن حجر كما يدل عليه ظاهر قوله السابق: "وهذا أولى من الأول".
يقول النووي ﵀: "اختلف العلماء في معناه [يعني: الحديث]، والصحيح أن معناه من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح" (^٢).
وعلى كل حال فإن الحاصل من كلام أهل العلم في الحديث الاتفاق على أنه مؤول، وأن الخط والرمل محرم لا يجوز.