يرى ابن حجر ﵀ أن التمائم ليست جائزة بإطلاقها ولا محرمة بإطلاقها، بل منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم.
يقول في بيان ذلك: "مذهبنا .. أن كل عزيمة مقروءة أو مكتوبة إن كان فيها اسم لا يعرف معناه فهي محرمة الكتابة والقراءة سواء في ذلك المصروع وغيره، هان كانت العزيمة أو الرقيا مشتملة على أسماء الله تعالى وآياته والإقسام به وبأنبيائه وملائكته جازت قراءتها على المصروع وغيره، وكتابتها كذلك" (^٣).
ويقول أيضًا: "يجوز كتب العزائم التي ليس فيها شيء من الأسماء التي لا يعرف معناها، وكذلك يجوز تعليقها على الآدميين والدواب" (^٤).
ويرى أن تعليق تلك التمائم المحظورة من أكبر الكبائر وأنها وسيلة إلى الشرك، حيث عدّ من الكبائر: "الرقى وتعليق التمائم والحروز " (^٥)، وأورد الأدلة على ذلك، ثم عقب عليها بقوله: "عدّ هذين من الكبائر هو ما يقتضيه الوعيد في هذه الأحاديث لا سيما تسميته شركًا نعم يتعين حمله
_________________
(١) انظر: معالم السنن (٥/ ٣٧٤)، شرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٢٣)، إكمال الإكمال (٢/ ٢٤٠)، الرد لابن رشد (ص ٤٧).
(٢) شرح صحيح مسلم (٥/ ٢٣).
(٣) الفتاوى الحديثية (ص ١٦٤).
(٤) المصدر السابق (ص ٤١).
(٥) الزواجر (١/ ١٦٦).
[ ١٩٢ ]
على ما كانوا يفعلونه من تعليق خرزة يسمونها تميمة أو نحوها، يرون أنها تدفع عنهم الآفات، ولا شك أن اعتقاد هذا جهل وضلال، وأنه من أكبر الكبائر؛ لأنه إن لم يكن شركًا فهو يؤدي إليه؛ إذ لا ينفع ويضر ويمنع ويدفع إلا الله تعالى" (^١).
التقويم:
التمائم: جمع تميمة، وهي العِوَذ التي تعلّق على الإنسان وغيره لدفع الآفات عنه من أي شيء كانت (^٢).
وهي ضربان:
الأول: التمائم من غير القرآن: وهي ما كانت من خرزات، أو حلقات، أو عظام، أو خرق، ونحو ذلك.
ويلحق بها ما عبر عنه ابن حجر ﵀ بكونه مشتملًا على أسماء لا يعرف معناها، ويدخل في ذلك ما كانت مشتملة على الأبيات الشركية والأرقام والأحرف المجهولة من باب أولى (^٣).
فهذا الضرب من التمائم محرم باتفاق، والحكم بكونه شركًا أكبر أو أصغر يختلف باختلاف حال معلقها من جهة، وحال التميمة نفسها وما تتضمنه من جهة أخرى.
فأما اختلاف حكمها باختلاف حال معلقها، فالمراد به: أن معلق التميمة إن كان يعتقد أن التميمة تنفع وتضر بنفسها فإن تعليقه لها شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنها سبب لدفع الأذى أو رفعه فحسب وأنها لا تستقل
_________________
(١) انظر: الزواجر (١/ ١١٦).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١/ ٤٥٣)، والصحاح (٥/ ١٨٧٨)، ولسان العرب (١٢/ ٦٩ - ٧٠)، والقاموس المحيط (١٤٠٠). وانظر: النهاية لابن الأثير (١/ ١٩٧)، وفتح الباري (١٠/ ١٩٦) (٦/ ١٤٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٦)، فتح المجيد (١/ ٢٤٣)، القول السديد لابن سعدي (ص ٤٠، ٤١)، معارج القبول (٢/ ٥١٢)، وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم د. فهد السحيمي (ص ٢٢٧)، التمائم في ميزان العقيدة د. علي العلجاني (ص ١١).
[ ١٩٣ ]
بالنفع والضر فتعليقه لها شرك أصغر (^١).
وأما اختلاف حكمها باختلاف حال التميمة نفسها وما تتضمنه، فالمراد به: أن التميمة إن كانت تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين، فهي شرك أكبر بكل حال، وإن كانت تشتمل على أسماء لا يفهم معناها فهي محرمة، والحكم بكونها شركًا أكبر أو أصغر يرجع إلى حال معلقها كما سبق (^٢).
وما قرره ابن حجر في هذا الضرب من التمائم من كونه محرمًا موافق لِمَا عليه أهل السنة والجماعة (^٣)، ولكن يؤخذ عليه كونه حمل الأحاديث المصرحة بكون هذا الضرب من التمائم شركًا على ما كان يعتقده أهل الجاهلية من أنها تنفع وتضر بنفسها دون اعتقاد كونها سببًا، وأعجب منه اضطرابه بعد ذلك في الحكم عليها بكونها شركًا وتردده في ذلك كما هو ظاهر كلامه السابق! !
والصحيح أنها شرك -كما وردت بذلك الأحاديث عنه - ﷺ - وأن المراد بالشرك فيها يختلف باختلاف حال معلقها، وحال التميمة نفسها -كما سبق-.
والثاني: التمائم من القرآن: ويلحق بها ما كان مشتملًا على دعائه سبحانه والتضرع إليه بأسمائه وصفاته.
فهذا الضرب من التمائم اختلف أهل العلم في جوازه، والخلاف فيه جار في أقوال السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (^٤).
_________________
(١) انظر: التوضيح عن توحيد الخلاق (ص ٢٦٨)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٥٤، ١٥٨، ص ١٦٢)، القول السديد (ص ٣٧)، معارج القبول (٢/ ٥١٢)، أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٣٨)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٣٣).
(٢) انظر: القول السديد (ص ٤٠، ٤١).
(٣) انظر: المصادر السابقة.
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٣٧٤) وما بعدها، سنن البيهقي (٦/ ٢١٩) وما بعدها، شرح السنة (١٢/ ١٥٨)، التمهيد (١٧/ ١٦٠ - ١٦١)، الفتاوى (١٩/ ٦٤ - ٦٥)، زاد المعاد لابن القيم (٤/ ٢١٢، ٣٥٨)، الآداب الشرعية (٢/ ٤٥٩) (٣/ ٨١)، فتح الباري (٦/ ١٤٢)، تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٨)، فتح المجيد، معارج القبول (٢/ ٥١٠) =
[ ١٩٤ ]
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله ﵀: "اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته.
فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، وهو ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر الباقر (^١)، وأحمد في رواية
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس، وهو ظاهر قول حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم - ﵁ - وبه قال جماعة من التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه وجزم بها المتأخرون" (^٢).
والذي يظهر لي أن القول الراجح هو قول الطائفة الثانية القائلة بعدم الجواز "لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول: عموم النهي، ولا مخصص للعموم.
والثاني: سد الذريعة، فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.
والثالث: أنه إذا عُلق فلا بد أن يمتهنه المُعلِّق، بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك " (^٣).
وعليه فإن ما ذهب إليه ابن حجر من تجويز التمائم من القرآن وأسماء الله وصفاته وإن كان خلافًا للقول الراجح، إلا أنه قول مأثور عن بعض السلف.
_________________
(١) = وللاستزادة: أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٤٣)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٤٣).
(٢) هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، كان من فقهاء المدينة، توفي سنة ١١٤ هـ. انظر: طبقات ابن سعد (٥/ ٣٢)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٠١).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد (ص ١٦٧ - ١٦٨).
(٤) فتح المجيد (١/ ٢٤٤)، وانظر: قرة عيون الموحدين (ص ٦٢)، القول السديد (ص ٤١)، معارج القبول، أحكام الرقى والتمائم (ص ٢٤٥ - ٢٤٧)، التمائم في ميزان العقيدة (ص ٤٦).
[ ١٩٥ ]
ولكن يؤخذ عليه كونه ألحق بهذا الضرب من التمائم ما كان مشتملًا على الإقسام بأنبياء الله وملائكته، وهذا القول علاوة على أنه لم يقل به أحد ممن قال بجواز التمائم من القرآن فإنه شرك لا يجوز وإن كان ذلك الإقسام بأنبياء الله وملائكته -كما سيأتي- (^١).