من سمات أهل الكلام ومعالم منهجهم أنهم يُوهِمُون الناس بأنهم وحدهم الذين على الحق والاستقامة ولزوم السنة والجماعة، ويتجاهلون أهل السنة والجماعة على الحقيقة، أو يلمزونهم؛ ليصرفوا أنظار الناس عنهم.
"فإذا قالوا: قال أهل الحق، أو المحققون، أو اتفقوا، أو أجمعوا، أو نحو ذلك فإنما يعنون طائفتهم من أهل الكلام، أو سائر أهل الكلام من غير اعتبار لأهل السنة غالبًا، وإذا ذكروا أهل السنة لمزوهم بالحَشَوية، أو المقلدة، أو أهل الحديث، أو الحنابلة، أو العامة " (^٢).
وقد جرى على هذا ابن حجر - غفر الله له - حيث زعم أن أهل الحق طائفتان هما: الأشاعرة والماتريدية، وأن أهل البدع من خالفهم (^٣).
يقول في ذلك: "المراد بأصحاب البدع من كان على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، والمراد بهم: أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي إمامي أهل السنة" (^٤).
_________________
(١) = أشعري مالكي، من مؤلفاته: الجامع لأحكام القرآن، والتذكرة بأحوال الموتى والآخرة، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وغيرها، توفي سنة ٦٧١ هـ. انظر: شذرات الذهب (٥/ ٣٣٥)، شجرة النور الزكية (ص ١٩٧).
(٢) انظر: (ص ٧١٨).
(٣) بيان تلبيس الجهمية، تحقيق: اللاحم (٢/ ٦٣٤ - ٥٣٧).
(٤) انظر: الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠)، المولد الشريف (ص ٦٥)، الزواجر (١/ ٩٩)، فتح المبين (ص ٦٨)، تطهير الجنان (ص ٣٦)، المنح المكية (٣/ ١٤٥٣).
(٥) الفتاوى الحديثية (ص ٣٧٠).
[ ٧٨ ]
بل إنه تجاوز ذلك فادّعى أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة، الذين هم بزعمه الأشاعرة والماتريدية.
حيث قال: "اعلم أن المدار في الاعتقاد ليس إلا ما عليه أهل السنة والجماعة وهم:
أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي وتابعوهما، وأنهما أعني الأشعرية والماتريدية، إذا اختلفا في مسألة فالتحقيق والمعمول به ما عليه الأشاعرة كما هو مقرر في الأصول.
على أن بعض المحققين منا معشر الأشاعرة بيّن أن الاختلاف الواقع بين الفريقين إنما هو في مسائل قليلة وأنه يرجع إلى الاختلاف اللفظي؛ لأنه إذا حقق المناط رُئي أن كلًّا من الفريقين لا يخالف الآخر" (^١).
والحق أن مصطلح أهل السنة له إطلاقان:
أحدهما: عام:
والمراد به ما يكون مقابل الرافضة، فيدخل فيه جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام - عدا الرافضة -.
وثانيهما: خاص:
والمراد به ما يكون مقابل أهل البدع والمقالات المحدثة، فلا يدخل فيه إلا أهل السنة والجماعة المحضة (^٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "لفظ أهل السنة:
يراد به من أثبت خلافة الثلاثة، فيدخل في ذلك - أي: في لفظ أهل السنة - جميع الطوائف إلا الرافضة.
وقد يراد به: أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول القرآن غير مخلوق، وأن الله يرى في الآخرة،
_________________
(١) المولد الشريف (ص ٦٥ - ٦٦).
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (٢/ ٢٢١)، الرد على المنطقيين له (ص ٥٢٣).
[ ٧٩ ]
ويثبت القدر، وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل السنة والحديث" (^١).
وعليه فدعوى ابن حجر - غفر الله له - أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل الحق وأهل السنة والجماعة، وهم الذين عليهم المدار في الاعتقاد منقوضة من وجوه:
أ - أن مصطلح أهل السنة والجماعة معروف في صدر الإسلام، وقد ورد التعبير به على ألسنة جماعة من السلف قبل الأشعري والماتريدي (^٢)، فحصره فيهما ومن سار على منهجهما لا يصح.
ب - أن أهل الشيء في اللغة هم أخص الناس به، يقال: أهل الرجل: أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به (^٣).
وعليه فمعنى أهل السنة والجماعة: هم أخص الناس بها، وأكثرهم تمسكًا بها، واتباعًا لها، قولًا وعملًا واعتقادًا، وهذا الوصف إنما يتحقق في الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.
وأما الأشاعرة والماتريدية فإن هذا الوصف بإطلاقه لا يتحقق فيهم، لإعمالهم العقل وتقديمه على النقل، وردهم خبر الآحاد واستعاضتهم عنه بمعقولاتهم.
جـ - أن الحق واحد لا يتعدد، والأشاعرة والماتريدية اختلفوا في جملة من المسائل العقدية الكبار، وقد عني جماعة منهم بتحقيق الخلاف فيها، واضطربت أقوالهم في الترجيح بينها (^٤)، ومما أقروا بأن الخلاف فيه
_________________
(١) منهاج السنة (٢/ ٢٢١).
(٢) ورد التعبير بذلك عن ابن عباس - ﵁ - وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وأحمد بن حنبل، وابن جرير، والطحاوي - ﵏ -. انظر: الإيمان لأبي عبيد (ص ٥٣)، صريح السنة لابن جرير (ص ٢٠)، وتهذيب الآثار له (٢/ ١٨٢)، العقيدة الطحاوية (ص ٥)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (١/ ٦٠، ٦١، ٦٤، ٧٢).
(٣) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (١/ ٢٢٧)، لسان العرب لابن منظور (١١/ ٢٩).
(٤) ذكر الدكتور شمس الدين الأفغاني - ﵀ - في رسالته الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات سبعة وعشرين باحثًا عنوا بذلك استقلالًا أو ضمن بحوث لهم.
[ ٨٠ ]
بينهم حقيقي: معرفة الله تعالى وهل تجب بالشرع أم العقل، وصفة الإرادة، وصفة الكلام، وصفة التكوين، والتكليف بما لا يطاق، والحكمة والتعليل، والتحسين والتقبيح، والاستطاعة، وأفعال العباد، وحكم إيمان المقلد.
ولا شك أن بعض هذه المسائل من المسائل الكِبَار، والكلام فيها تُبْنَى عليه فروع عديدة (^١).
فالقول بأن الخلاف لفظي ليس على إطلاقه في كثير من المسائل، ودعوى أن الخلاف الحقيقي إنما هو في مسائل قليلة مردودة بما سبق.