ابن عجيبة يقول بإثبات أسماء الله وأنها كثيرة، ويذكر في بعض أقواله أنَّ الذي ورد فيه التوقيف تسعةٌ وتسعون اسمًا، فقال: "أسماء الحق تعالى كثيرة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^١)، والذي ورد بها التوقيف تسعةٌ وتسعون (^٢).
وقول ابن عجيبة بأنَّ أسماء الله كثيرة حقٌّ عليه جماهير أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "الذي عليه جماهير المسلمين أنَّ أسماء الله أكثر من تسعةٍ وتسعين" (^٣).
ويقول أيضًا: "إنَّ أهل المعرفة مهما حصَّلوا من المعرفة واليقين والهدى فهناك أمور لم يصلوا إليها فهذا صحيح" (^٤)، كما قال النبي - ﷺ -: «اللهم إنِّي أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيت به نفسَك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همِّي وغمِّي» (^٥).
_________________
(١) سورة الأعراف: ١٨٠.
(٢) سلسلة الفتوحات القدوسية في شرح المقدمة الآجرومية، ص ٩٠.
(٣) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٨١ - ٣٨٢
(٤) الفتاوى الكبرى ٥/ ٥٧.
(٥) أخرجه أحمد ١/ ٤٥٢، رقم ٤٣١٨، وابن أبى شيبة ٦/ ٤٠، رقم ٢٩٣١٨، والطبراني ١٠/ ١٦٩، رقم ١٠٣٥٢، وابن حبَّان في صحيحه باب الأدعية، باب ذكر الأمر لمن أصابه حزن أن يسأل الله ذهابه عنه وإبداله إياه فرحًا ٣/ ٢٥٣، رقم ٩٧٢، والحاكم ١/ ٦٩٠، رقم ١٨٧٧، وقال: صحيح على شرط مسلم،، قال الهيثمي ١٠/ ١٣٦: رجاله رجالُ الصحيح غير أبي سلمة الجهمي، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ١٩٩، رقم ٣٥٢٨.
[ ٢٤٦ ]
وعلَّق ابن تيمية على هذا الحديث بقوله: "من قال هذا أذهب الله همَّه وغمَّه وأبدله مكانه فرحًا، فقد أخبر أنَّ لله أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده وهذه لا يعلمها ملكٌ مقرَّبٌ ولا بشر" (^١).
ومما يستدل بها العلماء في هذا الباب حديث النبي - ﷺ - الذي كان يدعو به في سجوده «اللهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصى ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (^٢).
ووجه الدلالة من قول النبي - ﷺ -: «لا أحصى ثناء عليك» أنه - ﷺ - وهو أعلم الخلق بربه لا يحصي الثناءَ عليه؛ لكثرة أسمائه الحسنى التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده (^٣).
وقال ابن القيم: "إنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد؛ فإنَّ لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: «أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك، سمَّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك »، فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يُطلع عليه أحدًا من خلقه، ولهذا قال: (استأثرت به) أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأنَّ هذا الانفراد ثابتٌ في الأسماء التي أنزل الله بها كتابه، ومن هذا قول: النبي - ﷺ - في حديث الشفاعة: «فيفتح عليَّ من محامده بما لا
_________________
(١) الإيمان الأوسط ١/ ١١٥.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ١/ ٣٥٢، رقم ٤٨٦.
(٣) ينظر: بيان تلبيس الجهمية في بدعهم الكلامية ١/ ٣١٠، بتصرف.
[ ٢٤٧ ]
أحسنه الآن» (^١) (^٢).
ويقول أيضًا في بيان حديث النبي - ﷺ -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» (^٣): "فالكلام جملة واحدة وقوله: «من أحصاها دخل الجنة» صفة لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنَّة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلانٍ مائة مملوك وقد أعدَّهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدّون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" (^٤).
وأمَّا زعمه أنَّ الذي ورد بها التوقيف تسعة وتسعون فهذا لا يوافق عليه؛ لأنها مدرجة في الحديث في عدِّ الأسماء الحسنى، والصحيح أنَّ ذكر التسعة والتسعين اسمًا اجتهادٌ من العلماء لم يرد في تعيينها نصٌّ صحيحٌ عن النبي - ﷺ - (^٥).
وقال الصنعاني: "اتفق الحفَّاظ من أئمة الحديث أنَّ سردها إدراج من بعض الرواة" (^٦).