قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (^٣).
قال ابن كثير: "فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل، والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله" (^٤).
وقال الشنقيطي (^٥): "الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أنَّ
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٥٨.
(٢) البداية والنهاية ٢/ ٢٥٦.
(٣) سورة الأنبياء: ٣٤.
(٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٦٥.
(٥) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي بن أحمد المختار الجكني، يرجع نسبة إلى قبيلة حمير، ولد سنة ١٣٢٥ هـ، قدم لأداء فريضة الحج عام ١٣٦٧ هـ، ثم قدم المدينة فالتقى بالشيخين الشيخ عبد الله بن زاحم - ﵀ - والشيخ عبد العزيز بن صالح - ﵀ - وتوطَّدت العلاقة بين الطرفين، وتجدَّدت رغبة متبادلة لإفادة المسلمين، له مصنفات عدة منها: أضواء البيان، الرِّحلة إلى الحج، شرح مراقي السعود، وكانت وفاته ضحى يوم الخميس ١٧/ ١٢/١٣٩٣ هـ، بمكة المكرَّمة، ودفن في مقبرة المعلاة ليلة الأحد ٢٠/ ١٢/١٣٩٣ هـ. ينظر: ترجمة الشيخ بقلم تلميذه الشيخ عطيه محمد سالم في مقدمة أضواء البيان ١/ ٧.
[ ٢٠١ ]
الخضر ليس بحيٍّ بل تُوفي، وذلك لعدة أدلة أمور: فقوله (لبشر) نكرة في سياق النفي فهي تعمُّ كلَّ بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله، والخضر بشرٌ من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله - ﷿ - قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد" (^١).
وقال تعالي: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^٢).
يقول ابن كثير - ﵀ -: "فالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله، أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله - ﷿ - عليه، وينصره أن يصل أحدٌ من الأعداء إليه وهذا عيسى ابن مريم - ﵇ - إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها" (^٣).
وقال ابن تيمية - ﵀ -: "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي - ﷺ - لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله - ﷻ - ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة - ﵃ - للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره
_________________
(١) أضواء البيان ٤/ ١٢٦.
(٢) سورة آل عمران: ٨١.
(٣) البداية والنهاية ٢/ ٢٦٦.
[ ٢٠٢ ]
عند قوم كُفَّار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أُمَّة أخرجت للناس وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي - ﷺ - ذلك قط ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟! " (^١).
دلالة السُّنَّة على موته:
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: حدثني عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا فاستقبل نبي الله - ﷿ - - ﷺ - القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» (^٢).
قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: "ومحلُّ الشاهد منه قوله - ﷺ -: «لا تعبد في الأرض» فعل في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض; لأن الفعل ينحلُّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلَّط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم ثم قال: "فإذا علمت أنَّ معنى قوله - ﷺ -: «إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض» أي لا تقع عبادة لك في الأرض، فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله - ﷿ - يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله - ﷿ - في الأرض" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٧/ ١٠٠.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجهاد والسِّير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ٣/ ١٣٨٣، رقم ٤٦٨٧.
(٣) أضواء البيان ٤/ ١٢٧.
[ ٢٠٣ ]