من مصادر التلقي عند ابن عجيبة الرؤى المنامية فقد جعلها مصدرًا من مصادر الشريعة التي لا يتطرَّق إليها الشك أو الغلط، واستند عليها في ترويج ضلالاتهم المنحرفة، ومعرفة الحلال والحرام، وتفسير آيات القرآن الكريم، وإثبات الفضائل لنفسه أو لشيوخ طريقته.
ومن ذلك:
١ - أنه أُعطي التصرف في الكون
قال ابن عجيبة: "رأيت في المنام قائلًا يقول لي: الليلة أعطي سيدي أحمد بن عجيبة يتصرَّف في الكون" (^١).
٢ - إثبات عقيدة الصوفية في الخضر عن طريق الرؤى
نقل ابن عجيبة عن أحد الصوفية أنه رأى رسول الله - ﷺ - في المنام فقال له: "يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث (^٢)، فقال - ﷺ -: صدق الخضر، وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو من جنود الله في الأرض" (^٣).
٣ - تفسير بعض آيات كتاب الله - ﷿ -
ذكر ابن عجيبة في تفسيره ما زعمه أبو الحسن الشاذلي أنه علم معنى قوله
_________________
(١) الفهرسة، ص ٦٩.
(٢) هكذا في الأصل، ولم يذكر الحديث.
(٣) الجواهر العجيبة، ص ١٥٦.
[ ١٧٢ ]
تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^١)؛ لرؤيته للنبيَّ - ﷺ - في المنام، فقال له: "يا علي، طَهِّر ثيابك من الدنس، تَحْظَ بمدد الله في كل نَفَس، فقلتُ: وما ثيابي يا رسول الله؟ فقال: إنَّ الله كساك حُلة المعرفة، ثم حُلة المحبة، ثم حُلة التوحيد، ثم حُلة الإيمان، ثم حُلة الإسلام، فمَن عرف الله صَغُر لديه كلُّ شيء، ومَن أحبَّ الله هان عليه كلُّ شيء، ومَن وحَّد الله لم يشرك به شيئًا، ومَن آمن بالله أَمِن من كل شيء، ومَن أسلم لله قلَّما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه قَبِل عُذره، قال: ففهمتُ حينئذٍ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ " (^٢).
٤ - زعمه رؤيته للنبي - ﷺ - لإثبات نسبه لآل البيت
قال ابن عجيبة: "ولقد رأيتُ النبي - ﷺ - في مسجده المقدَّس فقال لي: أنت الفقيه ابن عجيبة؟ فقلتُ له: نعم أنا عبدكم أحمد ابن عجيبة في رؤيا طويلة، وقال لي: أنت ولدي حقًّا لا تشك" (^٣).
٥ - أدلته على أنَّ الرؤى من مصادر التلقِّي
استدلَّ ابن عجيبة بأنَّ الرؤى مصدر من مصادر التلقِّي ببعض الأدلة، التي أوَّلها لتوافق عقيدتهم في الرؤى، كحديث النبي - ﷺ -: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة» (^٤) (^٥).
وكذلك استدلَّ بقول النبي - ﷺ -: «من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا
_________________
(١) سورة المدثر: ٤.
(٢) البحر المديد ٧/ ١٧٤.
(٣) الفهرسة، ص ١٧.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة، ٤/ ٢٩٦، رقم ٦٩٨٣.
(٥) الفهرسة، ص ١٩.
[ ١٧٣ ]
يتمثَّل بي» (^١) (^٢).
ويزعم عند استدلاله بذلك أنَّ إخبار النبي - ﷺ - في المنام كإخباره في اليقظة بحجة أنَّ الشيطان لا يتمثَّل بالنبي - ﷺ -.
وعند تأمل موقف ابن عجيبة من الرؤى المنامية نجد أنه لم يخرج عن موقف سائر الصوفية منها، وهذا لا يُسلَّم لهم لما في ذلك من المخالفات العقدية العظيمة.
والقول الحق الذي عليه أهل العلم أنَّ الرؤى ليست حجةً شرعية، وإنما يستأنس بها إن لم تخالف النصوص الشرعية.
قال عبد الرحمن المعلَّمي (^٣): " اتفق أهل العلم على أنَّ الرؤيا لا تصلح للحجة، وإنما هي تبشير وتنبيه وتصلح للاستئناس بها إذا وافقت حجة شرعية صحيحة، كما ثبت عن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يقول بمتعة الحج لثبوتها عنده بالكتاب والسُّنَّة، فرأى بعض أصحابه رؤيا توافق ذلك فاستبشر ابن عباس - ﵄ - " (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب من رأى النبي - ﷺ - في المنام، ٤/ ٢٩٩، رقم ٦٩٩٤.
(٢) الفهرسة، ص ١٨ - ١٩.
(٣) عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن أبي بكر المعلِّمي، يُنسب إلى بني المعلم من بلاد غنمة باليمن، ولد سنة ١٣١٣ هـ في اليمن، تنقَّل بين المدن اليمنية طالبًا للعلم، أثنى عليه عددٌ من أهل العلم مثل: الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ووصفه بالعالم خادم الأحاديث النبوية، والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة ومحمد حامد الفقي والألباني، وقال عنه الشيخ بكر أبو زيد: ذهبيُّ عصره العلَّامة المحقِّق، له مؤلفات منها: التنكيل بما في كتب الكوثري من الأباطيل، حقيقة التأويل والرَّد على المتصوفة القائلين بوحدة الوجود، مات في شهر صفر عام ١٣٨٦ هـ عن ٧٣ سنة. ينظر: الأعلام ٣/ ٣٤٢.
(٤) التنكيل ٢/ ٢٥٩.
[ ١٧٤ ]
وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي (^١) قال: سألت ابن عباس - ﵄ - عن المتعة (^٢) فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور أو بقرة أو شاة أو شرك في دم وكأن ناسًا كرهوها فنمت فرأيت في المنام كأن إنسانا ينادي حج مبرور ومتعة متقبَّلة فأتيت ابن عباس - ﵄ - فحدثته فقال: الله أكبر سنة أبي القاسم - ﷺ - " (^٣).
قال ابن حجر - ﵀ -: "يؤخذ منه الاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعي وعرض الرؤيا على العالم" (^٤).
وقال ابن تيمية: "والرؤيا المحضة التي لا دليل على صحتها لا يجوز أن يثبت بها شيءٌ بالاتفاق" (^٥).
وقال الشاطبي: "وأضعف هؤلاء احتجاجًا قوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المقامات وأقبلوا وأعرضوا بسببها فيقولون: رأينا فلانًا الرَّجل الصالح فقال لنا: اتركوا كذا واعملوا كذا، ويتفق مثل هذا كثيرًا للمتمرسين برسم التصوف (^٦)، وربما قال بعضهم: رأيت النبي - ﷺ - في النوم فقال لي كذا وأمرني بكذا فيعمل بها ويترك بها
_________________
(١) أبو جمرة، نصر بن عمران الضُبعي، أحد أئمَّة العلم، ثقة، نزيل خراسان، روى عن ابن عباس وابن عمر - ﵄ -، مات سنة ١٢٨ هـ. ينظر: الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة ٢/ ٣١٩.
(٢) المقصود العمرة في أشهر الحج، ينظر: فتح الباري، لابن حجر ٣/ ٤٢٣.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فيمن تمتَّع بالعمرة إلى الحج ١/ ٥١٥، رقم ١٦٨٨، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج ٢/ ٩١١، رقم ١٢٤٢.
(٤) فتح الباري ٣/ ٤٣١.
(٥) مجموع الفتاوى ٢٧/ ٤٥٧.
(٦) المتمرسون: من التمرُّس، وهو شدة الالتواء، والتلاعب بالدين والعبث به، والمقصود بهم هنا المقلدون للصوفية، ينظر: النهاية في غريب الحديث ٤/ ٣١٨.
[ ١٧٥ ]
معرضًا عن الحدود الموضوعة في الشريعة وهو خطأ؛ لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوَّغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأمَّا استفادة الأحكام فلا" (^١).
وقال أيضًا: "نعم يأتي المرئي تأنيسًا وبشارة ونذارة خاصة، بحيث لا يقطعون بمقتضاها حكمًا، ولا يبنون عليها أصلًا وهو الاعتدال في أخذها حسبما فهم من الشرع فيها، والله أعلم" (^٢).
ومعلوم أنَّ الرؤيا منها ما هو رحماني، ومنها ما هو شيطاني، ومنها ما هو نفساني، قال النبي - ﷺ -: «الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به الرجل نفسه في اليقظة، فيراه في المنام» (^٣)، قال البغوي: "قوله: (الرؤيا ثلاثة) فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحًا، ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله - ﷿ - يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها.
وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان، أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).
_________________
(١) الاعتصام ١/ ٣٥٧.
(٢) الاعتصام ١/ ٣٥٧.
(٣) أخرجه الترمذي، كتاب الرؤيا، باب أنَّ رؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، ٤/ ٥٣٢، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التعبير، باب إذا رأى ما يكره ٤/ ٣٩٠، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، والحديث صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٣٢٨ - ٣٣٠.
(٤) سورة المجادلة: ١٠.
[ ١٧٦ ]
ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل، فلا يكون له تأويل، وقد يكون ذلك من حديث النفس، كمن يكون في أمر، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك فلا تأويل لشيءٍ منها" (^١).
وقال ابن القيم: "والذي هو من أسباب الهداية: هو الرؤيا التي من الله - ﷿ - خاصَّة، ورؤيا الأنبياء وحي، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأُمَّة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل - ﵉ - بالرؤيا، وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يعمل بها، فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟.
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له، منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، لم يعرف الرائي اندراجها فيه، فيتنبه بالرؤيا على ذلك، ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحر الصدق وأكل الحلال، والمحافظة على الأمر والنهي، ولينم على طهارة كاملة مستقبل القبلة، ويذكر الله - ﷿ - حتى تغلبه عيناه، فإن رؤياه لا تكاد تكذب البتة" (^٢).
والنائم ليس في حالة ضبط للرواية؛ لعدم حفظه، لهذا لا يجوز إثبات حكم شرعي بما جاء به، قال النووي أثناء شرحه لحديث «من رآني في المنام فقد رآني»: "إن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به؛ لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل روايته وشهادته أن
_________________
(١) شرح السُّنَّة ١٢/ ٢١١.
(٢) مدارج السالكين ١/ ٧٥.
[ ١٧٧ ]
يكون متيقظًا لا مغفَّلًا ولا سيء الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تُقبل روايته لاختلال ضبطه.
هذا كلُّه في منامٍ يتعلَّق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أمَّا إذا رأى النبي - ﷺ - يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه؛ لأن ذلك ليس حكمًا بمجرَّد المنام بل تقرر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم" (^١).
والنائم ليس من أهل التكليف، ولا من أهل التحمُّل للرواية؛ لعدم حفظه، فلا يعمل بشيءٍ رآه في منامه (^٢).
ولم يمت النبي - ﷺ - إلا وأكمل لنا الدين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٣).
ولم يثبت دليل من الوحيين على أن رؤية النبي - ﷺ - بعد موته حجة يثبت بها حكم شرعي بل إن "الرؤيا التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - بحكم فلا بدَّ من النظر فيها أيضًا؛ لأنه إذا أخبر بحكم موافق لشريعته، فالحكم استقر، وإن أخبر بمخالف، فمحال؛ لأنه - ﷺ - لا ينسخ بعد موته شريعته المستقرة في حياته؛ لأن الدين لا يتوقف استقراره بعد موته على حصول المرائي النومية؛ لأن ذلك باطلٌ بالإجماع، فمن رأى شيئًا من ذلك فلا عمل عليه، وعن ذلك نقول: إن رؤياه غير صحيحه، إذ لو رآه حقًّا لم يخبره بما يخالف الشرع" (^٤).
_________________
(١) شرح النووي لصحيح مسلم ١/ ١١٥.
(٢) ينظر: المدخل، لابن الحاج ٤/ ٢٨٦، إرشاد الفحول، ص ٢٤٢.
(٣) سورة المائدة: ٣.
(٤) الاعتصام ١/ ١٦٢.
[ ١٧٨ ]
أمَّا استدلال ابن عجيبة بأنَّ الرؤيا جزءٌ من النبوة فمقلوب عليه؛ لأن المراد بالجزء هنا تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءًا من النبوة في حق الأنبياء، وتوجد الرؤيا الصالحة كذلك في الصالحين، ولا تعني حصول النبوة له بذلك؛ لأن النبوة هبة من الله - ﷿ - يختصُّ بها من عباده ما يشاء.
والجزء لا يقوم مقام الكل في جميع الوجوه، بل إنما يقوم مقامه في بعض الوجوه، وإنما هي من باب البشارة والنذارة؛ لأن النبوة لا تتجزأ ولا نبوة بعد الرسول - ﷺ - (^١).
وقد يقول قائل: هل ما يراه النائم أو الإلهامات من الوحي؟
قال ابن تيمية: "فإنَّ ما يلقيه الله - ﷿ - في قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من وحي الله، وكذلك ما يريهم إياه في المنام" (^٢).
وزاد الأمر إيضاحًا بقوله: "فإن المنام تارة يكون من الله - ﷿ - وتارة يكون من النفس وتارة يكون من الشيطان وهكذا ما يلقى في اليقظة، والأنبياء معصومون في اليقظة والمنام، ولهذا كانت رؤيا الأنبياء وحيًا وليس كل من رأى رؤيا كانت وحيًا فكذلك ليس كل من ألقي في قلبه شيءٌ يكون وحيًا، والإنسان قد تكون نفسه في يقظته أكمل منها في نومه، كالمصلي الذي يناجي ربه، فإذا جاز أن يوحى إليه في حال النوم فلماذا لا يوحى إليه في حال اليقظة؟ كما أوحى إلى أمِّ موسى والحواريين وإلى النحل، لكن ليس لأحد أن يطلق القول على ما يقع في نفسه أنه وحي لا في يقظة ولا في المنام إلا بدليل يدلُّ على ذلك، فإن الوسواس غالب على الناس، والله أعلم" (^٣).
_________________
(١) ينظر: شرح السُّنَّة ١٢/ ٢٠٦، الاعتصام ١/ ٣٣٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٥/ ٩٨.
(٣) المرجع نفسه ١٧/ ٥٣٢.
[ ١٧٩ ]
ولكن هل كل من رأى رؤيا يستطيع أن يجزم بأن رؤيته صادقة حقًّا، وهل يجد معبر لها كمعبر يوسف - ﵇ -؟
قال الشاطبي - ﵀ -: "فإن الرؤيا التي هي جزءٌ من أجزاء النبوة من شرطها أن تكون صالحة من الرجل الصالح، وحصول الشروط مما ينظر فيه، فقد تتوفر وقد لا تتوفر، وأيضًا فهي منقسمة إلى الحلم وهو من الشيطان، وإلى حديث النفس، وقد تكون سبب هيجان بعض أخلاط، فمتى تتعين الصالحة حتى يحكم بها، ونترك غير الصالحة؟ ويلزم أيضًا على ذلك أن يكون تجديد وحي بحكم بعد النبي - ﷺ - وهو منهيٌ عنه بالإجماع" (^١).
والحديث الذي استدلَّ به ابن عجيبة على أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة حمَّله ما لا يحتمل، وليس هذا المراد من الحديث بل المراد به التشبيه كما بيَّن ذلك زين الدين العراقي (^٢) بقوله: "لا يتخيل من هذا الحديث أن رؤيا الصالح جزء من أجزاء النبوة، فإن الرؤيا إنما هي من أجزاء النبوة في حق الأنبياء -﵈- وليست في حق غيرهم من أجزاء النبوة ولا يمكن أن يحصل لغير الأنبياء جزء من النبوة، وإنما المعنى أنَّ الرؤيا الواقعة للصالح تُشبه الرؤيا الواقعة للأنبياء التي هي في حقهم جزء من أجزاء النبوة فأطلق أنها من أجزاء النبوة على طريق التشبيه" (^٣).
_________________
(١) الاعتصام ١/ ٣٣٣.
(٢) هو: أبو الفضل، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الكردي الشافعي، ويعرف بالحافظ العراقي، ولد في جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ، عالم بالحديث، أثنى عليه شيوخ عصره، كالسُّبكي، والعلائي، له مؤلفات منها: المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج أحاديث الإحياء، ونكت منهاج البيضاوي في الأصول، وذيل على الميزان، مات سنة ٨٠٦ هـ. ينظر: إنباء الغمر بأبناء العمر ٥/ ١٧٠، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع ٤/ ١٧١، شذرات الذهب في أخبار من ذهب ٧/ ٥٥.
(٣) طرح التثريب في شرح التقريب ٨/ ٢١٤.
[ ١٨٠ ]
ويقول ابن حجر: "ظاهر الاستثناء أن الرؤيا نبوة، وليس كذلك لما تقدم أنَّ المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة، أو لأن جزء الشيء لا يستلزم ثبوت وصفه له، كمن قال: أشهد أن لا إله إلا الله رافعًا صوته لا يسمى مؤذنًا، ولا يقال: إنه أذن، وإن كانت جزءًا من الأذان، وكذا لو قرأ شيئًا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليًا وإن كانت القراءة جزءًا من الصلاة" (^١).
وبعد هذه النقول يتضح أن ما قاله ابن عجيبة عار من الحقيقة، فإن أقوال العلماء السابقة تبين بطلان كلَّ ذلك.
وأما زعمه أنه أُعطي حق التصرف في الكون فهذه طامة وداهية كبرى؛ فإن التصرف في الكون حق لله - ﷿ - فمن زعم غير ذلك فقد جاء بإفك عظيم، وهذا كلُّه حدث نتيجة غلوهم في الولي حتى قال بعضهم: "إن الولي يُعْطَى قول: "كن"، وقال بعضهم: إنه لا يمتنع على الولي فعل ممكن، كما لا يمتنع على اللّه تعالى فعل محال وزاد ابن عربي: إن الولي لا يعزب عن قدرته شيءٌ من الممكنات، والذي لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات هو اللّه وحده، فهذا تصريحٌ منهم بأنَّ الولي مثل الله، إن لم يكن هو اللّه" (^٢).
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
_________________
(١) فتح الباري ١٢/ ٣٧٥.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ١٤/ ٣٦٤.
[ ١٨١ ]