قال في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^١) هي الوحي والنبوة، كما يُشعر به تنكير الرحمة، وإضافتها إلى جناب الكبرياء، وقيل: هي سرُّ الخصوصية، وهي الولاية، فالخضر - ﵇ - قيل: إنه نبيٌّ بدليل قوله في قول الله - ﷿ -: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (^٢) وقيل: وَلِيٌّ (^٣).
وعند تأمُّل ما ذكره ابن عجيبة نجد أنه لم يجزم في حال الخضر - ﵇ - أنبيٌّ هو أم ولي، وجمهور العلماء على أنه نبيٌّ مرسلٌ من الله - ﷿ -.
قال الثعلبي (^٤): "هو نبيٌّ في جميع الأقوال" (^٥).
_________________
(١) سورة الكهف: ٦٥.
(٢) سورة الكهف: ٨٢.
(٣) البحر المديد ٣/ ٢٨٨.
(٤) أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، مفسِّر، له تفسير (الكشف والبيان عن تفسير القرآن) مشهورٌ بتفسير الثعلبي، وهو من أهل نيسابور، توفي سنة ٤٢٧ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١/ ٧٩ - ٨٠، البداية والنهاية ١٥/ ٦٥٩ هـ.
(٥) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٢٨.
[ ١٩٦ ]
وقال القرطبي (^١): "والخضر نبيٌّ عند الجمهور" (^٢).
وقال أبو حيان (^٣): "والجمهور على أنه نبيٌّ" (^٤).
وقال ابن حجر: " غالب أخباره مع موسى - ﵇ - هي الدالة على تصحيح قول من قال: إنه كان نبيًّا" (^٥).
والقول بعدم نبوته بنى عليه المتبعون له أمورًا مخالفة لما عليه أهل العلم المحققين، وهي:
١ - أفضلية الوليِّ من النبي (^٦).
٢ - استطاعة الولي الاستغناء عن محمَّد - ﷺ - كما استغنى الخضر - ﵇ - عن موسى - ﵇ -.
٣ - لخاتم الأولياء طريق إلى الله - ﷿ - يستغني به عن خاتم الأنبياء (^٧).
قال ابن القيم: "فمن ادَّعى أنَّه مع محمد - ﷺ - كالخضر مع موسى، أو جوَّز ذلك لأحدٍ من الأُمَّة فليجدد إسلامه، وليتشهد شهادة الحق؛ فإنَّه بذلك مفارق
_________________
(١) أبو العباس، أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي، ولد سنة ٥٧٨ هـ، من مصنفاته: المفهم لما أشكل من كتاب مسلم، الجامع لمقاصد الأصول، توفي سنة ٦٥٦ هـ. ينظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢١٣، شذرات الذهب ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٢) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٢٨.
(٣) أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي الجياني الغرناطي، الإمام الكبير في العربية والبلاغة والتفسير، ولد سنة ٦٥٤ هـ، ونشأ في غرناطة الأندلس، ورحل إلى مالقة، ثم أقام في القاهرة وتوفي فيها، سنة ٧٤٥ هـ. ينظر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٥/ ٧٠، الأعلام ٧/ ١٥٢.
(٤) البحر المحيط ٧/ ٢٠٤.
(٥) الزهر النضر في حال الخضر ١/ ٦٨.
(٦) سيأتي بحث المسألة في موضعه إن شاء الله.
(٧) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٤/ ٣٣٩.
[ ١٩٧ ]
لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من خاصَّة أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوَّابه، وهذا الموضع مقطع ومفرق بين زنادقة القوم، وبين أهل الاستقامة منهم، فحرِّكْ تَرَه" (^١).
ومن أدلتهم على كونه نبيًّا:
١ - قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (^٢).
٢ - قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ (^٣).
قال ابن كثير - ﵀ -: "فلو كان وليًّا وليس بنبيٍّ لم يخاطبه موسى - ﵇ - بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى - ﵇ - هذا الرد، بل موسى - ﵇ - إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله - ﷿ - به دونه، فلو كان غير نبيٍّ لم يكن معصومًا، ولم تكن لموسى - ﵇ - وهو نبيٌّ عظيمٌ ورسولٌ كريمٌ واجبُ العصمة كبيرُ رغبةٍ ولا عظيمُ طَلِبَة في علمِ وليٍّ غيرِ واجب العصمة، ثمَّ لما اجتمع به تواضع له وعظَّمه واتبعه في صورة مستفيد منه، دلَّ على أنَّه نبيٌّ مثلُهُ يُوحى إليه كما يُوحى إليه" (^٤).
_________________
(١) مدارج السالكين ٢/ ٤٩٦.
(٢) سورة الكهف: ٨٢.
(٣) سورة الكهف: ٦٦ - ٧٠.
(٤) البداية والنهاية ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩، وينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ١٧٠.
[ ١٩٨ ]