قال: "علم الحقيقة هو علم الباطن، والشريعة تكليف الظواهر، والحقيقة شهود الحق في تجليات المظاهر، وظاهر الشرع هو: العلم الظاهر وهو العلم المنقول، والعلم الباطن هو العلم الموهوب" (^٤).
لم ترد عبارة الحقيقة والشريعة والتمييز بينهما في كلام الصحابة - ﵃ - ولا كلام التابعين، وإنما ذلك من ألفاظ الصوفية واصطلاحاتهم (^٥).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وقد شاع في كلام كثير من الناس: علم الظاهر وعلم الباطن وأهل الظاهر وأهل الباطن ودخل في هذه العبارات حق وباطل
_________________
(١) سورة الإسراء: ٥٦.
(٢) مجموع فتاوى ابن باز ٩/ ١١٢.
(٣) ينظر: شرح كشف الشبهات، ص ١٢٤.
(٤) الفتوحات الإلهية، ص ٣٢٧، ٣٣٣.
(٥) البحر المحيط ٤/ ٦٩، وينظر: تلبيس إبليس، ص ٢٨٧.
[ ٧٦ ]
إلى أن قال: ومن لم يكن له علم بما يصلح باطنه ويفسده ولم يقصد صلاح قلبه بالإيمان ودفع النفاق كان منافقًا إن أظهر الإسلام؛ فإن الإسلام يظهره المؤمن والمنافق وهو علانية والإيمان في القلب" (^١).
وقال أيضًا: "ولكن نعلم جماع الأمر أن كل قول وعمل فلا بدَّ له من ظاهر وباطن فظاهر القول لفظ اللسان وباطنه ما يقوم من حقائقه ومعانيه بالجنان وظاهر العمل حركات الأبدان وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان، فالمنافق لما أتى بظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان لم ينفعه ذلك وكان من أهل الخسران؛ بل كان في الدرك الأسفل من النار" (^٢).
ويزيد تأكيد ما سبق فيقول: "والمقصود هنا أن الظاهر لا بدَّ له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق ومن ادعى باطنًا يخالف ظاهرًا فهو كافر منافق بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أنَّ الإنسان لا بدَّ له من روح وبدن وهما متفقان فلا بدَّ لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان فالباطن للباطن من الإنسان والظاهر للظاهر منه" (^٣).
وقال ابن عقيل (^٤): "جعلت الصوفية الشريعة اسمًا وقالوا المراد منها الحقيقة، وهذا قبيح؛ لأنَّ الشريعة وضعها الحق لمصالح الخلق وتعبداتهم فما الحقيقة بعد هذا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٣٠.
(٢) رسالة في علم الباطن والظاهر ١/ ٢٤٧، في مجموع الفتاوى.
(٣) مجموع الفتاوى ١/ ٢٥١.
(٤) هو أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي، الحنبلي، المتكلم، شيخ الحنابلة، صاحب كتاب الفنون، ولد سنة ٤٣١ هـ، وتوفي سنة ٥١٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٤٨، طبقات الحنابلة ٢/ ٢٥٩.
[ ٧٧ ]
سوى شيءٌ واقعٌ في النفس من إلقاء الشياطين وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرورٌ مخدوع" (^١).
وقال ابن الجوزي: "وقد فرق كثير من الصوفية بين الشريعة والحقيقة، وهذا جهلٌ من قائله؛ لأن الشريعة كلُّها حقائق" (^٢)، وقال أيضًا: "وقد سموا علم الشريعة علم الظاهر، وسموا هواجيس النفس علم الباطن" (^٣)، وقال ابن رجب - ﵀ - (^٤): "وكثير ممن يدعي العلم الباطن ويتكلم فيه ويقتصر عليه يذم العلم الظاهر الذي هو الشرائع والأحكام والحلال والحرام، ويطعن في أهله ويقول: هم محجوبون وأصحاب قشور، وهذا يوجب القدح في الشريعة المطهرة والأعمال الصالحة التي جاءت الرُّسل بالحثِّ عليها والاعتناء بها، وربما انحل بعضهم عن التكاليف وادعى أنها للعامة، وأمَّا من وصل فلا حاجة به إليها وأنها حجاب له، وهؤلاء كما قال الجنيد-سيد الطائفة عندهم- وغيره من العارفين: وصلوا ولكن إلى سقر، وهذا من أعظم خداع الشيطان وغروره لهؤلاء، لم يزل يتلاعب بهم حتى أخرجهم عن الإسلام، ومنهم من يظن أن هذا العلم الباطن لا يتلقى من مشكاة النبوة، ولا من الكتاب والسُّنَّة!، وإنما يتلقى من الخواطر والإلهامات والكشوفات! فأساءوا الظن بالشريعة الكاملة، حيث ظنُّوا أنها لم تأت بهذا العلم النافع، الذي يوجب صلاح القلوب وقربها من علام الغيوب! وأوجب ذلك لهم الإعراض عمَّا جاء به الرسول - ﷺ - في هذا الباب بالكلية والتكلم فيه بمجرد الآراء والخواطر، فضلُّوا وأضلُّوا" (^٥).
_________________
(١) ينظر: تلبيس إبليس، ص ٣٢٤.
(٢) المرجع نفسه، ص ٣٢٤.
(٣) نفسه، ص ٣٢١.
(٤) هو أبو الفرج، عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، زين الدين البغدادي الدمشقي، له مؤلفات منها: جامع العلوم والحكم، فتح الباري على شرح صحيح البخاري، القواعد الفقهية، توفي سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: شذرات الذهب ٦/ ٣٣٩.
(٥) شرح حديث العلم، ص ١٦.
[ ٧٨ ]
وممن ردّ هذا التقسيم ابن القيم حيث قال: "ومن كيد الشيطان: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى الكشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسُّنَّة والقرآن، فحسَّن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق والتجافي عمَّا عليه أهل الدنيا، وأهل الرياسة والفقهاء، وأرباب العلوم والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذى جاء به الرسول نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعدٌ له من أنواع الباطل، وخيله للنفس حتى جعله كالمشاهد كشفًا وعيانًا، فإذا أنكره عليهم ورثة الرُّسل قالوا: لكم العلم الظاهر، ولنا الكشف الباطن، ولكم ظاهر الشريعة، وعندنا باطن الحقيقة، ولكم القشور ولنا اللباب، فلما تمكَّن هذا من قلوبهم سلخها من الكتاب والسُّنَّة والآثار كما ينسلخ الليل عن النهار، ثم أحالهم في سلوكهم على تلك الخيالات، وأوهمهم أنها عن الآيات البيِّنات، وأنها من قبل الله سبحانه إلهامات وتعريفات فلا تعرض على السُّنَّة والقرآن، ولا تُعامل إلا بالقبول والإذعان، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات، وأنواع لهذيان، وكلما ازدادوا بعدًا وإعراضًا عن القرآن وما جاء به الرَّسول كان هذا الفتح على قلوبهم أعظم" (^١).
ومما يجب أن يلاحظ هنا أن فكرة الظاهر والباطن عند الصوفية جذورها شيعية كما رأى الشيخ إحسان إلهي ظهير (^٢) يقول: "وأمَّا الفكرة الأخرى التي
_________________
(١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/ ١١٩.
(٢) إحسان إلهي ظهير بن طهور إلهي بن أحمد الدين بن نظام الدين، من أسرة سيتي، عالم باكستاني، ولد في سيكالوت عام ١٣٦٣ هـ، اغتيل عام ١٤٠٧ هـ. ينظر: إتمام الأعلام، ص ٢٧، الشيخ إحسان إلهي ظهير منهجه وجهوده في تقرير العقيدة والرد على الفرق المخالفة، ص ٦٣.
[ ٧٩ ]
تسربت إلى التصوف من التشيع، واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن، والعام والخاص، ومنها تدرجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي، وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة، فإن الشيعة بجميع فرقها، وخاصة الإسماعيلية (^١) منهم من يعتقدون أن لكل ظاهر باطنًا، وقد اختص بمعرفة الباطن علي - ﵁ - وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم، فسموا الموالين لهم بالخاصة، وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة ثم قالوا: إن الظاهر هو الشريعة، والباطن هو الحقيقة، وصاحب الشريعة هو الرسول محمد - ﷺ - وصاحب الحقيقة هو الوصي علي بن أبي طالب - ﵁ - (^٢).
واستدل بقصة الخضر - ﵇ - فقال: "إن جماعة من العوام أنكروا علم الباطن، وقالوا ليس إلا علم الشريعة الذي هو العلم الظاهر، وأما علم الباطن فلم ينزل به كتابٌ ولا سُنَّة.
قلنا (^٣): يُرَدُّ عليهم بقول الله - ﷿ - في قصة موسى - ﵇ - مع الخضر - ﵇ -: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (^٤) "، (^٥).
_________________
(١) الإسماعيلة: هم المنسوبون إلى محمد بن إسماعيل وهو ابن جعفر الصادق، يقولون بالتفسير الباطني، وأنَّ الله - ﷿ - اختصَّ بالعلم علي بن أبي طالب، ويقولون بكفر من خالف عليًّا، ويقولون بإمامة الاثني عشر. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٤٢، والملل والنحل، للشهرستاني ١/ ١٩١.
(٢) ينظر: التصوف، المنشأ والمصادر، ص ٢٤٣، الفكر الصوفي في ضوء القرآن والسُّنَّة، ص ٤٢١.
(٣) القائل: ابن عجيبة.
(٤) سورة الكهف: ٦٥
(٥) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ص ٢٣٧.
[ ٨٠ ]
فهو يرى أن المراد من قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ هو علم الحقيقة إذ قال في تفسيره:
"وعلَّمناه من لدنا علما خاصًا، لا يُكتنه كنهه، ولا يُقدر قدره، وهو علم الغيوب، أو أسرار الحقيقة" (^١).
فيجاب عن ذلك أن هذه القصة باطلة بكلام العلماء المحققين، قال ابن حجر (^٢): "قوله: يا موسى إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه أي جميعه وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه أي: جميعه وتقدير ذلك متعين؛ لأن الخضر كان يعرف من الحكم الظاهر ما لا غنى بالمكلَّف عنه وموسى كان يعرف من الحكم الباطن ما يأتيه بطريق الوحي" (^٣).
وقال القاضي عياض - ﵀ - (^٤): "وقيل مراد موسى - ﵇ - بقوله (أنا أعلمُ) أي بوظائف النبوة وأمور الشريعة وسياسة الأمر والخضر أعلم منه بأمورٍ أُخر من علوم غيبية كما ذكر من خبرهما، وكان موسى - ﵇ - أعلم على الجملة والعموم مما لا يمكن جهل الأنبياء بشيءٍ منه، والخضر أعلم على الخصوص بما أعلم من محنات الغيب وحوادث القدر، وقصص الناس مما لا يعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به مما استأثر الله به من غيبه، وما قدره وسبق في علمه مما كان، ويكون في خلقه؛ ولذلك قال
_________________
(١) البحر المديد ٣/ ٢٨٦.
(٢) هو أبو الفضل، أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني، شهاب الدين، ولد سنة ٧٧٣ هـ، أقبل على الحديث، ورحل إلى اليمن له تصانيف كثيرة، وأصبح حافظ الإسلام في عصره، توفي سنة ٨٥٢ هـ، ينظر: البدر الطالع بمحاسن ما بعد القرن السابع ١/ ٨٧.
(٣) فتح الباري ٨/ ٤١٨.
(٤) أبو الفضل، عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي، من علماء المغرب، استقرَّ في فاس، له مؤلفات منها: ترتيب المدارك، كتاب الشفاء، توفي سنة ٥٤٤ هـ. ينظر: وفيات الأعيان ٢/ ٢٣٠.
[ ٨١ ]
الخضر في الحديث: «إنَّك على علم من علم الله علَّمك لا أعلمه وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه» (^١)، ألا تراه لم يعرف موسى بني إسرائيل حتى عرفه بنفسه إذا لم يعرفه الله به" (^٢).