قال ابن عجيبة: "إن غاية العلوم الكسبية النقلية الظن القوي، أما علوم الحقائق فهي يقين" (^١).
ورأيه بأن الأدلة الكسبية ظنيَّة والحقيقة يقين، زعم باطل، وافق فيه المتكلمين وأهل البدع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " ويزعم قومٌ من غالبية أهل البدع أنه لا يصح الاستدلال بالقرآن والحديث على المسائل القطعية مطلقًا، بناءً على أنَّ الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين بما زعموا، ويزعم كثير من أهل البدع أنه لا يستدل بالأحاديث المتلقاة بالقبول على مسائل الصفات والقدر، ونحوهما مما يُطلب فيه القطع واليقين" (^٢).
ومن المعلوم أنَّ دلالة الأدلة اللفظية لا تختصُّ بالقرآن والسُّنَّة، بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضًا بالأدلة اللفظية والإنسان حيوان ناطق، فالنطق ذاتيٌّ له، وهو مدنيٌّ بالطبع لا يمكن أن يعيش وحده كما يعيش الوحش، بل لا يمكنه أن يعيش إلا مع بني جنسه، فلا بدَّ أن يعرف بعضهم مراد بعض، ليحصل التعاون، فعلَّمهم الحكيم العليم تعريف بعضهم بعضًا مراده بالألفاظ، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ
_________________
(١) الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية، ص ٢٧٧.
(٢) قاعدة في المعجزات والكرامات، ص ١٨ - ١٩، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل.
[ ٩٦ ]
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^١) فكانت حكمة ذلك التعليم، تعريف مراد المتكلم، فلو لم يحصل له المعرفة كان في ذلك إبطال لحكمة الله، وإفساد لمصالح بني آدم، وسلب الإنسان خاصيته التي ميَّزه بها على سائر الحيوان، وهذه الطريقة يستدل بها من وجوه:
١ - أن قول القائل الأدلة اللفظية التي جاء بها الرسول - ﷺ - لا تفيدنا علمًا ولا يقينًا من أعظم أنواع السَّفسطة (^٢)، وهؤلاء شرٌّ من اللا أدرية (^٣) وشرٌّ من الباطنية، فأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة متيقنون لمراد الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ - جازمون به معتقدون لموجبه اعتقادًا لا يتطرَّق إليه شكٌّ ولا شبهة، أمَّا المتكلمون الذين عدلوا عن الاستدلال بالأدلة السمعية إلى الأدلة العقلية فهم مختلفون متحيرون تناقضت أقوالهم واضطربت فهومهم (^٤).
٢ - أنَّا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يعرف بعضهم مراد بعض بلفظه ويقطع به ويتيقنه فقول القائل: الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين قدح في العلوم الضرورية التي اشترك الناس في العلم بها (^٥).
٣ - أنَّ الطفل أول ما يميز يعرف مراد من يربيه بلفظه قبل أن يعرفه شيئًا من العلوم الضرورية فلا أقدم عنده ولا أسبق من تيقنه لمراد من يخاطبه بلفظه فالعلم
_________________
(١) سورة البقرة: ٣١.
(٢) السَّفسطة: قياسٌ مركَّبٌ من الوهميات، والغرض إفحام الخصم وإسكاته. ينظر: التعريفات، للجرجاني، ص ١١٨ - ١١٩، المعجم الوسيط ١/ ٤٣٣.
(٣) اللا أدرية: سموا بذلك نسبةً إلى قولهم لا أدري، وتُطلق عند المحدثين على إنكار قيمة العقل وقدرته على المعرفة، وهم يرون التوقف عن العلم وعن الحكم، فمذهبهم قام على التجاهل، وتطلق على المذاهب الفلسفية التي تقول بعجز العقول عن إدراك الحقائق. ينظر: المعجم الفلسفي ١/ ٨٦٨.
(٤) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية المعطلة ٢/ ٦٤٦.
(٥) المرجع نفسه ٢/ ٦٥٠.
[ ٩٧ ]
بذلك مقدَّم على سائر العلوم الضرورية فمن جعل العقليات تفيد اليقين والسمعيات لا تفيد معرفة مراد المتكلم فقد قلب الحقائق وناقض الفطرة (^١).
٤ - أنَّ التعريف بالأدلة اللفظية أصلٌ للتعريف بالأدلة العقلية فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول هذه لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول تلك بل العلم بمدلول الأدلة اللفظية أسبق فإنه يوجد في أول تمييز الإنسان وحينئذ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بمدلول الأدلة العقلية بل هي أصل العلم بها فإذا بطل الأصل بطل فرعه، يوضحه أنَّ الإنسان في فهمه وإفهامه للدليل العقلي محتاج إلى معرفة مراد المخبر به الذاكر له لمن يخاطبه فإذا لم يحصل له علم بمراده من الدليل فكيف يحصل له علم بالمدلول؟
٥ - أنَّ الله سبحانه هدى البهائم والطير أن يعرِّف بعضُها بعضًا مرادَها بأصواتها، وإذا كان التفاهم والعلم بمراد الحيوان من غيره حاصلًا للحيوانات فما الظنُّ بأشرف أنواعها وهو الإنسان، فما الظنُّ بأشرف هذا النوع وهم العقلاء المعتنون بالبيان والإيضاح، فما الظنُّ بالأنبياء -﵈- المخصوصين من العلم والبيان والأفهام بما ليس مثله لسواهم، فما الظنُّ بأفضل الأنبياء محمد - ﷺ - أنصح الخلق للخلق، وأعلمهم وأكملهم بيانًا، وأتمهم فصاحةً، وأقدرهم على التعبير عن المعنى باللفظ الذي لا يزيد عليه ولا ينقص عنه ولا يوهم غيره، وأحرصهم على تعليم الأُمَّة وتفهيمهم، وأصحابه - ﵃ - أكمل الأمم عقلًا وفهمًا وفصاحةً وحرصًا على فهم مراده فكيف لا يكونون قد تيقنوا مراده بألفاظه وكيف لا يكون التابعون لهم بإحسان قد تيقنوا مرادهم مما بلَّغوهم إياه عن نبيِّهم ونقلوه إليهم (^٢).
_________________
(١) الصواعق المرسلة على المعطلة في الرَّدِّ على الجهمية المعطلة ٢/ ٦٤٢.
(٢) المرجع نفسه ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥.
[ ٩٨ ]
٦ - أنَّ دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلِّم أقوى من دلالة الأدلة العقلية على الحقائق الثابتة، فكيف بدلالة المقدمات المشتبهة التي غايتها أن يكون فيها حقٌّ وباطل وليس مع أصحابها إلا إحسان الظن بمن قالها فإذا طولبوا بالبرهان على صحتها قالوا هكذا قال العقلاء، وهذا أمرٌ قد صقلته أذهانهم وقبلته عقولهم، فبين دلالة الأدلة اللفظية على مراد المتكلم ودلالة هذه المقدِّمات على الحقائق تفاوتٌ عظيم، فكيف تفيد هذه اليقين دون تلك؟ وهل هذا إلا قلبٌ للفطر وتعكيس للأذهان (^١).
٧ - أنَّ دلالة قول الرسول - ﷺ - على مراده أكمل من دلالة شبهات هؤلاء العقلية على معارضته بما لا نسبة بينهما فكيف تكون شبهاتهم تفيد اليقين وكلام الله ورسوله لا يفيد اليقين (^٢).
٨ - أنَّ قول القائل: (الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين) إمَّا أن يريد به نفي العموم أو عموم النفي، فإن أراد نفي العموم لم يفده شيئًا فإنَّ عاقلًا لا يدعي أنَّ كلَّ دليل لفظي يفيد اليقين حتى ينصب معه الخلاف ويحتج عليه، وإن أراد به عموم النفي كان هذا مكابرة للعيان وبهتًا ومجاهرةً بالكذب والباطل (^٣).