استدلَّ ابن عجيبة بقول النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه - ﷿ -: «وما تقرَّب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولايزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرا » (^٥)، وفي حديث آخر: «فإذا أحببته كنته» (^٦)، (^٧).
_________________
(١) الرسالة، ص ١٩٧.
(٢) هو أبو عمر، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، الأندلسي القرطبي المالكي، ولد سنة ٣٦٨ هـ، له مصنفات كثيرة منها: التمهيد لما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد، الاستذكار، جامع بيان العلم وفضله، توفي سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٥٣، ١٦٣، ترتيب المدارك ٤/ ٨٠٨، ٨١٠، وفيات الأعيان ٧/ ٦٦، ٧٢، البداية والنهاية ١٦/ ٣٣.
(٣) التمهيد ١/ ٢.
(٤) سيأتي الحديث عنها وأثرها في الباب الثالث من هذا الكتاب، ذكرتها هنا مبيِّنًا فساد استدلال ابن عجيبة بحديثٍ صحيحٍ على معتقده الفاسد.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٤/ ١٩٢ رقم ٦٥٠٢.
(٦) هذه الزيادة لم أجدها في مصادر تخريج الحديث.
(٧) معراج التشوف إلى حقائق التصوف، ص ٥٨.
[ ١٠٣ ]
وهذا الحديث لا دليل فيه للقائلين بوحدة الوجود، بل هو حجَّةٌ عليهم.
قال ابن تيمية - ﵀ -: "والحديثُ حجَّةٌ عليهم من وجوه كثيرة:
- منها قوله: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.
ومنها قوله: «وما تقرَّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه وربًّا افترض عليه فرائض.
ومنها قوله: «ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه» فأثبت متقربًا ومُتقربًا إليه ومحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كلُّه ينقض قولهم: الوجود واحد.
ومنها قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» إلى آخره، فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد وهو عندهم هذه الأعضاء: بطنه وفرجه وشعره وكل شيء لا تعدد عندهم ولا كثرة في الوجود، ولكن يثبتون مراتب ومجالي ومظاهر؛ فإن جعلوها موجودة نقضوا قولهم" (^١).