فقد قبل أخبار الآحاد في أبواب الأعمال، ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرَّدِّ على الجهمية والمعطلة ٢/ ٦٤٧.
(٢) المرجع نفسه ٢/ ٦٤٧.
(٣) نفسه ٢/ ٦٥٠.
[ ٩٩ ]
نَادِمِينَ﴾ (^١): "هذه الآيةُ دليلٌ على قبول خبر الواحد العدل؛ لأنا لو توقفنا في خبره؛ لسوَّينا بينه وبين الفاسق" (^٢).
وردَّها في أبواب الاعتقاد؛ بدليل تأويله لصفات الله - ﷿ -، مثل: تأويله الاستواء، بالاستيلاء (^٣)، والوجه بالذات (^٤) (^٥)، وبهذا خالف ابن عجيبة ما عليه سلف الأُمَّة ووافق المتكلمين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن (خبر الواحد) إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به أنه يوجب العلم" (^٦).
وقال أبو المظفر السمعاني: "إنَّ الخبر الواحد إذا صحَّ عن رسول - ﷺ - ورواة الثقات والأئمة وأسنده خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله - ﷺ - وتلقته الأُمَّة بالقبول فإنَّه يوجب العلم فيما سبيله العلم، هذا قول أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السُّنَّة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بدَّ من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به شيءٌ اخترعته القدرية (^٧) والمعتزلة (^٨)، وكان
_________________
(١) سورة الحجرات: ٦.
(٢) البحر المديد ٧/ ١٦١.
(٣) المرجع نفسه ٢/ ٢٢٣.
(٤) اللطائف الإيمانية الملكوتية والحقائق الإحسانية الجبروتية في رسائل ابن عجيبة، ص ٧٤.
(٥) سيأتي الحديث عنها في الباب الثاني من هذا الكتاب، ولا شكَّ في مخالفته لأهل السُّنَّة والجماعة في تأويل نصوص الصفات.
(٦) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٥١.
(٧) القدرية: يقولون بأنَّ العبد يحدث فعل نفسه، وأفعال العباد مقدورة لهم على وجه الاستقلال، والمتقدمون منهم ينكرون العلم السابق لله - ﷿ - للأشياء قبل وجودها، ولقد كفَّرهم السلف بقولهم هذا، والمتأخرون منهم يثبتون العلم وينازعون في مرتبة الخلق. ينظر: الملل والنحل ١/ ٤٣، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٩٨.
(٨) المعتزلة: سُمُّوا بذلك؛ لأن واصل بن عطاء اعتزل مجلس الحسن البصري إثر قوله بأنَّ مرتكب الكبيرة لا مؤمنٌ ولا كافر، ومن عقائد المعتزلة الباطلة: ١ - نفي صفات الله - ﷿ -، ٢ - القرآن مخلوق، ٣ - الله - ﷿ - لا يرى في الآخرة، ٤ - نفي الشفاعة، ٥ - أنَّ الله ليس خالقًا لأفعال العباد .. ويسمون بالقدرية، والعدلية. ينظر: الفرق بين الفرق، ص ٢٠ - ٢١، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٣٥.
[ ١٠٠ ]
قصدهم منه ردَّ الأخبار، وتلقَّفه منهم بعض الفقهاء، الذين لم يكن لهم في العلم قدمٌ ثابت، ولم يقفوا على مقصدهم من هذا القول" (^١).
أدلة قبول خبر الواحد منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٢)، "والطائفة في كلام العرب تقع على الواحد، والجماعة، يدلُّ على أنَّ الطائفة يجوز أن تكون واحدًا في هذه الآية، أنه إذا نَفَر واحدٌ من كلِّ قومٍ ونَفَرَ وتفقَّهَ في الدين ورجعَ إليهم وأنذرهم وأعلمهم بما فُرِض عليهم كان عليهم أن يقبلوا قوله وينتهوا إلى ما يخبرهم به، ولا يجوز لهم أن يردوا خبره؛ لأنَّ على العامي أن يقبل قول العالم" (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ﴾ (^٤)، وهذه الآية استدل بها ابن عجيبة على قبول خبر الواحد العدل (^٥).
وفي القراءة الأخرى (فتثبتوا) (^٦)، وهذا يدلُّ على الجزم بقبول خبر الواحد وأنه لا
_________________
(١) صون المنطق، ص ١٦٠ - ١٦١.
(٢) سورة التوبة: ١٢٢.
(٣) الحجة في بيان المحجة، إسماعيل الأصبهاني ١/ ٣٧٤.
(٤) سورة الحجرات: ٦.
(٥) البحر المديد ٧/ ١١.
(٦) الكشف عن وجوه القراءات السبع ١/ ٣٩٤.
[ ١٠١ ]
يحتاج إلى التثبيت، ولو كان خبره لا يفيد العلم لأمر بالتثبت حتى يحصل العلم، ومما يدلُّ عليه أيضًا أنَّ السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله - ﷺ - كذا وفعل كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا، وهذا معلومٌ في كلامهم بالضرورة" (^١).
أدلة السُّنَّة على قبول خبر الواحد:
١ - قال النبي - ﷺ -: «بلِّغوا عنِّي ولو آية» (^٢).
٢ - قصة العسيف (^٣)، فقد ورد عن النبي - ﷺ - أنه قال: «واغد يا أُنيس-لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (^٤)، اعتمد - ﷺ - خبره فيما اعترفت به على نفسها (^٥).
٣ - في الصحيحين عن ابن عمر - ﵄ - قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: إنَّ النبي - ﷺ - قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (^٦).
وقال الشافعي: "فلمَّا ندب رسول الله - ﷺ - إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والإمرء واحدٌ دلَّ على أنه لا يأمر أن يؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدَّى إليه؛ لأنه إنما يؤدي عنه حلالٌ، وحرامٌ يُجتنب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يُؤخذ ويُعطى، ونصيحةٌ في دينٍ ودنيا" (^٧).
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة ٢/ ٣٩٤، الإحكام، لابن حزم ١/ ١١١ - ١١٢.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٤/ ١٤٥، رقم ٣٤٦١.
(٣) العسيف: الأجير، ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ٤/ ١٤٠٤.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، ٨/ ١٣٥ رقم ٦٨٣٦.
(٥) ينظر: أخبار الآحاد، للشيخ ابن جبرين - ﵀ -، ص ١٢٣.
(٦) أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق ٨/ ١٣٣ - ١٣٤، رقم ٣٩٥، ومسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى ٥/ ١٢١، رقم ٤٥٣١.
(٧) الرسالة، ص ١٧٥.
[ ١٠٢ ]
وقال في موضعٍ آخر: "لم أحفظْ عن فقهاء المسلمين أنهم اختلفوا في تثبيتِ خبر الواحد" (^١).
وقال ابن عبد البر (^٢): "أجمع أهلُ العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار -فيما- علمت على قبول خبر الواحد العدل، وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كلِّ عصر من لدن الصحابة - ﵃ - إلى يومنا هذا" (^٣).