قسَّم ابن عجيبة الناس إلى قسمين في طريقة إثبات دلائل الربوبية، فقال: "والناس على قسمين: أهل تصديق وإيمان، وأهل شهود وعيان، فأهل التصديق والإيمان هم عامَّة أهل اليمين، وهم أكثر المسلمين من العلماء والصالحين، ويستندون في معرفتهم بالله إلى الدليل والبرهان، فتارة يقوى عندهم الدليل، فيترقون عن اتباع الظن إلى الجزم والتصميم، وتارة يضعف فيرجعون إلى اتباع الظن الراجح، وأمَّا الشهود والعيان فقد غابت عنهم الأكوان في شهود المكون، فصاروا يستدلون بالله على وجود غيره، فلا يجحدونه، حتى قال بعضهم: لو كُلِّفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده، محال أن تشهده وتشهد معه سواه" (^١).
وقال أيضًا: "التوحيد الذي ينتجه الدليل والبرهان يعتريه الزيادة والنقصان، إذ قد تعرض له الشكوك والأوهام" (^٢)، وقال أيضًا: النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير، ولا صحبة أهل التنوير لا تزيد إلا حيرة" (^٣)، وقال "لا يستوي العالم بالله مع الجاهل به، العالم يعبده على العيان، والجاهل به في مقام الاستدلال والبرهان، العالم بالله يستدل بالله على غيره، والجاهل به يستدل بالأشياء على الله" (^٤)، وقال: "وكل من كان محجوبًا عن الله يستدلُّ بغيره فهو من البله" (^٥)، وقال: "كل من لم يعرف
_________________
(١) البحر المديد ٢/ ٤٧١.
(٢) شرح خمرية ابن الفارض، ص ٥٠.
(٣) البحر المديد ٥/ ٣٠١.
(٤) المرجع نفسه ٥/ ٨٥.
(٥) نفسه ٦/ ٩٤.
[ ٢٣٥ ]
الله معرفة العيان فهو من الأُمِّيين" (^١)، وفسَّر قول الله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٢)، "هم الذين حبسهم الجهل والتقليد، فلم تنفذ بصائرهم إلى خالص التوحيد، فنكصوا عن توحيد العيان إلى توحيد الدليل والبرهان، وهو ضلال أهل الشهود والعيان، ولو بلغ في الصلاح غاية الإمكان" (^٣).
والقول الذي عليه أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ كل ما في الكون من آيات قولية وكونية، وسمعية دالة على ربوبيته الله - ﷾ - ولا تعارض بينهما، قال ابن القيم: "والتعلق بها استدلالًا ونظرًا في آيات الرَّبِّ ليصل إلى الله - ﷿ - هو التوحيد والإيمان" (^٤).
وقال أيضًا: "والمقصود: أنَّ الله سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقة دالةً عليه، فإنَّ دلالتها إنما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القولية الكلامية المطابقة لما شهدت به آياته الخلقية، فتتطابق شهادة القول وشهادة الفعل، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (^٥).
أي أن القرآن حق، فأخبر أنه يدلُّ بآياته الأفقية والنفسية على صدق آياته القولية الكلامية" (^٦).
_________________
(١) البحر المديد ٦/ ١٤٨.
(٢) سورة الفاتحة: ٧.
(٣) البحر المديد ١/ ٦٧.
(٤) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.
(٥) سورة فصلت: ٥٣.
(٦) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٤.
[ ٢٣٦ ]
وهذه الشواهد الكونية دلالة على الكمال الإلهي لله - ﷿ - قال ابن القيم: "يصحُّ بالشواهد أي: بالأدلة والآيات والبراهين، وهذا مما يدلُّ على كماله وشرفه، أن قامت عليه الأدلة ونادت عليه الشواهد وأوضحته الآيات والبراهين، وما عداه فدعاوى مجرَّدة لا يقوم عليها دليلٌ ولا تصحُّ بشاهد، فكلُّ توحيدٍ لا يصحُّ بشاهد فليس بتوحيد، فلا يجوز أن يكون توحيدًا أكمل من التوحيد الذي يصح بالشواهد والآيات، وتوحيد القرآن من أوله إلى آخره كذلك" (^١).
وبهذه الدلائل يعرف الله - ﷾ -، والرُّسُل ﵈ أخبروا عن الله - ﷿ - بكلامه، قال ابن القيم: "وأمَّا آياته العيانية الخلقية، والنظر فيها والاستدلال بها: فإنَّها تدلُّ على ما تدلُّ عليه آياته القولية السمعية، وآيات الرَّب: هي دلائله وبراهينه التي بها يعرفه العباد، وبها يعرفون أسماءه وصفاته، وتوحيده، وأمره ونهيه، فالرُّسل تخبر عنه بكلامه الذي تكلَّم به، وهو آياته القولية، ويستدلُّون على ذلك بمفعولاته التي تشهد على صحة ذلك، وهي آياته العيانية، والعقل يجمع بين هذه وهذه، فيجزم بصحة ما جاءت به الرُّسل، فتتفق شهادة السَّمع والبصر والعقل والفطرة" (^٢).
وشبهته التي بثَّها في قوله العارف لا يحتاج إلى دليل يستدل به على الله - ﷿ - بل الله أغناه عن الدليل، مقلوبة عليه ودحضها ابن القيم بقوله: "قوله (^٣): (ويسلك سبيل إسقاط الحدث) يريد أنه في هذا الشهود، وهذه الملاحظة المذكورة: سالكٌ سبيل الذين شهدوا عين الأزل، فنفى عنهم شهود الحدث، وذلك بالفناء في حضرة الجمع، فإنها هي التي يفنى فيها من لم يكن، ويبقى فيها من لم يزل.
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٠٦ - ٥٠٧.
(٢) المرجع نفسه ٣/ ٤٨٣.
(٣) يقصد صاحب منازل السائرين.
[ ٢٣٧ ]
فإن أراد بإسقاط الحدث: أنه يعتقد نفي حدوث شيء، فهذا مكابرة للحس والشهود، وإن أراد إسقاط الحدث من قلبه، فلا يشهد حادثًا ومحدثًا -وهذا مراده- فهذا خلاف ما أمر الله ورسوله به، وخلاف الحق، فإنَّ العبد مأمور أن يشهد: أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويشهد أنَّ الجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيين حق، ويشهد حدوث المحدثات بإحداث الرَّبِّ تعالى لها بمشيئته وقدرته، وبما خلقه من الأسباب، ولما خلقه من الحكم، ولم يأمر العبد -بل لم يرد منه- أن لا يشهد حادثًا ولا حدوث شيء، وهذا لا كمال فيه، ولا معرفة، فضلًا عن أن يكون غاية العارف، وأن يكون توحيد الخاصَّة، والقرآن -من أوله إلى آخره- صريحٌ في خلافه، فإنَّه أمر بشهود الحادثات والكائنات، والنظر فيها، والاعتبار بها، والاستدلال بها على وحدانية الله سبحانه، وعلى أسمائه وصفاته، فأعرف الناس به، وبأسمائه وصفاته أعظمهم شهودًا لها، ونظرًا فيها، واعتبارًا بها، فكيف يكون لبُّ التوحيد وقلبه وسرُّه: إسقاطها من الشهود" (^١).
وبهذا يتضح لكلِّ من كان له قلب أو ألقى السَّمع وهو شهيد البون الشاسع بين أدلة السلف الواضحة والموافقة للوحيين وأدلة المتكلِّمين، وهذا الذي أكَّده ابن القيم حين قال: "وكثيرًا ما يكون الدليل الذي عرف به الحق أصح من كثير من أدلة المتكلِّمين ومقدماتها، وأبعد عن الشبه، وأقرب تحصيلًا للمقصود، وإيصالًا إلى المدلول عليه، بل من استقرأ أحوال الناس رأى أنَّ كثيرًا من أهل الإسلام -أو أكثرهم- أعظم توحيدًا، وأكثر معرفةً، وأرسخ إيمانًا من أكثر المتكلِّمين وأرباب النظر والجدال، ويجد عندهم من أنواع الأدلة والآيات التي يصحُّ بها إيمانهم ما هو أظهر
_________________
(١) مدارج السالكين ٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨.
[ ٢٣٨ ]
وأوضح وأصح مما عند المتكلمين، وهذه الآيات التي ندب الله عباده إلى النظر فيها، والاستدلال بها على توحيده، وثبوت صفاته وأفعاله، وصدق رسله هي آيات مشهودةٌ بالحس، معلومة بالعقل، مستقرِّة في الفِطَر، لا يحتاج الناظر فيها إلى أوضاع أهل الكلام والجدل، واصطلاحهم، وطرقهم البتة، وكلُّ من له حسٌّ سليم، وعقلٌ يميِّز به يعرفها ويقرُّ بها، وينتقل من العلم بها إلى العلم بالمدلول، وفي القرآن ما يزيد على عشرات ألوف من هذه الآيات البيِّنات، ومن لم يحفظ القرآن فإنَّه إذا سمعها وفهمها وعقلها انتقل ذهنه منها إلى المدلول أسرع انتقال وأقربه.
وبالجملة: فما كلُّ من علم شيئًا أمكنه أن يستدلَّ عليه، ولا كل من أمكنه الاستدلال عليه يحسن ترتيب الدليل وتقريره" (^١).