يزعم ابن عجيبة أنَّ الخضر - ﵇ - حيٌّ قال: "وقال جمهور الأولياء: أنه حي، وقد لقيه كثيرٌ من الصلحاء والأولياء، حتى تواتر عنهم حياته" (^١).
وأورد قصة لقائه مع الخضر.
قال: "وقد التقيت مع الخضر - ﵇ - في مقصورة جامع الجعيدي أخذتني الغيبة فرأيته رجلًا ضخمًا كبير اللحية فقرَّب مني حتى مسَّ شعر لحيته وجهي، وتكلَّمت معه بكلام غاب عنِّي اليوم لطول العهد به" (^٢).
ودلَّ على ذلك إقراره للقصة التي نقلها ولم يعلَّق عليها.
والقصة عن أحد الصوفية أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام وسلَّم عليه وقال له: "يا رسول الله - ﷺ -، إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث، فقال - ﷺ -: صدق الخضر وكل ما يحكيه حق، وهو عالم أهل الأرض، وهو رئيس الأبدال، وهو جنود الله في الأرض" (^٣).
بل قال ابن عجيبة أثناء ذكره لآداب المريد مع الشيخ:
وسلِّم له فيما تراه وإن يكن على غيرِ مشروعٍ فثمَّ مخادعُ
وفي قصةِ الخضرِ الكريمِ كفايةٌ بقتلِ غلامٍ والكليمُ يدافعُ (^٤)
وهذا قياسٌ مع الفارق، فقتل الغلام دليل على نبوة الخضر - ﵇ -.
قال ابن كثير - ﵀ -: "إنَّ الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي
_________________
(١) البحر المديد ٣/ ٢٨٨.
(٢) الفهرسة، ص ٧٥.
(٣) اللوائح القدسية في شرح الوظيفة الزروقية، ص ١٥٦.
(٤) الفهرسة، ص ٦٦.
[ ١٩٩ ]
إليه من الملك العلَّام، وهذا دليلٌ مستقلٌ على نبوته وبرهان ظاهر على عصمته؛ لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرَّد ما يلقى في خلده؛ لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق" (^١).
وربما تلبَّس الشيطان بشخصية الخضر فظنوا أنه هو قال ابن الجوزي: "وربما ظهر الشَّيْطَان لشخصٍ فكلَّمه، وربما قَالَ بَعْض المتهمين لبعض: أنا الخضر، وأعجب الأشياء أَن يصدق القائل أنا الخضر وليس لنا فِيهِ علامة نعرفه بها، وَقَدْ جمعت كتابًا سمَّيته (عجالة المنتظر بشرح حال الخضر)، وذكرت فِيهِ هذه الأحاديث والحكايات ونظائرها وبيَّنت خطأها فلم أر الإطالة بِذَلِكَ هاهنا" (^٢).
وأما دعوى ابن عجيبة أنه التقى مع الخضر، وأنه حيٌّ فدعوى لا مستند لها من الصحة بل مصادمة للنصوص الواضحة في موت الخضر، ثم يقال لابن عجيبة ما الفائدة التي عادت عليك بهذا الوهم، هل اتبعت شرع النبي محمد - ﷺ - ولم تخرج عن أوامره ونهيه وحاربت البدع والترهات الصوفية؟؛ لأن الخضر لوكان حيًّا لما وسعه أن يخرج عن شريعة النبي - ﷺ - قال ابن تيمية - ﵀ -: "وكثير من الناس رأى من قال إني أنا الخضر وإنما كان جنيًّا، ثم صار من الناس من يكذب بهذه الحكايات إنكارًا لموت الخضر، والذين قد عرفوا صدقها يقطعون بحياة الخضر، وكلا الطائفتين مخطئٌ فإن الذين رأوا من قال إني أنا الخضر هم كثيرون صادقون والحكايات متواترات؛ لكن أخطئوا في ظنهم أنه الخضر وإنما كان جنيًّا" (^٣).
وقال أيضًا: "كلُّ من ادعى أنه رأى الخضر، أو رأى من رأى الخضر أو سمع
_________________
(١) البداية والنهاية ٢/ ٢٤٩.
(٢) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١/ ٨٨.
(٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٩٣.
[ ٢٠٠ ]
شخصًا رأى الخضر أو ظنَّ الرائي أنه الخضر، أن كل ذلك لا يجوز إلا على الجهلة المخرفين الذين لا حظ لهم من علم، ولا عقل، ولا دين بل هم من الذين لا يفقهون ولا يعقلون" (^١).
وما زعمه ابن عجيبة بأنَّ الخضر سلَّم عليه، فهذا خطأ، قال ابن كثير - ﵀ -: "وهم يذكرون الله - ﷿ - في حكاياتهم، وما يستندونه عن بعض مشايخهم أنَّ الخضر يأتي إليهم، ويسلِّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران - ﵇ - كليم الله - ﷿ - الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه، حتى يتعرَّف إليه بأنَّه موسى بني إسرائيل" (^٢).