قال ابن عجيبة: "الاسم عين المسمَّى في التحقيق" (^١)، وبهذا القول قد وافق قول الأشاعرة (^٢).
وقد نشأت هذه المقالة نتيجة الخلاف مع المعتزلة في عهد الإمام أحمد - ﵀ - في إبطال قولهم: إنَّ الاسم غير المسمَّى (^٣)، علمًا أنه كره الخوض في ذلك؛ لأنه عدَّه من المحدثات (^٤).
وفي هذا الصدد نبيِّن موقف العلماء في هذه المسألة.
قال ابن تيمية - ﵀ -: "القول في الاسم والمسمَّى من الحماقات المبتدعة التي لا يعرف فيها قولٌ لأحدٍ من الأئمة، وأنَّ حسب الإنسان أن ينتهي إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ﴾ (^٥)، وهذا هو القول بأنَّ الاسم للمسمَّى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السُّنَّة من أصحاب الإمام أحمد وغيره" (^٦).
القول الثاني: أنَّ الاسم هو المسمَّى، أي الاسم يراد به المسمَّى.
قال ابن تيمية: "والذين قالوا: الاسم هو المسمَّى أمثال: أبي بكر عبد العزيز (^٧)، وأبي القاسم الطبراني (^٨)، واللالَكائي (^٩)، وأبي محمد البغوي صاحب
_________________
(١) البحر المديد ٢/ ١٥٦.
(٢) ينظر: تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، للباقلاني، ص ٢٥٨، وأصول الدين، ص ١١٤.
(٣) ينظر: صريح السُّنَّة، للطبري، ص ٢٥ - ٢٦.
(٤) ينظر: ذيل طبقات الحنابلة ١/ ٢٩٩.
(٥) سورة الأعراف: ١٨٠.
(٦) قاعدة في الاسم والمسمَّى، ضمن مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧.
(٧) هو أبو بكر، عبد العزيز بن جعفر البغوي، معروف بغلام الخلال، وهو من تلاميذه، كان واسع الرواية وكثير العبادة، ويعرف بأنه من أئمة الحنابلة، توفي سنة ٣٦٣ هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١٠/ ٤٩٥، طبقات الحنابلة ٢/ ١١٩.
(٨) هو أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، ولد بعكَّا سنة ٢٦٠ هـ، جمع وصنَّف وعُمِّر دهرًا طويلًا، وازدحم عليه المحدِّثون، له مصنفات منها: المعجم الصغير، المعجم الكبير، كانت وفاته سنة ٣٦٠ هـ. ينظر: وفيان الأعيان ٢/ ٢٧٤، سير أعلام النبلاء ١٢/ ٢٠١.
(٩) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي الشافعي اللالكائي، روى عنه: أبو بكر الخطيب، وابنه محمد بن هبة الله، وكانت وفاته سنة ٤١٨ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ١٣٦.
[ ٢٥٨ ]
شرح السُّنَّة وغيرهم" (^١).
والقول الثاني وهو المشهور عن أبي الحسن (^٢): أنَّ الأسماء ثلاثة أقسام: تارة يكون الاسم هو المسمَّى كاسم الموجود، وتارة يكون غير المسمَّى كاسم الخالق، وتارة لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير.
وهؤلاء الذين قالوا: إنَّ الاسم هو المسمَّى لم يريدوا بذلك أنَّ اللَّفظ المؤلَّف من الحروف هو نفس الشخص المسمَّى به، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل؛ ولهذا يقال: لو كان الاسم هو المسمَّى لكان من قال: نار احترق لسانه، ومن الناس من يظنُّ أنَّ هذا مرادهم، ويشنِّع عليهم، وهذا غلطٌ عليهم؛ بل هؤلاء يقولون: اللَّفظ هو التسمية، والاسم ليس هو اللَّفظ؛ بل هو المراد باللَّفظ فإنَّك إذا قلتَ: يا زيد، يا عمرو، فليس مرادك دعاء اللَّفظ، بل مرادك دعاء المسمَّى باللَّفظ، وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمَّى.
وهذا لا ريب فيه إذا أخبر عن الأشياء فذُكِرَتْ أسماؤها، فقيل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (^٣)، [﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٤)]-[٠٣٣:] ٠٤٠ - ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (^٥)، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٦) فليس المراد أنَّ هذا اللَّفظ هو الرَّسُول، وهو الذي كلَّمه الله.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) أبو الحسن، علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري، من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وكان في بداية أمره على مذهب المعتزلة، ثم انتقل إلى مذهب الكُلَّابية، توفي سنة ٣٤٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٥/ ٨٥.
(٣) سورة الفتح: ٢٩.
(٤) سورة الأحزاب: ٤٠.
(٥) سورة الأحزاب: ٤٠.
(٦) سورة النساء: ١٦٤.
[ ٢٥٩ ]
وكذلك إذا قيل: جاء زيدٌ وأشهد على عمرو، وفلانٌ عدلٌ ونحو ذلك، فإنِّما تذكر الأسماء والمراد بها المسمَّيات، وهذا هو مقصود الكلام، فلما كانت أسماء الأشياء إذا ذُكرت في الكلام المؤلَّف فإنَّما المقصود هو المسمَّيات، قال هؤلاء: الاسم هو المسمَّى وجعلوا اللفظ هو الاسم عند الناس هو التسمية، كما قال البغوي: والاسم هو المسمَّى وعينه وذاته" (^١).
"أمَّا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (^٢)، فأخبر أنَّ اسمه يحيى، ثم نادى الاسم فقال: ﴿يَايَحْيَى﴾ (^٣) فهذا اسمه، ليس اسم ذاته فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمَّى؛ لم يقصد نداء اللفظ" (^٤) وقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ (^٥).
وأراد الأشخاص المعبودة؛ لأنهم كانوا يعبدون المسمَّيات، وقال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ (^٧).
قال أبو الحسن: ثم يقال للتسمية أيضًا اسم، واستعماله في التسمية أكثر من المسمَّى.
وقال أبو بكر بن فورك (^٨): اختلفت النَّاس في حقيقة الاسم، ولأهل اللُّغة في ذلك كلام، ولأهل الحقائق فيه بيان، وبين المتكلِّمين فيه خلاف.
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٨ - ١٨٩.
(٢) سورة مريم: ٧.
(٣) سورة مريم: ١٢.
(٤) مجموع الفتاوى ٦/ ١٩٢.
(٥) سورة يوسف: ٤٠.
(٦) سورة الأعلى: ١.
(٧) سورة الرحمن: ٧٨.
(٨) محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري، الأصبهاني، من كبار الأشاعرة المتكلمين، ومن فقهاء الشافعية، سمع بالبصرة وبغداد، وحدَّث بنيسابور، من مصنفاته: مشكل الحديث، الحدود في الأصول، توفي سنة ٤٠٦ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢١٤، طبقات فقهاء الشافعية ١/ ١٣٦، الوافي بالوفيات ١/ ٢٨٩.
[ ٢٦٠ ]
فأمَّا أهل اللُّغة فيقولون: الاسم حروفٌ منظومة دالَّةٌ على معنى مفرد، ومنهم من يقول: إنَّه قول يدلُّ على مذكور يضاف إليه؛ يعني: الحديث والخبر.
قال: وأما أهل الحقائق فقد اختلفوا أيضًا في معنى ذلك، فمنهم من يقول: اسم الشيء هو ذاته وعينه (أي هو المسمَّى)، والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه، فيسمى اسمًا توسُّعًا.
وقالت الجهمية والمعتزلة: الأسماء والصفات: هي الأقوال الدالَّة على المسمَّيات، وهو قريبٌ مما قاله بعض أهل اللُّغة.
والثالث: لا هو، ولا هو غيره، كالعلم والعالم، ومنهم من قال: اسم الشيء هو صفته ووصفه.
قال: والذي هو الحق عندنا: قول من قال: اسم الشيء هو عينه وذاته، واسم الله هو الله، وتقدير قول القائل: بسم الله أفعل، أي: بالله أفعل، وأنه اسمه هو.
قال: وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام (^١)، واستدلَّ بقول لَبِيد (^٢):
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر (^٣)
والمعنى: ثم السلام عليكما، فإنَّ اسم السلام هو السلام.
_________________
(١) أبو عبيد، القاسم بن سلام الهروي الأزدي البغدادي، من علماء الحديث، ولد سنة ١٥٧ هـ، تولى القضاء بطرسوس ثمانية عشرة سنة، له مصنفات منها: الإيمان ومعالمه وسننه واستكماله ودرجاته، الغريب المصنَّف في غريب الحديث، كانت وفاته سنة ٢٢٤ هـ. ينظر: تذكرة الحفَّاظ ٢/ ٤١٧.
(٢) لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، قدم على النبي - ﷺ - مع وفد قومه، فأسلم وحَسُن إسلامه، توفي سنة ٤١ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء ١/ ١٣٥، المؤتلف والمختلف، ص ١٤٥.
(٣) ديوان لبيد، ص ٧٩.
[ ٢٦١ ]
قال: واحتج أصحابنا في ذلك بقوله ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (^١)، وهذا هو صفة للمسمَّى لا صفة لما هو قول وكلام، وبقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (^٢)، فإنَّ المسبَّح هو المسمَّى وهو الله، وبقوله سبحانه: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (^٣)، ثم قال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (^٤)، فنادى الاسم وهو المسمَّى" (^٥).
قلنا: الفقهاء أجمعوا على أنَّ الحالف باسم الله كالحالف بالله، في بيان أنه تنعقد اليمين بكلِّ واحدٍ منهما؛ فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه، فلما انعقد، ولزم بالحنْث فيها كفَّارة دلَّ على أنَّ اسمه هو، ويدلُّ عليه أنَّ القائل إذا قال: ما اسم معبودكم؟ قلنا: الله، فإذا قال: ما معبودكم؟ قلنا: الله، فنجيب في الاسم بما نجيب به في المعبود، فدلَّ على أنَّ اسم المعبود هو المعبود لا غير، وبقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^٦)، وإنما عبدوا المسمَّيات لا الأقوال التي هي أعراض لا تعبد.
قال: فإن قيل: أليس يقال: الله إلهٌ واحدٌ وله أسماء كثيرة، فكيف يكون الواحد كثيرًا؟ قيل: إذا أطلق أسماء، فالمراد به مسميات المسمَّين، والشيء قد يُسمَّى باسم دلالته كما يُسمَّى المقدور قدرة.
_________________
(١) سورة الرحمن: ٧٨.
(٢) سورة الأعلى: ١.
(٣) سورة مريم: ٧.
(٤) سورة مريم: ١٢.
(٥) مجموع الفتاوى ٦/ ١٨٧ - ١٩٠.
(٦) سورة يوسف: ٤٠.
[ ٢٦٢ ]
قال: فعلى هذا يكون معنى قوله: باسم الله، أي بالله، والباء معناها الاستعانة وإظهار الحاجة، وتقديره: بك أستعين وإليك أحتاج، وقيل: تقدير الكلمة: أبتدئ أو أبدأ باسمك فيما أقول وأفعل.
قلتُ: لو اقتصروا على أنَّ أسماء الشيء إذا ذُكرت في الكلام فالمراد بها المسمَّيات كما ذكروه في قوله: ﴿يَايَحْيَى﴾ (^١)، ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحًا لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السُّنَّة وغيرهم؛ لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل دعواهم أنَّ لفظ اسم الذي هو ا س م معناه: ذات الشيء ونفسه، وأنَّ الأسماء التي هي الأسماء مثل: زيد وعمرو هي التسميات، ليست هي أسماء المسمَّيات، وكلاهما باطلٌ مخالفٌ لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه.
فإنهم يقولون: إنَّ زيدًا وعمرًا ونحو ذلك هي أسماء الناس، والتسمية جعل الشيء اسمًا لغيره، وهي مصدر سمَّيته تسميةً إذا جعلت له اسمًا، والاسم هو القول الدال على المسمَّى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمَّى، بل يراد به المسمَّى، لأنه حكم عليه" (^٢)، قال الشافعي - ﵀ -: "من حلف باسم من أسماء الله تعالى فعليه الكفَّارة؛ لأنَّ اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة، أو بالصفا والمروة فليس عليه الكفَّارة؛ لأنَّه مخلوق، وذاك غير مخلوق" (^٣).
والرأي الأصحُّ والأسلم الذي ذكره شارح الطحاوية بقوله: "وطالما غلط كثيرٌ
_________________
(١) سورة مريم: ١٢.
(٢) مجموع الفتاوى، لابن تيمية ٦/ ١٩٠ - ١٩١ - ١٩٢، ١٢/ ١٦٩.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في آداب الشافعي، ص ١٩٣، قال: حدَّثني الربيع بن سليمان المرادي، وأخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١١٣، والبيهقي في الأسماء والصفات، ص ٢٢٥ - ٢٥٦.
[ ٢٦٣ ]
من الناس في ذلك، وجهلوا الصواب فيه، فالاسم يراد به المسمَّى تارة، ويراد به اللَّفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك -فهذا المراد به المسمَّى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، والرحمن من أسماء الله ونحو ذلك- فالاسم هاهنا هو المراد لا المسمَّى، ولا يقال غيره؛ لما في لفظ الغير من الإجمال: فإن أريد بالمغايرة أنَّ اللَّفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أنَّ الله سبحانه كان ولا اسم له حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سمَّاه خلقه بأسماء من صنعهم- فهذا من أعظم الضلال والإلحاد في أسماء الله تعالى" (^١).
وهذا القول هو الموافق لصريح الكتاب والسُّنَّة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٢)، وقال النبي - ﷺ -: «إنَّ لله تسعةً وتسعين اسمًا مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» (^٣).