ولذا كان من أعظم الذنوب التي لايغفرها الله جل وعلا، قال تعالى:" إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ " (النساء ٤٨)، وإنما كان الشرك أعظم الذنوب لأمور:
١/لأنه أقبح القبح، وأظلم الظلم، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به، كما قال تعالى:" ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ" (الأنعام ١).
٢/ ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن طاعته، والذل له، والإنقياد لأوامره الذي لاصلاح للعالم إلا بذلك.
_________________
(١) - البهوتي: كشاف القناع: ١/ ١٢٢، البعلي: المطلع على ألفاظ المقنع: ١/ ٣٨، الحطاب: مواهب الجليل: ١/ ٢٩٠
[ ٢٢٥ ]
٣/ولأن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء، والخوف والرجاء، والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لايملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلا عن غيره شبيها بمن له الخلق (^١).
ولذا أمر الله جل وعز بتوحيده، ونهى عن الشرك، وبين خطورته وشدة جرمه، قال تعالى: " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ" (الزمر ٢)، والإخلاص هو التوحيد (^٢)، ثم قال:" أَلَا
لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ" (الزمر ٣)،"أي الدين الذي ليس فيه شرك هو لله، أي: واقع برضاه، وأما الدين الذي فيه شرك فليس لله، وإنما ذكر هذا؛ لأنه قد يوجد دين، ولا توحيد ولا إخلاص منه، ويقال: "أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ "، يعني هو ينبغي أن يوحد، ولا يشرك به سواه، وهذا لاينبغي لغيره " (^٣).
وفي السابق كذا أمر الله نبيه إبراهيم وابنه اسماعيل ﵉ بتطهير بيته فقال:" أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ" (البقرة ١٢٥)، يقول السمعاني: " يعني من الشرك والأوثان " (^٤)، وجعل الله جل وعلا النجاة لمن اتقى الشرك، قال تعالى:" وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ" (فصلت ١٨)، يقول السمعاني: "أي يتقون الشرك " (^٥).
وخص الآخرة بمن اتقاه، قال تعالى:"وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ" (الزخرف ٣٥)،يقول السمعاني: "أي للمتقين من الشرك والمعاصي " (^٦)، وقال تعالى:" مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ " (محمد ١٥)، يقول السمعاني: "ومعناه: وعد المتقون من الشرك " (^٧).
_________________
(١) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد:٨٨.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٧.
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٥٧.
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ١٣٨.
(٥) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٤٥.
(٦) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٠٢.
(٧) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٧٣.
[ ٢٢٦ ]
ولذا أمر الله جل وعلا بتوحيده، والاستغفار من الشرك، قال سبحانه:" قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ" (فصلت ٦)، يقول السمعاني: " " فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ " أي: توجهوا إليه بالطاعة والعبادة، وقوله "وَاسْتَغْفِرُوهُ " أي من الشرك الذي أنتم عليه (^١).
ومن المواطن التي أمر الله جل وعلا باتقاء الشرك قوله تعالى:" بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ" (البقرة ٧٦)، يقول السمعاني:" " مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى"
قال ابن عباس: واتقى الشرك،" فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ"الموحدين " (^٢).
وأخبر جل وعلا أنه إنما أنزل القرآن الكريم؛ ليوحد وليتقى الشرك، قال سبحانه:"وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا" (طه ١١٣)، يقول السمعاني:" " لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"أي يتقون الشرك والمعاصي " (^٣).
وكانت هي لب دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى:" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ " (النحل ٣٦)،يقول السمعاني: " أي وحدوا الله واجتنبوا الأصنام" (^٤)، وجاء على ألسنة الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم:"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ" (الشعراء ١٠٨)، يقول السمعاني:" أي: اتقوا الله بترك الشرك، وأطيعون فيما أمركم به " (^٥).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٣٧.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٣٣.
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٥٧.
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ١٧٢.
(٥) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٥٧.
[ ٢٢٧ ]