ذكر علماء اللغة أن لفظ الرب يطلق على أمور: (المالك، والخالق، والصاحب، والسيد، والمدبر، والمربي، والمتمِّم، والقيِّم، والمنعم) (^١)
_________________
(١) «الأزهري: محمد بن أحمد: تهذيب اللغة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١،٢٠٠١ م (١٥/ ١٢٨) ابن فارس: أحمد بن فارس: معجم مقاييس اللغة: دار الفكر،١٣٩٩ هـ (٢/ ٣٨٢)، ابن منظور: محمد بن مكرم: لسان العرب: دار صادر-بيروت، ط ٣،١٤١٤ هـ (١/ ١٣٩٩ هـ)
[ ٦٩ ]
يقول ابن الأنباري (^١): الرب (في اللغة) ينقسم على ثلاثة أقسام: يكون الرب: المالك، ويكون الرب: السيد المطاع، ويكون الرب: المصلح (^٢).
وقد أشار الإمام السمعاني في تفسيره إلى معاني الربوبية وما ذكره موافق لما ذهب إليه أئمة اللغة، واهتمام السمعاني بالمعاني اللغوية مهم من جهتين: الأولى: من جهة تفسير المفردة القرآنية باللغة التي نزلت بها، وثانيا: لما بين المعنى اللغوي والاصطلاحي من تمازج وتقارب، ينتج عنه المعنى الصحيح. لكن يُراعى أن الألفاظ التي لها حقائق شرعية، يُرجع في بيان معانيها إلى الشرع، وتكون هي المقدمة على غيرها من الحقائق.
وذكر السمعاني في تفسير الرب مايلي:
١ - أن الرب يأتي على معنيين:
أولا: بمعنى التربية والإصلاح، والثاني: بمعنى المالك،
فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة ٢): " وأما الرب يكون بمعنى التربية والاصلاح، ويكون بمعنى المالك، يُقال: رب الضيعة يُربيها، أي: أتمها وأصلحها، ويُقال: رب الدار لمالك الدار.
فالرب هاهنا يحمل كلا المعنيين؛ لأن الله تعالى مربي العالمين، ومالك العالمين (^٣).
٢ - وذكر أن الرباني مأخوذ من الرب؛ لأنهم على دين الرب وطريقته (^٤).
فقال: "والرباني من طريق المعنى: هو أن يكون على دين الرب، وعلى طريقة الرب " (^٥)
وقال: " وقيل: هو منسوب إلى الرب، كالبحراني منسوب إلى البحرين، والنجراني منسوب إلى نجران" (^٦)
_________________
(١) «أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي، كان من أعلم الناس وأفضلهم في نحو الكوفيين، وأكثرهم حفظا للغة، كان زاهدا متواضعا، أخذ عن أبي العباس ثعلب، كان صدوقا ثقة، من أهل السنة، حسن الطريقة، ألف كثيرًا من الكتب في علوم القرآن والحديث واللغة والنحو: الوقف والابتداء والزاهر، والكافي في النحو. الأنباري: عبدالرحمن بن محمد: نزهة الألباء في طبقات الأدباء: مكتبة المنار، الأردن، ط ٣،١٤٠٥ هـ (١٩٧)
(٢) «الأزهري: تهذيب اللغة:١٥/ ١٢٨
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٦.
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٦٤
(٥) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٣٣٥
(٦) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٠
[ ٧٠ ]
٣ - وذكر في تفسيره أن البعل يأتي بمعنى الرب، فقال في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ (الصافات ١٢٥)، وعن ابن عباس أنه قال:" (أتدعون بعلا) أي ربًا، والبعل هو الرب، ومعناه: أتدعون هذا الصنم ربًا" (^١).
٤ - وذكر السمعاني عند قوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ (المائدة ٢٤) أن العرب تسمي الكبير ربا، وفسر به الآية بأحد أقوالها فقال:" وفيه قول آخر أن معنى قوله:" فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ " أي: وكبيرك، وأراد أخاه الأكبر هارون، والعرب تسمي الكبير ربا، قال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ (يوسف ٢٣) أي كبيري وأراد به عزيز مصر". (^٢)
وهذا الكلام الصادر عن بني إسرائيل هل هو كفر أو فسق؟ حكى السمعاني في تفسيره قولين، وخرَّج لمن قال بالفسق ببعض المخارج، ولذا قال الرازي (^٣) في تفسيره: ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾.
في حين ذهب الإمام الطبري (^٤) إلى أن هذه المخارج إنما تُطلب " لو كان الخبر عن قوم مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوه في الله - ﷿ - وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم" (^٥).
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤١١
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٧
(٣) «الفخر الرازي محمد بن عمر بن الحسن (٥٤٤ هـ-ت ٦٠٦ هـ)، الإمام المفسر، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل. وهو قرشي النسب، ومولده في الري وإليها نسبته، وكان يحسن الفارسية، من تصانيفه: مفاتيح الغيب، ومعالم أصول الدين، الزركلي: الأعلام:٦/ ٣١٣
(٤) «الطبري: محمد بن جرير بن يزيد (٢٢٤ هـ- ت ٣١٠ هـ)، المؤرخ، المفسر، الإمام، ولد في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها، من مصنفاته: جامع البيان، وتاريخه، الزركلي: الأعلام:٦/ ٦٩
(٥) «الطبري: جامع البيان:١٠/ ٨٥
[ ٧١ ]
والخلاصة: إن هذه الإطلاقات في اللغة للفظ الرب: بمعنى: المالك، والسَّيد، والمربي، والمتصرف، كلها معانٍ صحيحة في حق الله جل وعلا، فهو المالك لكل شيء وهو ربه وإلهه، والمتصرف فيه بالسيادة التامة الكاملة الشاملة، وهو جل ثناؤه مصلح أحوال خلقه.
يقول الإمام الماوردي (^١) في تفسيره، بعد أن ذكر خلاف العلماء في اشتقاق لفظ الرب إلى أربعة أقوال: (من المالك، ومن السيد، ومن المدبر، ومن التربية)
فقال:" إن صفة الله تعالى بأنه رب؛ لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته، وإن قيل: إنه مدبر لخلقه ومربيهم، فذلك صفة من صفات فعله. ومتى أدخلت عليه الألف واللام، اختص الله تعالى به، دون عباده، وإن حذفتا منه، صار مشتركا بين الله وبين عباده (^٢)
ولما ذكر الإمام الطبري الأوجه الثلاثة في اشتقاق الرب: (السيد المطاع-الرجل المصلح-والمالك للشيء) قال: " وقد يتصرف أيضًا معنى الرب في وجوه غير ذلك، غير أنها تعود إلى بعض هذه الوجوه الثلاثة " (^٣).