عَرَّف الإمام السمعاني، الأسماء الحسنى بأنها:" هي ما وردت في الخبر، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا - مائة غير واحد - من أحصاها دخل الجنة " (^١)، وقوله: " الحسنى ": يرجع إلى التسميات " (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، باب لله مائة اسم غير واحد، ح (٦٤١٠)
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥
[ ٣٠٨ ]
وقال في تفسير قوله تعالى: " اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " (طه ٨): " الحسنى للأسماء هو جمع، والحسنى صفة الواحد، وذلك لأن هذه تتناول الأسماء كلها؛ لأنها جمع، كما تتناول الواحدة من المؤنثات، يُقال: هذه أسماء، فلذلك صح أن يُقال: حسنى، ولم يقل: حسان، وهكذا قوله تعالى: " مَآرِبُ أُخْرَى "، ولم يقل آخر " (^١).
وفي تفسير قوله تعالى: " هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " (الحشر ٢٤)، يقول السمعاني:"الحسنى: هو تأنيث الأحسن، وهي ها هنا بمعنى العليا" (^٢).
وقال في الصفات: " وقوله: " وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (النحل ٦٠)، أي: الصفة العليا، وذلك مثل قولهم: عالم، وقادر، ورازق، وحي، وغير هذا " (^٣).
وقال: " وقوله: " وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى " (الروم ٢٧)، أي: الصفة الأعلى، والصفة الأعلى: أنه لا شريك له وليس كمثله شيء، قاله ابن عباس " (^٤).
وأشار السمعاني في مقام آخر، إلى أن الواجب في الصفة، هو إثباتها كما أثبتها الله تعالى لنفسه، من غير تكييف، فقال: قوله تعالى: " يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ " (النحل ٥٠)، كما وصف به نفسه، من غير تكييف " (^٥).
وهنا يُلاحظ أن السمعاني ذكر قيودًا مهمة في التعريف، وهي:
١ - ورودها في الأخبار والنصوص، وعليه فهي توقيفية نصية (^٦)،كما قال هو في موطن آخر: " واعلم أن أسماء الله تعالى على التوقيف " (^٧).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٣٢٢
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٤١١
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٨١
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٠٧
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٧
(٦) قال ابن عطية:" ومن أسماء الله ما ورد في القرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه " المحرر الوجيز: ٢/ ٤٨١
(٧) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٥
[ ٣٠٩ ]
وهذا هو مذهب السلف، يقول الإمام ابن تيمية: " ثم القول الشامل في جميع هذا الباب، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد ﵁: " لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث ". ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل " (^١).
٢ - ألَّا يتعرض لهذه النصوص، بتأويل فاسد، أو تكييف، أو تمثيل، أو غيره من أوجه الإلحاد في الأسماء الحسنى، قال تعالى: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " (الأعراف ١٨٠)، يقول السمعاني: "الإلحاد: هو الميل عن الحق، وإدخال ما ليس في الدين، قيل: والإلحاد في الأسماء هاهنا: " كانوا يقولون في مقابلة اسم الله: اللات، وفي مقابلة العزيز: العُزى، ومناة في مقابلة المنان، وقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة، وهذا أعظم الإلحاد في الأسماء " (^٢)
وقد بيَّن السمعاني في تفسير قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " (الشورى ١١)، أن الله جل وعلا لا يوصف بالمثل، جل وتعالى عن ذلك. (^٣) وقال في تفسير قوله تعالى: " وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ " (الصمد ٣): " لم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء " (^٤)
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٥/ ٢٦
(٢) السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٣٦، واختلف أهل التأويل في قوله: (يُلْحِدُونَ) فقيل: يكذبون، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: يشركون، وهو مروي عن قتادة. انظر الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٨٣
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٦٦
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٣٠٣
[ ٣١٠ ]
فالله جل وعز تنزه عن كل هذه النقائص، والمماثلات، والتشبيهات، ولذا فإن هذا الباب قائم على أساس التنزيه، يقول السمعاني: " قوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ": أي عظم ربك الأعلى، وقيل: نزه، وتنزيه الله - عز اسمه - ألا يوصف بوصف لا يليق به " (^١)
٣ - أن أسماء الله تعالى حسنى، أي بالغة في الحسن والجمال غايته، وكل أسمائه حسن " (^٢)، وهي التي تقتضي أفضل الأوصاف (^٣). يقول السمعاني: الحسنى هاهنا بمعنى العليا، وقال ابن عطية: " " لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ": أي: ذات الحُسن في معانيها، القائمة بذاته، لا إله إلا هو " (^٤). وقال القرطبي: " سمَّى الله سبحانه أسمائه بالحسنى؛ لأنها حسنة في الأسماع والقلوب، فإنها تدل على توحيده وكرمه، وجوده، ورحمته، وإفضاله " (^٥). وقال: " وحُسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع بالإطلاق والنص عليها. وانضاف إلى ذلك أنها تقتضي معانٍ حسانٍ شريفة، وهي بتوقيف، لا يصح وضع اسم لله بنظر إلا بتوقيف من القرآن، أو الحديث، أو الإجماع " (^٦)
وقال الرازي: " والاستدلال بالآية على أن كون الأسماء حسنة، لا معنى له، إلا كونها دالة على الصفات الحسنة الرفيعة الجليلة، فإذا لم يدل الاسم على هذا المعنى، لم يكن الاسم حسنًا " (^٧).
وقال الماوردي: " وفي المراد بالحسنى هنا وجهان: أحدهما ما مالت إليه القلوب، من ذكره بالعفو، والرحمة، دون السخط والنقمة، والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله، ومنها صفات هي طريقة المعرفة به " (^٨).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٦
(٢) الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٨١
(٣) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٣/ ٤٩٢
(٤) ابن عطية: المحرر الوجيز: ٣/ ٥/٢٩٢
(٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ٧/ ٣٢٦
(٦) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٠/ ٣٤٣
(٧) الرازي: مفاتيح الغيب: ١/ ١١٣
(٨) الماوردي: النكت والعيون: ٢/ ٢٨٢
[ ٣١١ ]
إذن: فتعريف هذا النوع من التوحيد، كان ممارسة عملية لأئمة السلف، " ولهذا كان مذهب السلف الأمة وأئمتها، أنهم يصفون الله ﷾، بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يُثبتون له الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثبات بلا تمثيل، وننزيه بلا تعطيل " (^١).
فهذا الباب يقوم على الإيمان الكامل، والتصديق الجازم، بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، "وهذه الاحترازات تمحض سبيل أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة وأئمتها، وتخلصها من الضلالة، والبدعة في هذه الباب " (^٢).
يقول الإمام ابن تيمية: " ومتى جُنِّب المؤمن طريق التحريف، والتعطيل، وطريق التمثيل، سلك سواء السبيل، فإنه قد عُلِم بالكتاب، والسنة، والإجماع، ما يعلم بالعقل أيضًا، أن الله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ "، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال، منزه عن جميع النقائص" (^٣).
وقد عَرَّف الإمام ابن تيمية هذا النوع بتعريف جامع مانع، موافق لما في الكتاب، فقال: "هي التي يُدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها " (^٤). فهذا هو ضابط الأسماء، أما ضابط الصفات: " فهي ما قام بالذات الإلهية، مما يميزها عن غيرها، ووردت به نصوص الكتاب والسنة " (^٥).
_________________
(١) ابن تيمية: الصفدية: مكتبة ابن تيمية، مصر، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، (١/ ١٠٣).
(٢) المصلح: شرح العقيدة الواسطية من كلام شيخ الإسلام، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١، ١٤٢١ هـ، (١٨).
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٣٩٩
(٤) ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية: دار الكتب الإسلامية، (٥).
(٥) محمد التميمي: الصفات الإلهية: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٢ هـ (١٢)
[ ٣١٢ ]
وفي هذا يقول الزجاج: " صفات الله تعالى، هي مصادر أسمائه الحسنى، وصفات الله تعالى، كلها ثناء عليه، ومدح له، مدح بها نفسه، ونبه العباد إليها، وتعبدهم بوصفه بها " (^١).