أشار السمعاني إلى خلاف في لفظ (الله) هل هو مشتق أم لا؟
وذكر في ذلك قولين:
الأول: أنه اسم علم خاص لله تعالى، لا اشتقاق له، وهو كأسماء الأعلام للعباد، مثل: زيد، وعمرو، ونحوه. وهو اختيار القفال الشاشي، وجماعة من أهل العلم
والثاني: أنه اسم مشتق.
ثم ذكر الخلاف في وجه الاشتقاق، فقال: " وفي موضع الاشتقاق قولان:
أحدهما: أنه مشتق من قولهم: أله إلاهة، أي: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: " ويذرك وإلاهتك " أي: عبادتك. ويُقال للناسك المتعبد متأله، ومنه قول القائل: (سبحن واسترجعن من تألهي) أي: تعبدي، فيكون معناه: أنه المستحق للعبادة، إليه توجه كل العبادات، وأنه المعبود فلا يعبد غيره.
وقيل: الإله من يكون خالقًا للخلق، رازقًا لهم، مدبرًا لأمورهم، مقتدرًا عليهم.
والثاني: أن الله، أصله إله، وأصل الإله: ولاه، إلا أن الواو أبدلت بالهمزة، كقولهم: وشاح وإشاح، واشتقاقه من الوله، وكأن العباد يولهون الله، ويفزعون إليه، ويتضرعون، ويلجؤون إليه في الشدائد " (^١).
وهذه المسألة بناء ما ذكر الإمام السمعاني، هي موطن نزاع عند العلماء، ولكن يُشار هنا إلى بعض الأمور:
١ - أن النقل عن العلماء في هذه المسألة مختلف فيه، فبعضهم يقول: إن المنقول عن الأكثرين هو القول الأول، وهو أنه غير مشتق (^٢)، وبعضهم يعكس، فيقول: إن الأكثرين على القول الثاني، وهو أنه مشتق (^٣). وبعد أن نقل الزركشي (^٤) ان الأكثرين على أنه اسم علم جامد، قال بعد ذلك: " وعلى هذا لا يمتنع أن يكون الله مشتقًا من الألوهية، وهو المذهب الذي عليه الأكثر " (^٥).
٢ - أن لكل قول احتجاجاته وأدلته في ترجيح ما يذهب إليه، إلا أن القول الراجح في هذه المسألة، أن اسم الله تعالى، مشتق، ولا يلزم على القول بالاشتقاق ما ذهب إليه أصحاب القول الأول؛ لأنهم قالوا:
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٢
(٢) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله، دار الاعتصام، القاهرة، ط ٣، ١٤٠٥ هـ (١٠٦)
(٣) «ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤١٧ هـ (١/ ٨٧)
(٤) «الزركشي: محمد بن بهادر، (٧٤٥ هـ - ٧٩٤ هـ)، عالم بفقه الشافعية والأصول، تركي الأصل، مصري المولد والوفاة، له تصانيف كثيرة منها: البحر المحيط في الأصول، والمنثور في الأصول. الزركلي: الأعلام: ٦/ ٦١
(٥) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله: ١١٠
[ ١٤٤ ]
١ - ولو كان مشتقًا لكان له سمي، ﷾، والله يقول: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، والمشركون سموا أصنامهم آلهة.
ولكن يُقال: هذا ليس بلازم؛ لأن الذي سمى به المشركون أصنامهم، هو ما حكاه الله تعالى بقوله: " قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ " (الأعراف ١٣٨)، وقال: " فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) " (طه ٨٨). وأما اسم الله، فلام التعريف اللازمة عوض عن الهمزة، فلم يُسمَّ به غير الله.
وقوله تعالى: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) " (مريم ٦٥)، أي هل تعلم شيئًا يُسمى الله غيره، أو هل تعلم له نظيرًا في الخلق، ووجوب الإلهية (^١). ولذا قال ابن كثير: " في الاستدلال بهذه الآية على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر " (^٢).
٢ - وقالوا: إن الاشتقاق يستلزم مادة يُشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له، فيستحيل الاشتقاق.
وهنا يُقال: " ولاريب أنه إن أُريد بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر، فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق، لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألَمَّ بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى، وهي الإلهية، كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها، بلا ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء، فهو جواب القائلين باشتقاق اسم الله " (^٣).
_________________
(١) «الزركشي: معنى لا إله إلا الله: ١٠٦
(٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٤
(٣) «ابن القيم: بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، (١/ ٢٢)
[ ١٤٥ ]
وقد رد الإمام الطبري على من ذهب إلى عدم الاشتقاق، فقال: " فإن قال لنا قائل: فهل لذلك في " فعل ويفعل " أصل كان منه بناء هذا الاسم؟ قيل: أما سماعًا من العرب فلا، ولكن استدلالًا. فإن قال: وما دَلَّ على أن الألوهية هي العبادة، وأن الإله هو المعبود، وأن له أصلًا في " فعل ويفعل "؟ قيل: لا تمانع بين العرب في الحكم، لقول القائل يصف رجلًا بعبادة، وبطلب مما عند الله جل ذكره " تأله فلان "، بالصحة ولا خلاف. ومن ذلك قول رؤبة بن الحجاج:
لله در الغانيات المُدَّهِ سبَّحن واسترجعن من تألهي
يعني: من تعبدي، وطلبي الله بعملي. ولا شك في أن التأله: التفعل من: أله يأله، وأن معنى أله: إذا نطق به: عَبَدَ الله - وقد جاء منه مصدر، يدل على أن العرب قد نطقت منه بفعل يفعل، بغير زيادة ". (^١)
٣ - أن أدلة القائلين بالاشتقاق مؤيدة بالنصوص، منها:
أ - قوله تعالى: " وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ " (الأنعام ٣)، أي: المعبود في السموات والارض، كما قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ " الزخرف ٨٤، (^٢) يقول السمعاني: " قال ابن الانباري: معناه: هو الله المعبود في السماوات وفي الارض " (^٣).
وقال في معنى الآية الأخرى: " وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ " (الزخرف ٨٤): " أي: معبود في السماء والأرض " (^٤).
ب - ما ورد عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ " ويذرك وإلاهتك " فقال: عبادتك (^٥)، ففسرها بالعبادة، ولذا فسَّر ابن عباس معنى لفظ الجلالة (الله): ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمين (^٦).
_________________
(١) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣، وقد أطال السمين الحلبي في تفسيره إيراد الاشتقاقات والردود عليها: الدر المصون: ١/ ٢٤
(٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٣
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٨٧
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١٩
(٥) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣
(٦) «الطبري: جامع البيان: ١/ ١٢٣
[ ١٤٦ ]
وكذا ورد عن مجاهد في تفسيره، قال: " وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ": ويذرك وعبادتك " (^١)
وذكر السمعاني قراءة عن ابن عباس، ثم قال:" والمعروف:" وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ "،
قال سليمان التيمي: وكان فرعون يعبد البقر " (^٢).
لكن لا مانع إن صحت القراءة عن ابن عباس، أن تكون تفسيرًا للآية، مؤيدة للقول بالاشتقاق.
- مع أنه نقل عن بعض العلماء أنه قال: " الصحيح عندي: أنه كان مشتقًا، ثم صار علمًا، وهذا جمع بين القولين ". (^٣)
٤ - أن اشتقاق لفظ الجلالة (الله): من أله يأله إلاهة، بمعنى: عبد عبادة، فيكون هو المستحق للعبادة دون غيره، هو أقرب الأوجه في الاشتقاق.
ومن أوجه الاشتقاق التي ذُكرت (^٤):
أ - من وَلَه إذا تحيَّر، فالله تعالى تتحير أولو الألباب والفكر في حقائق صفاته.
ب - من ألهت إلى فلان، أي سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره تعالى، ولا تفرح إلا بمعرفته.
ج - من لاه يلوه، إذا احتجب.
د - من أله الفصيل، إذا ولع بأمه، والمعنى: أن العباد مألوهون مولوعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.
هـ - من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به فألهه، أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار، هو الله ﷾.
٥ - ذكر الماوردي خلافًا بين العلماء: هل اشتق اسم الإله من فعل العبادة، أو من استحقاقها، على قولين: (^٥)
أحدهما: أنه مشتق من فعل العبادة، فعلى هذا، لا يكون ذلك صفة لازمة قديمة لذاته، لحدوث عبادته بعد خلقه، ومن قال بهذا، منع من أن يكون الله تعالى إلهًا لم يزل؛ لأنه قد كان قبل خلقه غير معبود.
_________________
(١) «مجاهد: تفسير مجاهد: (٣٤١)
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٢٠٦
(٣) «ابن الملقن: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام: ١/ ٨٧
(٤) «الثعلبي: الكشف والبيان: ١/ ٩٦، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١/ ١٠٢، ابن الملقن: الإعلام: ١/ ٨٨، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ١/ ١٢٣
(٥) «الماوردي: النكت والعيون: ١/ ٥١
[ ١٤٧ ]
والقول الثاني: أنه مشتق من استحقاق العبادة، فعلى هذا يكون صفة لازمة لذاته؛ لأنه لم يزل مستحقًا للعبادة، فلم يزل إلهًا، وهذا أصح القولين؛ لأنه لو كان مشتقًا من فعل العبادة لا من استحقاقها، للزم تسمية عيسى ﵇ إلهًا، لعبادة النصارى له، وتسمية الأصنام آلهة، لعبادة أهلها لها، وفي بطلان هذا، دليل على اشتقاقه عن استحقاق العبادة،
لا من فعلها. فصار قولنا (إله) على هذا القول، صفة من صفات الذات، وعلى القول الأول من صفات الفعل. (^١)
٦ - نبه الإمام ابن القيم إلى أن النزاع في الإله، هو نزاع في الاشتقاق لا في المعنى، فقال: "فإن جميع أهل الأرض، علماءهم، وجهلاءهم، ومن يعرف الاشتقاق ومن لا يعرفه، وعربهم وعجمهم، يعلمون أن (الله) اسم لرب العالمين، خالق السموات والأرض، الذي يحيي ويميت، وهو رب كل شيء ومليكه، فهم لا يختلفون في أن هذا الاسم يراد به هذا المسمى، وهو أظهر عندهم، وأعرف، وأشهر من كل اسم وُضع كل مسمى، وإن كان الناس متنازعين في اشتقاقه، فليس ذلك بنزاع منهم في معناه " (^٢).
_________________
(١) «وانظر: العز بن عبدالسلام: تفسير القرآن: دار ابن حزم، بيروت، ط ١، ١٤١٦ هـ، (١/ ٨٨)
(٢) «الموصلي: محمد بن محمد: مختصر الصواعق المرسلة: دار الحديث، القاهرة، ط ١،١٤٢٢ هـ (١٠٢)
[ ١٤٨ ]