بيَّن القرآن الكريم، أن كل ما في هذا الكون خاضع لله تعالى، يسجد له، ويسبح بحمده. فمن مَيَّزه الله ﷿، وفضله على بقية المخلوقات، وشَرَّفه بالعقل، والفهم، والإدراك، فهو يخضع وينقاد لله تعالى إما طوعًا، وإما كرهًا، يقول ﷾:" أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) " (آل عمران ٨٣): يقول مجاهد: " سجود المؤمن طائعًا، وسجود الكافر وهو كاره ". (^١)
وقال تعالى: " وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْأصَالِ (١٥) " (الرعد ١٥)، قال قتادة: " فأما المؤمن فيسجد طائعًا، وأما الكافر فيسجد كارهًا " (^٢). وقال السُّدي: " إذا سجد الأشياء، سجد ظله معه ". (^٣)
وهذا هو القول الذي نقله الإمام السمعاني في تفسير الآية، فقال: " يعني: يسجد من في السموات طوعًا، ويسجد من في الأرض، بعضهم طوعًا، وبعضهم كرهًا. والسجود هوالخضوع بالتذلل ، وقوله " وَظِلَالُهُم ": قالوا: ظل الكافر يسجد طوعًا، والكافر يسجد كرهًا، وظل المؤمن يسجد طوعًا، وكذا المؤمن يسجد طوعًا، هذا هو القول المنقول عن السلف ". (^٤)
_________________
(١) «مجاهد بن جبر: تفسير مجاهد: دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر، ط ١، ١٤١٠ هـ (٢٥٥)
(٢) «الطبري: جامع البيان: ١٦/ ٤٠٣
(٣) «ابن أبي زمنين: تفسير القرآن العزيز، دار الفرقان الحديثة، القاهرة، ط ١، ١٤٢٣ هـ (٢/ ٣٥١)
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٨٦
[ ١٢٥ ]
وأخبر القرآن أن كل مافي السموات ومافي الأرض مطيع لله جل وعلا، فقال سبحانه:"وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (١١٦) " (البقرة ١١٦)، والقانت المطيع، ومعنى قوله: " كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ"أي: قائمون بالعبودية (^١)، وقال مجاهد: كل له مطيعون، فطاعة الكافر في سجود ظله (^٢).
وذكر السمعاني خلافا عند المفسرين في معنى قوله تعالى:" كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ"فقال:
وفي معناه أقوال:
أحدها: قال ابن عباس: هو عام بمعنى الخصوص، والمراد به المسلمون، وبه قال الفراء، ولم يرضه من الفراء نحاة البصرة، وقالوا: الكل يقتضي الإحاطة بالشيء، بحيث لايشذ منه شيء، ومعناه: كل العباد قانتون، فالمسلم يسجد طوعا، والكافر يسجد ظله سريعا.
والقول الثاني: معناه: مذللون مسخرون لما خلقوا له.
والقول الثالث: يعني في القيامة (^٣).
هذا فيما يتعلق بالإنسان، أما فيما يخص الحيوان والجماد والأموات، فقد أخبر القرآن الكريم بسجودها، وخضوعها، ونطقها بالتسبيح، ومن موارده في القرآن الكريم قوله تعالى:" أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) (النحل ٤٨ - ٤٩).
-" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ " (الحج ١٨).
-" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) (الإسراء ٤٤).
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٣٠
(٢) «مجاهد: تفسير مجاهد:٢١٢
(٣) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ١٣٠
[ ١٢٦ ]
-" وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) " (الأنبياء ٧٩).
-" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ
قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) (النور ٤٢).
-" وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) " (الرحمن ٦).
-" يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (الجمعة ١١).
اختلف العلماء في مقتضى ماتتضمنه هذه الآيات وغيرها، التي تفيد سجود الحيوان والموات، وتسبيحه، ونطقه، إلى أقوال:
القول الأول: أن التسبيح حقيقة، وكل شيء يُسبح تسبيحًا لا يسمعه البشر ولا يفقهه، وهذا قول إبراهيم النخعي، وعكرمة، ومجاهد، ورجحه الزجاج (^١)، والقرطبي (^٢)، ونصره الإمام السمعاني في تفسيره (^٣)، وهو مروي عن علي وابن عباس ﵄، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١ - (عن ابن عمر -﵄كان النبي - ﷺ - يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح يده عليه)، وفي رواية: (فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العِشار، حتى جاء النبي - ﷺ - فوضع يده عليها فسكنت) (^٤).
يقول الإمام القرطبي: "وإذا ثبت ذلك في جماد واحد، جاز في جميع الجمادات، ولا استحالة في شيء من ذلك" (^٥)
٢ - عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: (وإني لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن) (^٦).
_________________
(١) «الزجاج: معاني القرآن:٣/ ٤١٨ - ٥/ ٤٧
(٢) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٨
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤
(٤) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: ح (٣٥٨٣ - ٣٥٨٥)
(٥) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٨
(٦) «أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة ح (٢٢٧٧)
[ ١٢٧ ]
٣ - عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قال: (لايسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس، ولاشيء، إلا شهد له يوم القيامة) (^١).
٤ - عن عبدالله بن مسعود قال: (.. فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - ﷺ - ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل) (^٢)
٥ - عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا - ﵇ - قال لابنه: يابني: آمرك أن تقول:"سبحان الله"فإنها صلاة الخلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال تعالى:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي" (^٣)
٦ - وقال عكرمة: لايعيبَّن أحدكم ودابته ولا ثوبه، فإن كل شيء يسبح بحمده.
وقال: الشجرة تُسبح، والأسطوانة تُسبح (^٤).
٧ - وقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله، حيا كان أو جمادًا أو تسبيحها: سبحان الله وبحمده (^٥).
٨ - وقال إبراهيم النخعي: الطعام يُسبح (^٦). وقال: وإن من شيء جماد أو حي إلا يسبح بحمده، حتى صرير الباب، ونقيض السقف (^٧).
وقد نصر الإمام السمعاني هذا القول، وأيده بقوة، وجعله هو قول أهل السنة، فقال في أكثر من موطن:
-" وأعلم أن لله في الجماد علما لايعلمه غيره، ولايقف عليه غيره، فينبغي أن يوكل علمه إليه" (^٨)
-" قد قال أهل السنة: إن لله علما في الموات لايعلمه غيره، وقيل: إن الله تعالى يفهمهم ويلهمهم ذلك فيخشونه بإلهامه، وبمثل هذا وردت الأخبار" (^٩).
_________________
(١) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الآذان، باب رفع الصوت بالنداء، ح (٦٠٩)
(٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح (٣٥٧٩)
(٣) «أخرجه ابن جرير في تفسيره:١٧/ ٤٥٥، وقال الإمام ابن كثير:"إسناده فيه ضعف، فإن الربذي ضعيف عند الأكثرين. تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨٠
(٤) «الطبري: جامع البيان:١٧/ ٤٥٥
(٥) «السمعاني: تفسير القرآن، ٣/ ٢٤٤
(٦) «الطبري: جامع البيان:١٧/ ٤٥٦
(٧) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤
(٨) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٢٤٤
(٩) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٩٦
[ ١٢٨ ]
-" فإن من اعتقاد أهل السنة، أن الحيوان والموات، مطيع كله لله تعالى " (^١).
-" وسجود الموات ثابت بنص الكتاب، وهو على ما أراد الله تعالى، والعلم بحقيقة ذلك موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة " (^٢).
ولذا قال في قصة سليمان مع النمل: " فإن قيل: كيف يصح أن يثبت للنمل مثل هذا العلم؟ والجواب عنه: يجوز أن يخلق الله تعالى فيه هذا النوع من الفهم والعلم " (^٣).
وقد أيد قوله برأي علي وابن عباس، قال علي: لاتضربوا الدواب على رؤوسها فإنها تسبح لله، وقال ابن عباس: إن تسبيح هذه الأشياء ياحليم ياغفور (^٤).
القول الثاني: إن التسبيح خاص بالأحياء فقط، وما ليس بحي فلا، وعليه: فلا يدخل فيه الجمادات: وإنما يسبح ما كان فيه روح، من حيوان أو نبات، وهذا مروي عن الحسن والضحاك وقتادة، واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
١ - عن ابن عباس قال: مر النبي - ﷺ - بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لايستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة، فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة، قالوا: يارسول الله، لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما مالم ييبسا) (^٥)، يقول الإمام القرطبي: فقوله - ﷺ -:" مالم ييبسا" إشارة إلى أنهما ماداما رطبين يسبحان، فإذا يبسا صارا جمادا (^٦)
٢ - قال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: (أيُسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال: قد كان يسبح مرة، يقول الإمام القرطبي: (يريد أن الشجرة في زمن ثمرها واعتدالها كانت تسبح، وإنما الآن فقد صار خوانا مدهونا (^٧).
_________________
(١) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٣٢٨
(٢) «السمعاني: تفسير السمعاني:٥/ ٣٢٣
(٣) «السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ٨٦
(٤) «السمعاني: تفسير السمعاني:٣/ ٢٤٤
(٥) «رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ماجاء في غسل البول، ح (٢١٨)
(٦) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٧
(٧) «القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١٠/ ٢٦٦
[ ١٢٩ ]
٣ - قال قتادة: قوله تعالى: " وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ": كل شيء فيه الروح يُسبح، من شجر، أو شيء فيه " (^١)
٤ - قال الضحاك: في قوله:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي": كل شيء فيه الروح (^٢).
القول الثالث: أن تسبيح السماوات والأرض والجمادات، وسائر الحيوانات سوى العقلاء، هو مادلت بلطيف تركيبها، وعجيب هيئاتها على خالقها، فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها (^٣)، فالمقصود من تسبيح الجمادات على هذا القول: أنها تدعو الناظر إليها أن يقول: سبحان الله، لعدم الإدراك منها، فلطيف الصنعة، وبديع القدرة، توجب على من رآها تسبيح الله وتقديسه.
ووهن الإمام السمعاني هذا القول، وقال: " وقال بعضهم: إن سجود الحجارة هو بظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يحمل السجود والخضوع لمن تأمله وتدبر فيه، وهذا قول فاسد، والصحيح ماقدمنا، والدليل عليه أن الله وصف الحجارة بالخشية، فقال:" وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ " ولا يستقيم حمل الخشية على ظهورأثر القدرة عليه، وأيضًا فإن الله تعالى قال:" يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ" أوبي معه: أي سبحي معه، ولو كان المراد ظهور أثر الصنع فيه.
لم يكن لقوله: " مع داود" معنى؛ لأن داود وغيره في رؤية أثر الصنع سواء، وأيضا فإن الله تعالى قال:" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي" أي يطيع الله بتسبيحه،"وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " ولو كان المراد بالتسبيح ظهور أثر الصنع فيه، لم يستقم قوله: " وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ " (^٤).
والخلاصة أن الإمام السمعاني قرر في هذه المسألة مايلي:
١ - أن لله تعالى علما في الموات لايعلمه غيره، ولايقف عليه الناس (^٥).
_________________
(١) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨٠
(٢) «ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٨١
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٢٤٤
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٢٨ - ٥/ ٤٣٠
(٥) «السمعاني: تفسير السمعاني:١/ ٩٦ - ٥/ ٤٠٨
[ ١٣٠ ]
٢ - أن اعتقاد أهل السنه أن الحيوان والموات مطيع كله لله تعالى (^١) وأن كل الأشياء ساجدة لله تعالى مطيعة من حيوان وجماد وهو المحكي عن أكثر السلف (^٢).
٣ - قال السمعاني: " إن سجود الموات ثابت بنص الكتاب وهو على ما أراد الله تعالى (^٣)، والعلم بحقيقته موكول إليه، وهو مذهب أهل السنة (^٤).
٤ - نقل السمعاني عن الإمام الثوري أنه قال: كل شيء يسبح إلا الحمار، فلذا جعل صوته أنكر الأصوات.
وقد نقل هذا عن سفيان، الإمام ابن أبي حاتم في تفسيره فقال: " عن سفيان الثوري - ﵁ - قال صياح كل شيء تسبيحة إلا الحمار " (^٥)، وزاد الماوردي في نقله عن سفيان قوله:" فإنه يصيح لرؤية الشيطان " (^٦)
وأخرج أبو الشيخ (^٧) في كتاب العظمة، عن ابن عباس - ﵄قال: كل شيء يسبح إلا الحمار والكلب " (^٨)
وتعقب هذا صاحب روح المعاني فقال:
" ولا أرى لاستثناء ماذكر وجها، وفي القلب من صحة الرواية عن الخبر شيء، وكذا للتقييد بعد أن لم تكن الجمادية مانعة عن التسبيح، والأخبار الظاهرة في عدم التسبيح أكثر، ولا أظن أن لما يخالفها امتيازا عليها في الصحة " (^٩).
إن اجتهاد السمعاني وجزمه القول في هذه المسألة، مبني على تتبع النصوص، والأخذ بالظواهر المؤيدة بفهم السلف، وهذا منهجه العام الذي سار عليه في بناء الأحكام.
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٢٨
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٧٦
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٢٣
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٣٤
(٥) «تفسير ابن أبي حاتم:٩/ ٣١٠٠
(٦) «الماوردي: النكت والعيون:٤/ ٣٤١
(٧) «أبو الشيخ عبدالله بن محمد بن جعفر، من حفاظ الحديث، العلماء برجاله (٢٧٤ هـ-٣٦٩ هـ) وله مؤلفات منها المحدثين بأصبهان، والعظمة. الزركلي: الأعلام:٤/ ١٢٠
(٨) «أبو الشيخ: العظمة، دار العاصمة، الرياض، ط ١، ١٤ - ٨ هـ (٥/ ١٧٥٠)
(٩) «الألوسي: روح المعاني: دار الكتب العلمية ببيروت، ط ١، ١٤١٥ هـ، (٨/ ٨٢).
[ ١٣١ ]