قال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (الحج ٥٢)، يُقال: لما قرأ النبي ﷺ في الصلاة سورة النجم، فلما بلغ قوله: " أَفَرَءَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) " (النجم ١٩ - ٢٠)، ألقى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى "، ما مدى صحة هذه الرواية، وكيف يجوز هذا على النبي ﷺ وقد كان معصومًا من الغلط في أصل الدين؟!
[ ٢٨٢ ]
تطرق الإمام السمعاني لهذه المسألة، وبحثها بحثًا مستفيضًا كعادته، وذكر فيها أقوال المفسرين، ورجح السمعاني صحة ما ورد من قصة الغرانيق، ونسبه لأكثر السلف، وذلك أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ بإلقاء الشيطان، من غير أن يعتقد، وذلك محنة وفتنة من الله تعالى، والله يمتحن عباده بما شاء، ويفتنهم بما يريد، وليس عليه اعتراض لأحد، وقال: وقالوا: إن هذا وإن كان غلطًا عظيمًا، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (^١)
لكن شيخ الإسلام ابن تيمية، مع كونه (والله أعلم) يميل إلى هذا القول، ويجعله هو المشهور عند السلف والخلف (^٢)، يقول: " والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك " (^٣)، إلا أنه بيَّن منزع الخلاف عند العلماء، فيما يتعلق بهما من جهة العصمة، فقال: " والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ بإتفاق المسلمين. ولكن يصدر مايستدركه الله، فينسخ ما يُلقي الشيطان، ويحكم الله آياته؟ هذا فيه قولان " (^٤). وقال: " ومن قامت البراهين والآيات، على صدقه فيما يُبلِّغه عن الله، كان صادقًا في كل ما يُخبر به عن الله، لا يجوز أن يكون في خبره عن الله شيء من الكذب، لا عمدًا، ولا خطأً، وهذا مما اتفق عليه جميع الناس، من المسلمين، واليهود والنصارى، وغيرهم، لم يتنازعوا أنه لا يجوز أن يستقر خبره عن الله خطأ، وإنما تنازعوا هل يجوز أن يقع من الغلط، ما يستدركه ويُبيِّنه، فلا ينافي مقصود الرسالة، كما نُقل من ذكر: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى) " (^٥).
وهذه المسألة، اختلف الناس فيها على قولين، قول يُجيز وقوعها على ما ورد عن السلف في بيان هذه القصة، وهؤلاء العلماء حين قرروا صحتها، ذهبوا يؤولون ويوجهون الأقوال، مع ما يتناسب مع القول بالعصمة، ولذا كثرت أقوالهم في المسألة.
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩
(٢) ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٤٠٩
(٣) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٧
(٤) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: ٥/ ٢٥٦
(٥) ابن تيمية: منهاج السنة: ٢/ ٣٤
[ ٢٨٣ ]
وقول يمنع أصالة وقوع مثل هذه القصة، وطعنوا في الروايات الواردة عن السلف، وحكموا بعدم ثبوتها، مع مخالفتها من جهة أخرى للنصوص النقلية، الحجج العقلية، وهؤلاء سَلِموا من كل الأقوال الموجهة، لنفي التعارض بين صحة القصة، وقضية العصمة.
ومُحصِّل ما ذكر العلماء في هذه المسألة ما يلي:
القول الأول: أن ما ورد من إلقاء الشيطان على لسان النبي ﷺ صحيح، وارد عن ابن عباس وجماعة. وهذا ما رجحه الإمام السمعاني، والزجاج وغيرهم. قال الزجاج: " معنى (إذا تمنى) إذا تلا، ألقى الشيطان في تلاوته، فذلك محنة من الله عزوجل، وله أن يمتحن بما شاء، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئًا من صفة الأصنام، فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق، ومن في قلبه مرض " (^١).
وفي دعم هذا القول، يقول الأنجري (^٢): " فتحصل أنه ﵊ لم ينطق بتلك الكلمات قط، لا سهوًا ولا عمدًا، وإنما ألقيت في مسامع الكفار؛ ليحصل ما تمناه ﵊ من المقاربة. ويدل على هذا، أن من حضر من المسلمين، لم يسمعوا من ذلك شيئًا، فإذا تقرر هذا علمت أن ما حكاه السلف الصالح من المفسرين، وأهل السير، من أصل القصة في سبب نزول الآية صحيح، لكنه يحتاج إلى نظر دقيق، وتأويل قريب، فلا تحسن المبادرة بالإنكار والرد عليهم، وهم عدول، لا سيما حبر هذه الأمة، وإنما يحتاج اللبيب على التطبيق بين المنقول والمعقول، فإن لم يمكن قدم المنقول إن ثبتت صحته، وحكم على العقل بالعجز " (^٣).
_________________
(١) الزجاج: معاني القرآن: ٣/ ٤٣٤
(٢) الأنجري: أحمد بن محمد (١١٦٠ هـ - ت ١٢٢٤ هـ)، مفسر، صوفي، من أهل المغرب، له كتب كثيرة منها: البحر المديد، وأزهار البساتين. الزركلي: الاعلام ١/ ٢٤٥.
(٣) الأنجري: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: نشر د. حسن عباس، القاهرة، ١٤١٩ هـ، (٣/ ٥٤٥).
[ ٢٨٤ ]
ولذا حكم الحافظ ابن حجر على مجموع هذه الروايات بأن لها أصلًا، مع أنه حكى بضعف كل هذه الروايات ما عدا طريق سعيد بن جبير، ثم حكم على ثلاثة أسانيد بأنها مرسلة وعلى على شرط الصحيح، وقال: وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل. ثم رد على الإمام ابن العربي والقاضي عياض في توهينهما لهذه القصة (^١). ثم ذكر مسالك العلماء في توجيه هذه القصة، مع ما يتوافق مع العصمة. وكذا صححها الشيخ سليمان بن عبدالوهاب. (^٢)
ومن الأقوال التي قيلت في المسألة، بناء على صحة ما ورد:
١ - قيل: إن الرسول ﵊، لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر هذا بين قراءة النبي ﷺ، وسمع المشركون ذلك، وظنوا أن الرسول قرأ، وهذا اختيار الأزهري وغيره. (^٣)
٢ - وقيل: إن الرسول ﵊، أغفى إغفاءة ونعس، فجرى على لسانه هذا، ولم يكن به خبر بإلقاء الشيطان، وهذا قول قتادة. (^٤)
٣ - وقيل: إن هذا ألقاه بعض المنافقين في قراءته، وكان المنافق هو القارئ، فظن المشركون أن الرسول ﷺ قرأ، وسُمي ذلك المنافق شيطانًا؛ لأن كل كافر متمرد بمنزلة الشيطان. قال السمعاني: " وهذا جواب ضعيف " (^٥).
٤ - وقيل: إن شيطانًا يُقال له: الأبيض، عمل هذا العمل، وفي بعض الروايات: أنه تصور
بصورة جبريل، وأدخل في قراءته هذا. (^٦)
٥ - وقيل: ألقاه الشيطان على لسان النبي ﷺ، فقرأ ساهيًا.
٦ - وقيل: إن النبي ﷺ قالها على وجه التعيير والزجر، يعني: أنكم تعبدونها كأنها الغرانيق العلى، كما قال إبراهيم: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا " (الأنبياء ٦٣).
_________________
(١) ابن حجر: فتح الباري: ٨/ ٤٣٩
(٢) سليمان بن عبدالوهاب: تيسير العزيز الحميد: ٢٣٥
(٣) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٨
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩
[ ٢٨٥ ]
٧ - وقيل: إن النبي ﷺ تمنى أي تفكَّر، وحدث بنفسه تلك الغرانيق العلى، ولم يتكلم به؛ لأن النبي ﷺ كان حجة، فلا يجوز أن يكون يجري على لسانه كلمة الكفر.
٨ - وقيل: إن النبي ﷺ دخل المسجد، وجلس عنده جماعة من المشركين، فتمنى في نفسه أن لا يأتيه من الله شيء ينفرون منه، فابتلاه الله تعالى، بما ألقى الشيطان في أمنيته. (^١)
٩ - وقيل: أراد بالغرانيق العلى الملائكة، يعني: أن الشفاعة ترتجى منهم، لا من الأصنام، قال الثعلبي: " وهذا القول ليس بالقوي، ولا بالمرضي " (^٢).
القول الثاني: عدم صحة هذه القصة أساسًا، وردها، وعدم الاحتجاج بها، وهذا قول كثير من محققي أهل العلم، ولذا شنع الرازي على أصحاب القول الأول، واعتبر أن القول بثبوت هذه القصة طعن في القرآن، فقال: " وعند هذا يُعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلى، في أثناء الوحي، فقد قال قولًا عظيمًا، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن " (^٣)، وقد رد على الآثار الواردة في هذا الباب، فقال بعد أن نقل الرواية الواردة في ثبوت القصة: " هذا رواية عامة المفسرين الظاهريين، أما أهل التحقيق، فقد قالوا: هذه الرواية باطلة، موضوعة، واحتجوا عليه بالقرآن، والسنة، والمعقول " (^٤)، ثم شرع في سرد الدلائل التي تدل على خلاف هذا القول، ورد على الأقوال الأخرى.
وممن أطال النفس في هذه المسألة، ورد على الأقوال المثبتة للقصة، الإمام ابن العربي، والقاضي عياض، وفقد تتبعوا ما قيل، وردوا عليه.
ومن هنا قال القرطبي في تفسيره: " الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح " (^٥).
_________________
(١) السمرقندي: بحر العلوم: ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦
(٢) الثعلبي: الكشف والبيان: ٧/ ٣٠
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٧/ ١١٠
(٤) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٣٧
(٥) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: ١٢/ ٨٠
[ ٢٨٦ ]
وقال البيضاوي (^١): " وهو مردود عند المحققين، وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإيمان عن المتزلزل فيه " (^٢).
وقال ابن كثير عن طرق رواية حديث الغرانيق: " ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح " (^٣)، وقال الشوكاني: " ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه " (^٤)، وقال الخطيب الشربيني بعد أن ذكر كلام الرازي في وضع قصة الغرانيق: " هذا هو الذي يطمئن إليه القلب، وإن أطنب ابن حجر العسقلاني في صحتها " (^٥)، ويقول الشنقيطي:" اعلم أن مسألة الغرانيق، مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، كما صرَّح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب " (^٦).
والنقل عن العلماء يطول جدًا، في بيان عدم ثبوت هذه القصة، ولذا قال الإمام ابن حزم: "وأما الحديث الذي فيه: وإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فكذب بحت موضوع؛ لأنه لم يصح قط من طريق النقل، ولا معنى للاشتغال به؛ إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد " (^٧).
وقال أبو حيان:" وهي قصة سُئل عنها الإمام محمد بن إسحاق، جامع السيرة النبوية، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابًا. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل " (^٨).
_________________
(١) البيضاوي: عبدالله بن عمر، قاضي، مفسر، علامة، ولد في مدينة البيضاء بفارس قرب شيراز، وولي قضاء شيراز مدة، وصرف عن القضاء فرحل إلى تبريز وتوفي بها سنة ٦٨٥ هـ، من مصنفاته: أنوار التنزيل في التفسير. الزركلي: الأعلام: ٤/ ١١٠
(٢) البيضاوي: أنوار التنزيل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ (٤/ ٧٥)
(٣) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٥/ ٤٤١
(٤) الشوكاني: فتح القدير: ٣/ ٥٤٦
(٥) الشربيني: السراج المنير: مطبعة بولاق، القاهرة، ١٢٨٥ هـ، (٢/ ٥٦٠)
(٦) الشنقيطي: أضواء البيان: ٥/ ٢٨٦
(٧) ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل: ٤/ ١٨
(٨) أبو حيان: البحر المحيط: ٧/ ٥٢٦
[ ٢٨٧ ]
وقال النحاس: " وهذا يجب أن يوقف على معناه من جهة الدين؛ لطعن من طعن فيه من الملحدين. فأول ذلك: أن الحديث ليس بمتصل الإسناد، ولو اتصل إسناده وصح لكان المعنى فيه صحيحًا " (^١)، ونقل الألوسي عن أبي منصور الماتريدي قوله: " تلك الغرانيق العلى، من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة؛ حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين، وحضرة الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية " (^٢). ثم ذكر الألوسي أوجهًا باطلة، تلزم على القول بأن الناطق بذلك النبي ﷺ بسبب إلقاء الشيطان الملبس.
وممن أطال نقد هذه القصة، القاسمي في تفسيره، ود. محمد أبو شهبة في كتابه: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ".
الترجيح: سبق أن ذكرنا رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وهو إثبات أصل هذه القصة، ولكن حملها على ما يوافق العصمة، وإنما كان ذلك ابتلاء واختبارًا من الله تعالى.
وهذا هو الذي سار عليه كثير من العلماء ممن أثبت هذه القصة، فإنهم حملوها على ما يوافق العصمة، يقول ابن الجوزي: " فلما سمعوا هذه السورة، قال بعض الشياطين: هذه الكلمات على وزنها، فظنوا أن رسول الله قد قالها، وإنما قيلت في ضمن تلاوته. فأما أن يكون جرى على لسان الرسول المعصوم ﷺ مثل هذا فمحال، فلا تغتر بما تسمعه في التفاسير، من أنه جرى على لسانه، فإنه لو صح هذا لاختلط الحق بالباطل، وجاز أن يشك في الصحيح " (^٣).
وهذا فيه رد لقول السمعاني، في أن هذا شيء جرى على لسان الرسول ﷺ، لكنه قال: وليس عليه اعتراض لأحد، وقالوا: إن هذا وإن كان غلطًا عظيمًا، فالغلط يجوز على الأنبياء، إلا أنهم لا يقرون عليه. (^٤)
وهذا التوجيه وغيره مما ذكر، يستقيم عند من صحح الآثار واعتبرها.
_________________
(١) النحاس: إعراب القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢١ هـ (٣/ ٧٣)
(٢) الألوسي: روح البيان: ٩/ ١٦٩
(٣) ابن الجوزي: كشف المشكل: ١/ ٢٧٤
(٤) السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٤٤٩
[ ٢٨٨ ]
وتصحيح الحافظ ابن حجر لها، تعقبه فيها العيني، فبعد أن نقل قوله، قال: " قلت: الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي ﷺ، فإنه قد قامت الحجة، واجتمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، وحاشاه أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك، لا عمدًا ولا سهوًا، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله ﷿، لا عمدًا ولا سهوًا. والنظر والعرف أيضًا يحيلان ذلك، ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم، ولم يُنقل ذلك، ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين " (^١)، وقال: " وما قيل: كان ذلك بسبب ما القى الشيطان في أثناء قراءة رسول الله ﷺ: تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، فلا حجة له نقلاُ وعقلًا " (^٢)
ولذا فإن الراجح - والله أعلم - هو قول من ذهب إلى أن القصة غير صحيحة، وقد نُقل عن الإمام ابن خزيمة أنه قال عنها: هي من وضع الزنادقة. (^٣)
وقال الشنقيطي مبينًا جهة بطلانها من نفس السورة، فقال: " وهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين الذي لا شك في بطلانه، في نفس سياق آيات النجم، التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم، قرينة واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي ﷺ قرأ بعد موضع الإلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: " إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " (النجم ٢٣)، وليس من المعقول، أن النبي ﷺ يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخيرٍ المزعوم، وإلا غضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير " (^٤).
_________________
(١) العيني: عمدة القاري: ١٩/ ٦٦
(٢) العيني: عمدة القاري: ١٩/ ٢٠٣
(٣) الرازي: مفاتيح الغيب: ٢٣/ ٢٣٧
(٤) الشنقيطي: أضواء البيان: ٥/ ٢٨٦
[ ٢٨٩ ]
ومن لطيف الأدلة التي ذكرها الرازي عن بعض من لقيه، في بطلان هذا القول ما ذكره من قوله: " وكان صديقنا الملك سام بن محمد يرحمه الله - وكان من أفضل من لقيته من أرباب السلطنة، يقول: هذا الكلام بعد الدلائل القوية القاهرة، باطل من وجهين أخرين:
الأول: أن النبي ﷺ قال: " من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي " (^١)
فإذا لم يقدر الشيطان على أن يتمثل في المنام بصورة الرسول، فكيف قدر على التشبه بجبريل حال اشتغال تبليغ وحي الله تعالى.
الثاني: أن النبي ﷺ قال: " ما سلك عمر فجًا إلا وسلك الشيطان فجًا آخر " (^٢). فإذا لم يقدر الشيطان أن يحضر مع عمر في فج واحد، فكيف يقدر على أن يحضر مع جبريل في موقف تبليغ وحي الله تعالى " (^٣).
وهذه الأوجه مع لطافتها، إلا أنها مما يُستأنس بها، وإلا لو صح ما رُوي عن السلف من الآثار؛ لكان ما جرى للنبي ﷺ هو من باب الامتحان والاختبار للعباد، كما قال السمعاني.