أشار السمعاني إلى المفاضلة بين الصدقات من جهة إظهارها وإخفائها، فذكر نوعي الصدقات الواجبة والمستحبة، ثم قال: صدقة التطوع الإخفاء فيها أفضل، واستدل بقوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)، على القول بأنها نزلت في صدقة التطوع، واستدل بما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: صدقة السر تفضل صدقة العلانية بسبعين ضعفا، والصحيح أن هذا مرو عن ابن عباس.
وأما الزكاة الواجبة، فالأفضل فيها الإظهار، واحتج بما رُوي عن النبي ﷺ: صدقة العلانية تفضل صدقة السر بخمس وعشرين، والصحيح كذلك أنه مرو عن ابن عباس.
وذكر قولا ثانيا في المسألة: وهو أن الإخفاء كان هو الخير والأفضل على عهد رسول الله ﷺ، وأما في غيره من الأزمان، فالإظهار خير في الزكاة؛ لسوء الزمان، كيلا يساء الظن به (^٥).
هذا مجمل ما ذكره السمعاني في هذه المسألة، ومما يحسن ذكره تتميما في هذا المقام:
_________________
(١) - السمعاني: مرجع سابق: ٢/ ٣٦٠
(٢) - انظر: ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله: ١/ ٩٩
(٣) - البهوتي: كشاف القناع: ١/ ٤١١
(٤) - ابن تيمية: مرجع سابق: ١٠/ ٣٧١
(٥) - السمعاني: تفسر القرآن: ١/ ٢٧٥
[ ٢٠٤ ]
١ - أن الإمام الطبري وغيره حكوا الاتفاق على أن الإعلان في صدقة الفرض أفضل من الإخفاء، وصدقة التطوع على العكس من ذلك (^١).
٢ - يرى ابن عطية أن التستر بصدقة الفرض أولى، قال: ويشبه في زمننا أن يحسن التستر بصدقة الفرض، فقد كثر المانع لها، وصار إخراجها عرضة للرياء (^٢)، وتعقبه ابن رجب فقال: وهذا الذي تخيله ابن عطية ضعيف؛ فلو كان الرجل في مكان يترك أهله الصلاة، فهل يُقال: إن الأفضل ألا يُظهر صلاته المكتوبة (^٣).
٣ - حكى بعضهم عن النقاش أنه يقول بنسخ هذه الآية بقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية)، وتعقبه ابن رجب قائلا: ودعوى النسخ ضعيف جدا، وأن معنى هذه الآية، كمعنى الآية قبلها، إن النفقة تُقبل سرا وعلانية (^٤).
والمسألة فيها تفصيل واسع، ليس هذا المقام مقامه، لكن المقصود هنا الإشارة والإشادة بجهود السمعاني في هذا الباب، الذي يصب في بيان أهمية توحيد العبادة.
_________________
(١) - الطبري: تفسير الطبري: ٥/ ٥٨٤
(٢) - ابن عطية: المحرر الوجيز: ١/ ٣٦٥
(٣) - ابن رجب: تفسير ابن رجب: ١/ ١٩٤
(٤) - ابن رجب: مرجع سابق.
[ ٢٠٥ ]