طَوَّف بنا السمعاني في تفسيره، وأثار عدة قضايا تتعلق بالعبودية.
والحديث في هذه المسألة ينتظم عدة أمور:
أولًا: أن عبودية الله تعالى هي الحق، وما دونها الباطل، قال جل وعلا: " وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) " (الإسراء ٨١): فالحق: عبادة الله تعالى، والباطل: عبادة الأصنام، وقد ثبت برواية ابن مسعود: " أن النبي ﷺ دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها، ويقول: " جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " (^١) (^٢)، والدين الحق إنما هو في تحقيق العبودية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وإنما الدين هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة، وبقدر تكميل العبودية، تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا، يكون نقص هذا " (^٣). وهذا طريق العبودية، المتمثل في طاعة الله تعالى ورسوله ﵊، وهذه الطاعة متمثلة في الإسلام بتمامه، وهذا الإسلام متمثل في اتباع القرآن، واتباع القرآن متمثل في لزوم السنة والجماعة. (^٤)
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ٢٧١
(٢) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب " وقل جاء الحق وزهق الباطل "،ح (٤٧٢٠)
(٣) «ابن تيمية: العبودية: ١٢٠
(٤) «ابن تيمية: المستدرك على مجموع الفتاوى: (١/ ٢١١) بتصرف.
[ ١٦٠ ]
وهذه العبودية طريق السعادة، يقول الإمام ابن القيم: "وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ يقول: من أراد السعادة الأبدية، فليلزم عتبة العبودية، وقال بعض العارفين: لا طريق أقرب إلى الله من العبودية " (^١). فعبادة الله تعالى، خير ما يحصله المرء ويسعى إليه، يقول تعالى: " وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) " (العنكبوت ١٦)، يقول الإمام السمعاني: " ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) ": أي: عبادة الله وتقواه، خير لكم إن كنتم تعلمون ". (^٢)
ثانيًا: أن عبادة الله جل وعلا، والأمر بها، هي الميثاق الذي أخذه الله تعالى على النبيين - عليهم الصلاة والسلام ـ، قال تعالى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (٧) " (الأحزاب ٧)، يقول الإمام السمعاني: " وأما معنى الميثاق، قال أهل التفسير: أخذ عليهم أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادة الله، ويصدق بعضهم بعضًا، وينصحوا الناس " (^٣)، ذكر هذا مقاتل في تفسيره (^٤)، ويقول الإمام نصر السمرقندي: " قوله تعالى: " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ "، وهو الوحي الذي أوحى إليهم، أن يدعوا الخلق إلى عبادة الله ﷿، وأن يصدق بعضهم بعضًا " (^٥)، وبذا فسَّر الميثاق الغليظ في تتمة الآية: " وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا " قال: عهدًا وثيقًا، أن يعبدوا الله تعالى، ويدلوا الخلق إلى عبادة الله ﷿، وأن يبشر كل واحد منهم بمن بعده " (^٦).
واختلف المفسرون في هذا الميثاق على قولين:
_________________
(١) «ابن القيم: مدارج السالكين: ١/ ٤٢٩
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٢٦١
(٤) «مقاتل: تفسير مقاتل: ٣/ ٤٧٥
(٥) «السمرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٤٥
(٦) «السمرقندي: بحر العلوم: ٣/ ٤٦
[ ١٦١ ]
١ - فقيل: هو الميثاق الأول، حين أُخرجوا من ظهر آدم كالذر، قال أبي بن كعب: لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر (^١). وهو القول المنقول عن مجاهد (^٢).
٢ - وقيل: هذا الميثاق والعهد الذي أُخذ عليهم بعد إرسالهم، فهو الميثاق بتبليغ الرسالة، والقيام بالشرائع (^٣). ورجحه ابن جزي وقال: " لأنه هو المختص بالأنبياء " (^٤).
ثالثًا: قررت الآيات القرآنية، أن الإنسان لا يستغني عن ربه طرفة عين، فهو بحاجة إليه جل وعلا. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: وأجمعوا على أن الإنسان غير غني عن ربه ﷿ في سائر أوقاته، وعلى الرغبة إليه في المعونة على سائر ما أمر به، ممتثلين لما أمرهم به في قوله تعالى: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ". (الفاتحة ٥)، فلم يفرق بين العبادة وبين الاستعانة " (^٥).
_________________
(١) «الماوردي: النكت والعيون: ٤/ ٣٧٧، الواحدي: الوسيط في التفسير: ٣/ ٤٦٠، ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: ٦/ ٣٨٣، الطبري: جامع البيان: ١٣/ ٢٣٨
(٢) «مجاهد: تفسير مجاهد: ٥٤٧
(٣) «ابن عطية: المحرر الوجيز: ٤/ ٣٧١
(٤) «ابن جزي: التسهيل لعلوم التنزيل: ٢/ ١٤٢
(٥) «الأشعري: رسالة إلى أهل الثغر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ١٤١٣ هـ، (١٤٦).
[ ١٦٢ ]
والسبيل الموصل إليه طاعته وعبادته، ولذا أمر الله تعالى أن يديم الطاعة، ويستمر على العبادة، حتى يلقى الله تعالى بها، كما قال تعالى: " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢) " (آل عمران ١٠٢)، يقول الإمام السمعاني: " معناه: داوموا على الإسلام، حتى إذا وافاكم الموت، الفاكم على الإسلام " (^١)، ويُؤيده ويعضده قوله جل في علاه: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) " (الحجر ٩٩)، يقول الإمام السمعاني: " أي الموت، فإن قال قائل: أما كان يكفي قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ "، فما فائدة قوله: " حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "؟ قلنا: لو اقتصر على قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ " لكان إذا عبد مرة، خرج عن موجب الأمر، فقال: " حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ "؛ ليدوم عليها إلى أن يموت " (^٢)
وهذا فيه رد على طوائف غلت في العبادة إفراطًا وتفريطًا، فأصبحوا طرفي نقيض، وأهل السنة وسط بينهم بين الغالي والجافي، وبين المتنطع والمضيع، وبين المبتدع والمشرع والمتبع، وكما جاء في الأثر: (خير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين)، يعني: أن الغلو في العبادة سيئة، والتقصير سيئة، والاقتصاد بينهما حسنة (^٣).
وقد عَرَّف السمعاني الغلو فقال: " الغلو: مجاوزة الحد، وهو مذموم، وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير " (^٤).
وقد ذكر العلماء أخبارًا عن أقوام لَبَّس عليهم الشيطان، حتى أضلهم عن الصراط المستقيم، وأخرجهم عن الطريق القويم.
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٤٢ - ١/ ١٤٥
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٣/ ١٥٦
(٣) «القاسم بن سلام: غريب الحديث: مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيد آباد، ط ١، ١٣٨٤ هـ، (٤/ ٣٨٨)
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٥٦
[ ١٦٣ ]
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: " وفي النُسَّاك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى منزلة تزول عنهم العبادات، وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم، من الزنا وغيره، مباحات لهم. وفيهم من يزعم أن العبادة تبلغ بهم أن يروا الله سبحانه، ويأكلوا من ثمار الجنة، ويعانقوا الحور العين في الدنيا، ويحاربوا الشياطين. ومنهم من يزعم أن العبادة، تبلغ بهم إلى أن يكونوا أفضل من النبيين والملائكة المقربين " (^١).
ونُقِلَ عن الباطنية زعمهم: " أن من عرف معنى العبادة، سقط عنه فرضها، وتأولوا في ذلك قوله: " وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) " (الحجر ٩٩)، وحملوا اليقين، على معرفة التأويل " (^٢).
ونُقِلَ عن الصابئين غلو مقيت، " فإنه يبلغ الأمر بهم، إلى أن يخصي الواحد نفسه، ويسمل عيني نفسه؛ اجتهادًا في العبادة. والذي عند الهنود أكثر من هذا كله، فإنهم لا يزالون يحرقون أنفسهم في النار؛ تقربًا إلى البد، ولا يزالون يرمون أنفسهم من أعالي الجبال كذلك، وعباد الهند لا يمشون إلا عراة " (^٣).
وقد نُقل عن النسطورية - إحدى فرق النصارى - في غلوهم، " أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة، وترك التغذي باللحم، والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفى جوهره، حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء " (^٤).
ولا يزال الغلو ونقيضه في العبادة، موجودًا في هذه الأمة، فإنه كما وُجد في الأمم السابقة، وفي الديانات والملل اللاحقة، فوجوده في هذه الأمة نذير شر، فإن الله تعالى حذر أهل الكتاب منه فقال: " يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ " (النساء ١٧١)
_________________
(١) «أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: المكتبة العصرية، ط ١، ١٤٢٦ هـ، (١/ ٢٢٥)
(٢) «عبدالقاهر البغدادي: الفرق بين الفِرق: دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ٢، ١٩٧٧ م (٢٨٠)
(٣) «ابن حزم: الفِصل في الملل والأهواء والنِّحل: ٢/ ٦٣
(٤) «الشهرستاني: الملل والنحل: ٢/ ٣٠
[ ١٦٤ ]
قال الحسن: يجوز أن تكون في اليهود والنصارى، فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد فيه. وعقب عليه الإمام السمعاني بقوله: " الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي ﷺ، أنه قال: " إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو " (^١) " (^٢)
والنبي ﷺ، حث على التزام سنته، والتمسك بهديه، حين جاءه الرهط الثلاثة الذين كأنهم تقالوا عبادة النبي ﷺ، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " (^٣)
والاعتدال والتوسط مطلوب في كل الأمور. وهنا أُشير إلى أنه يجب أن تكون العبادة مسايرة للشرع، والله جل وعلا يقول: " فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) " (الكهف ١١٠)، " والعمل الصالح: ما كان خاليًا من الرياء، مقيدًا بالسنة " (^٤). وقال ابن عباس ﵁: " وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ": لا يُرائي. (^٥)
_________________
(١) «أخرجه النسائي في سننه، باب التقاط الحصى، ح (٣٠٥٧)، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ط ٢، ١٤٠٦ هـ، (٥/ ٢٦٨)
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٠٥
(٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣).
(٤) «التستري: تفسير التستري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٣ هـ (٩٨)
(٥) «الطبري: جامع البيان: ١٨/ ١٣٦
[ ١٦٥ ]
ولذا كانت آفة العبادة، التي تخالف غايتها ومقصودها، ويبتلى بها كثير من أهلها الشرك، وفُسِّر بالرياء، والرياء: أن يعمل الإنسان ما يعمل، مراءاة للناس، لا اتباعًا لأمر الله تعالى. (^١) وقد ذكر الإمام السمعاني، أن الإخلاص في الأعمال هو من المجاهدة، يقول في تفسير قوله تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩) " (العنكبوت ٦٩): " ويُقال: تحقيق الإخلاص في الأعمال، وهو حقيقة قوله تعالى: " فِينَا " (^٢). وقال في موطن آخر: " الإخلاص هو التوحيد، ويُقال: الإخلاص تصفية النية في طاعة الله تعالى ". (^٣)
ولذا كان الواجب على المسلم، أن يكون في سيره إلى الله جل وعلا، موافقًا للشرع، لأن كثرة العبادة ليست معيارًا للصلاح، فالخوارج معروفون بتعبدهم، ومع ذلك مشهورون بزيغهم وانحرافهم، ولذا قال الله جل وعز: " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " (الملك ٢)، ولم يقل: أكثر عملا؛ لأن الكثرة ليست ميزانًا، بل الميزان في الورع عن المحارم، والإخلاص في العمل، والزهد في الدنيا، والبصر بعيوب النفس. (^٤)
ومن هنا نفهم السِّر في ختم آية الأمر بالعبادة بالتقوى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) " (البقرة ٢١)، يقول الإمام السمعاني: " معناه: اعبدوا وكونوا على حذر منه، وهذا دأب العابد، أن يعبد الله ويكون على حذر منه ". (^٥)
رابعًا: العبادة تختلف من جهة: تفاضلها، وتمايزها، وأقسامها.
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٩٤
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٩٤
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ٤٥٧
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٦ - ٧
(٥) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٥٧
[ ١٦٦ ]
وإذا أُطلق لفظ العبادة دخل فيها، عبادة القلب، وعبادة الجوارح، يقول الإمام ابن تيمية: " ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يُتقى غيره، ولا يُخاف غيره، ولا يُتوكل على غيره، ولا يُدعى غيره، ولا يُصلى لغيره، ولايُصام لغيره، ولا يُتصدق إلا له، ولا يُحج إلا إلى بيته " (^١).
وقد ذهب الناس مذاهب في تفاضل العبادات وتمايزها، وأيها أولى بالإيثار والتخصيص (^٢):
فالصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها.
والصنف الثاني: قالوا: أفضل العبادات التجرد، والزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان.
والصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها: ما كان فيه نفع متعد.
والصنف الرابع: قالوا: إن أفضل العبادة، العمل على مرضاة الرب، في كل وقتٍ بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق.
وقد أشار السمعاني إلى جملة من العبادات التي تتفاضل فيما بينها زمانًا ومكانًا.
ونذكر في هذا المقام قضيتين: