تواضع علماء السلف بجميع طبقاتهم، على ذكر ربوبية الله تعالى، وتفرده في أفعاله، مؤيدة بما ذكر في القرآن الكريم، وبما قُرِّرَ به المشركون، من تفرده جل وعلا بالملك والخلق والتدبير، وأنه ﷾ بيده مقاليد الأمور كلها، من العطاء والمنع، والضرر والنفع، وأنه قهر خلقه بالفناء، ويسر لهم أسباب البقاء. كلهم تحت قبضته، وجميعهم في قدرته، فهو جل وعلا المتفرد"بالحول والقوة، والقدرة، والمشيئة، وأن العبد غير قادرمن ذلك كله إلا على مايقدره مولاه، وهذه نهاية توحيد الربوبية" (^٤)
_________________
(١) «الماوردي علي بن محمد حبيب (٣٦٤ هـ-ت ٤٥٠ هـ)، أقضى قضاة عصره، من العلماء الباحثين، أصحاب التصانيف النافعة الكثيرة، من مؤلفاته: الحاوي في الفقه الشافعي، الزركلي: الأعلام: ٤/ ٣٢٧
(٢) «الماوردي: النكت والعيون، دار الكتب العلمية-بيروت (١/ ٥٤)
(٣) «الطبري: جامع البيان:١/ ١٤٢.
(٤) «ابن رجب: عبدالله بن أحمد: الجامع لتفسير ابن رجب، دار العاصمة: المملكة العربية السعودية: ط ١، ١٤٢٢ هـ، ترتيب: طارق عوض الله. (١/ ٦٥٤)
[ ٧٢ ]
وإن من معاني ربوبية الله تعالى، وملكه، وخلقه، ورزقه، وهدايته، ونصره، وإحسانه، وبره، وتدبيره، وصنعه، الحق الذي هو مقتضى التوحيد، ومحض الربوبية، مايراه الإنسان ويعايشه، وماعلمه ومالم يعلمه، عن الخلق والتدبير والتصريف لكل هذه الكائنات. "فيشهد قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده، فلا خالق، ولا رازق، ولامعطي، ولا مانع، ولا مميت ولا محي، ولا مدبر لأمر المملكة - ظاهرا وباطنا - غيره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا يجري حادث إلا بمشيئته، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا يعزب عن مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا أحصاها علمه، وأحاطت بها قدرته، ونفذت بها مشيئته، واقتضتها حكمته، فهذا جمع توحيد الربوبية" (^١)
وهذا يدل على تفرد الرب جل وعلا، وأن ماسواه مربوب مشترك، مفتقر محتاج إلى الرب سبحانه، وهو سبحانه رب كل شيء كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)، " فهو رب كل شيء، ومن دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره " (^٢)
_________________
(١) «ابن القيم: محمد بن أبي بكر: مدارج السالكين، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤١٦ هـ، (٣/ ٤٧١)
(٢) «الزمخشري: محمود بن عمرو: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٣، ١٤٠٧ هـ. (٢/ ٨٤)
[ ٧٣ ]
والذي يدل على صحة هذا النوع من التوحيد، وأن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد: " أن أصناف المشركين أربعة؛ لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله، والقائلون: بيزدان وأهرمن، وهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ (الأنعام ١٠٠)، أشركوا بالله، والقائلون: بأن المسيح ابن الله، والملائكة بناته، أشركوا أيضا بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء. إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يامحمد: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ مع أن هؤلاء الذين اتخذوا ربا غير الله تعالى، أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل، جعل المربوب شريكا للرب، وجعل العبد شريكا للمولى، وجعل المخلوق شريكًا للخالق؟. ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل، أن اتخاذ رب غير الله تعالى، قول فاسد، ودين باطل" (^١)
ومما ورد عن العلماء في تعريف التوحيد، وقيامه على اعتقاد وحدانية الله جل وعلا وتفرده بالخلق والملك والتدبير، ما يلي:
قال الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام ١٦٤)
"وهو سيد كل شيء دونه، ومدبره، ومصلحه" (^٢)
وقال الإمام الزجاج (^٣) في بيان الرب في هذه الآية:" أي هو ابتدع الأشياء كلها لايقدر أحد على ابتداع شيء منها" (^٤)
_________________
(١) «الرازي: مفاتيح الغيب:١٤/ ١٩٢
(٢) «الطبري: جامع البيان:١٢/ ٢٨٦
(٣) «الزجاج: ابراهيم بن السري: (٢٤١ هـ-ت ٣١١ هـ)،عالم بالنحو واللغة، ولد ومات في بغداد، له مؤلفات كثيرة منها: معاني القرآن، والاشتقاق، والأماني، الزركلي، الأعلام:١/ ٤٠
(٤) «الزجاج: ابراهيم بن السري، معاني القرآن وإعرابه: عالم الكتب- بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، (٢/ ٣١١)
[ ٧٤ ]
وقال الإمام القرطبي (^١) في تفسير الرب: " أي مالكه " (^٢)
وقال الإمام الرازي: "أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع" (^٣)
وقال الإمام ابن تيمية (^٤): " توحيد الربوبية: وأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه" (^٥)
وقد استدل الإمام السمعاني بصفات أفعال الله جل وعز على ربوبيته، واستحقاقه للألوهية. ولذا عرَّف السمعاني الربوبية القائمة على مقتضى هذه الصفات، الموجبة لوحدانيته، فأثبت ربوبية الله تعالى على خلقه بأنه:
١. الملك والمالك والمليك الذي بيده ملك كل شيء.
٢. والخالق والخلاق لكل شيء.
٣. والمدبر المتصرف في جميع الأمور، على وفق الحكمة الإلهية.
٤. والذي بيده الضر والنفع، والإعطاء والمنع.
٥. وأنه المتفرد بالإيجاد والإفناء، والبعث والإحياء.
٦. وأنه المتفرد برزق كل المخلوقات، والمُسهِّل لأرزاقهم.
وهذه كلها مقتضيات ربوبية الله - ﷿ -، وشواهد وحدانيته، ودلائل إلاهيته.
فإبراهيم الخليل ذكر بعض دلائل ربوبية الباري جل وعلا، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ (الشعراء ٧٧ - ٨٢).
_________________
(١) «القرطبي: محمد بن أحمد: من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق، واستقر في منية ابن خصيب شمالي اسيوط مصر، وتوفي فيها، من كتبه، الجامع لأحكام القرآن، الزركلي: الأعلام:٥/ ٣٢٢
(٢) «القرطبي: محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن: دار الكتب المصرية- القاهرة، ط ٣،١٣٨٤ هـ. (٧/ ١٥٥)
(٣) «الرازي: مفاتيح الغيب:٢٧/ ٤٩١
(٤) «ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم الحراني، الإمام وشيخ الإسلام. (٦٦١ هـ-ت ٧٢٨ هـ)، كان آية في التفسير والأقوال، فصيح اللسان، قلمه ولسانه متقاربان، له مؤلفات كثيرة منها: منهاج السنة وغيرها، الزركلي، الأعلام:١/ ١٤٤
(٥) «ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم: الاستقامة، جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة، ط ١، ١٤٠٣ هـ. (١/ ١٧٩)
[ ٧٥ ]
يقول الإمام السمعاني في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء ٨٠)
وقوله:" وإذا مرضت"هو استعمال أدب، وإلا فالممرض والشافي هو الله تعالى بإجماع أهل الدين " (^١).
وربوبية الله تعالى شاملة لكل الخلائق، قال جل وعلا: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (القصص ٣٠)، قال السمعاني: "أي رب الجن، والإنس، والملائكة، والخلائق أجمعين " (^٢)
وبإستقراء كلام السمعاني نجد أنه أشار إلى أن هذه الأمور هي من مقتضيات الربوبية التي تستلزم الألوهية، ومن أمثلتها:
١. في قوله جل وعلا: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة ١٧)، يقول: فيه إشارة إلى أن المستحق للألوهية من له ملك السموات، ومن له هذه القدرة فإياه فاعبدوا " (^٣).
٢. وفي قوله جل وعلا: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون ٨٤ - ٨٩)، فأشار الإمام السمعاني في قوله: (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) إلى مقتضى ربوبيته وهي تمام ملكه، ولذا يقول جل وعز: (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي تتعظون، (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) أي تحذرون، (فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي تخدعون، وقيل تصرفون عن الحق (^٤)، أي بعد ظهور دلائله وشواهده.
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٣
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٣٧
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٢٤
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٤٨٧
[ ٧٦ ]
٣. وفي قوله ﷾: ﴿وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء ١٣١ - ١٣٢) يشير الإمام السمعاني إلى التلازم بين نوعي التوحيد، وذلك أن مافي السماوات ومافي الأرض لله ملكا وخلقا وتدبيرا، وهذا يقتضي أن يطلب الإنسان حاجاته ممن يملكها، وينزل فاقته بمن يعرفها، وفي هذا يقول السمعاني: (فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا)، فاطلبوا منه ما تطلبون. وأما الثالث فيقول: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي اتخذوه وكيلا ولاتتكلوا على غيره" (^١)
٤. وفي قوله تعالى: ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد ١٦)، يقرر الإمام السمعاني كذلك التلازم بين نوعي التوحيد، وأن من أقر بالربوبية وبمقتضياتها من الإنفراد في الملك والخلق والتدبير، لزمه الإقرار بألوهيته وإفراده فيها فيقول: " وقوله تعالى: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ) يعني: أجعلوا لله شركاء، (خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ) أي اشتبه كماخلقوه بما خلقه الله، ومعنى الآية: أنهم كما عرفوا أن الأصنام لاتخلق كخلق الله، فلا ينبغي أن تعبد كعبادة الله" (^٢)
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٨٨
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٨٧
[ ٧٧ ]
٥. وفي قوله جل في علاه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾ (الشعراء ٢٣ - ٢٤)، لفتة لطيفة، وعلاقة وطيدة، بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، فإن موسى - ﵇ - حين سأل عن الرب جلَّ وعلا، دل عليه بمخلوقاته، فمن نظر فيها وتأمل أدرك، ولذا يقول السمعاني:" ومعنى قوله: (إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) هاهنا أنكم كما توقنون الأشياء التي تعاينونها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى" (^١).
٦. وفي قوله ﷾: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يشير الإمام السمعاني إلى معنى التدبير، الذي هو من مقتضيات ربوبية الله جل وعلا، فيقول:" التدبير من الله تعالى: فعل الأشياء على ما يوجب الحكمة" (^٢).
وذكر الشيخ السمعاني أن الله جل وعلا، منفرد في التدبير والتصريف لهذا الكون؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (الأنبياء ٢٢)،فإذا كان الإله اثنين، حصل فساد في السماء والأرض.
يقول السمعاني:" ومعنى الفساد في السماء والأرض إذا كان الإله اثنين، هو فساد التدبير، وعدم انتظام الأمور، بوقوع المنازعة والمضادة، وهو أيضا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣) (المؤمنون ٩١)، وقد ربط السمعاني بين (التدبير والحكمة) في تفسيره لمعنى اسم الله الحكيم، فيقول في بعض تلك المواطن، كما في تفسير قوله تعالى:
﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (الفتح ٧)، "منيعا في النصر، حكيما في التدبير" (^٤)،وقال في موطن آخر في قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الذاريات ٣٠)، " أي الحكيم فيما يدبر" (^٥).
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ٤٣
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٧٦
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٧٤
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ١٩٣
(٥) «السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٢٥٨
[ ٧٨ ]
وقد أشار السمعاني إلى أن الخلق مقرون بالحكمة والتدبير، وكل هذه من مقتضيات ربوبية الله تعالى، فيقول في حكمة خلق السموات والأرض في ستة أيام، مع أن الله تعالى قادر على خلقها في طرفة عين: " لأن خلقها على التأني أدل على الحكمة، فخلقها على التأني؛ ليكون أدل على حكمته، ولطف تدبيره " (^١).
وأشار أيضًا إلى أن التدبير يأتي بمعنى القضاء، كما في قوله تعالى: " وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ " (يونس ٣١)، " ومن يقضي الأمر " (^٢).
وهل يخالف ما أشرنا إليه من تفرد الله تعالى بالملك، والخلق، والتدبير، ما أُضيف إلى بعض المخلوقات من مقتضيات هذه الأمور؟!
لا يخالف ذلك تفرد الباري جل وعلا بمقتضيات ربوبيته في خلقه، وملكه، وتدبيره، ما يُضاف إلى بعض مخلوقاته، فالله جل وعلا، يُؤتي ملكه من يشاء، كما قال تعالى: " قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ " (آل عمران ٢٦)، وقال سبحانه عن طالوت: " وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " (البقرة ٢٤٧ - ٢٤٨)
فإن ملك البشر مقيد محدود، وملك الخالق شامل كامل تام لكل شيء في الدنيا والآخرة، ولذا يُقال يوم القيامة: " الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ " (الفرقان ٢٦)
وأشار السمعاني من نصوص السنة على ما يدل على ذلك، ففي رواية ابن عمر عن النبي ﷺ: " إن الله يقبض الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " (^٣)
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ١٨٨
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٢/ ٣٨١
(٣) «أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، دار طوق النجاة، ط ١، ١٤٢٢ هـ ح (٤٨١٢).
[ ٧٩ ]
قال السمعاني في قوله تعالى: " يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) " (غافر ١٦): " قال ابن عباس: يقول الله تعالى هذا حين تفنى الخلائق، ولا يكون أحد يجيبه، فيجيب نفسه بنفسه، ويقول: لله الواحد القهار " (^١).
ويقول في تفسير قوله تعالى: " وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِي " (فصلت ٤٧)، " وفي التفسير: أن الله تعالى يقول: أين الملوك؟ أين الجبابرة؟ أين الآلهة؟، أنا الرب لا رب غيري، وأنا الله، لا إله غيري، أنا الملك، لا ملك غيري " (^٢).
فملك الله تعالى تام شامل، ولذا قال: " مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " مع أنه مالك الأيام كلها، " وخصّه لأن الأمر في القيامة يخلص له، كما قال: " وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ (١٩) " (الانفطار ١٩)، وأما في الدنيا: للملوك أمر، وللمسلمين أمر، وللأنبياء أمر " (^٣)
وأما الخالقية المحضة التي يُراد بها الخلق من العدم، فهذا مما انفرد به الرب تعالى، فهو الخالق، البارئ، المصوِّر، فاطر السموات والأرض، بخلاف غيره من المخلوقات، وإن نسبت إليهم صفة الخالقية، فهي خالقية ناقصة، فيها تحويل مادة إلى مادة، مع أن خالق المادة وعملك هو الله جل في علاه.
وفي هذا يقول الإمام السمعاني: " فإن قيل: قد قال: " وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا "، وقال في موضع آخر: " هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ "، أي: لا خالق غير الله، فكيف وجه التوفيق بين الآيتين؟! والجواب عنه: أن الخلق بمعنى التقدير هاهنا " (^٤).
_________________
(١) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ١١
(٢) «السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٥٨
(٣) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٣٧
(٤) «السمعاني: تفسير القرآن: ٤/ ١٧٣
[ ٨٠ ]
وأما تدبير الخلائق فهو من خصائص الله جلا وعلا، وماجاء في قوله تعالى: " فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) " (النازعات ٥)، فإن قيل: هي الملائكة، فمعنى التدبير، هو ما جعل الله إليها من الأمور، وإن قيل: هي النجوم، فيجوز أن يُعَلِّق الله تعالى على مطالعها ومغاربها وسيرها أشياء، وأضاف التدبير إليها على طريق المجاز " (^١).
وما ذكره السمعاني، هو ما أجاب به الإمام علي بن أبي طالب ﵁، حين سأله ابن الكوَّاء عن المدبرات أمرًا، فقال: الملائكة يدبرون ذكر الرحمن وأمره " (^٢).
إذن: فالسمعاني متوافق في تفسيره لمعنى الرب لتفسير السلف ولم يخرج عن مقتضى النص القرآني، وهو المنصوص عليه عند علماء اللغة والشرع. ويُعد تفسير كلمة الرب في القرآن الكريم من باب تفسير القرآن بالقرآن، فقد قال جل وعلا: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل الأرض فراشا والسماء بماء ) (البقرة ٢١ - ٢٢)، فذكر في الآية مقتضيات ربوبيته من الخلق والملك والتدبير، بالتضمن والالتزام.