هذه المسألة من المسائل التي طال بحثها، وكثر نقاشها، فهي مسألة طويلة الذيل، قليل النيل، قال الإمام الطبري: " وأما القول في الاسم: أهو المسمى أم غير المسمى؟ فإنه من الحماقات الحادثة، التي لا أثر فيها فيتبع، ولا قول من إمام فيسمع، فالخوض فيها شين، والصمت عنها زين. وحسب امرئ من العلم به، والقول فيه، أن ينتهي إلى قول الله ﷿ ثناؤه، الصادق، وهو قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، ويعلم أن ربه، هو الذي على العرش استوى، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦]، فمن تجاوز ذلك، فقد خاب وخسر، وضل وهلك " (^٢).
وأهل السنة المتقدمون لم يتحدثوا عن هذه المسألة، إلا أنه لما ذاع وشاع عن الجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن انحرفوا في هذا الباب، وقالوا: إن الاسم غير المسمى، وكانوا يقصدون إلى معنى فاسد، تصدى لهم أهل السنة بالرد والبيان.
_________________
(١) الزجاج: اشتقاق أسماء الله، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢، ١٤٠٦ هـ
(٢) الطبري: صريح السنة: دار الخلفاء، الكويت، ط ١، ١٤٠٥ هـ (٢٦)
[ ٣١٣ ]
ونقل الإمام ابن تيمية، عن الإمام ابن خفيف، أن القول في الاسم والمسمى بدعة (^١)، وفي جزء امتحان السني من البدعي: " يُسأل: عن الاسم هل هو المسمى أم غيره؟ فإن قال: الاسم للمسمى، أو علم دل على المسمى، أوصفة للمسمى فهو سني، وإن قال: غير المسمى، فهو معتزلي " (^٢).
وقبل ذكر رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، أُشير إلى بعض القضايا المهمة التي تُؤصل لهذه المسألة:
١ - أن هذه المسألة فرع عن مسألة أخرى كبرى، تولى كبرها الجهمية والمعتزلة، وذلك حين شاع عنهم القول: بأن أسماء الله تعالى مخلوقة، وهؤلاء الذين كان العلماء يُغلظون القول فيهم، ويحذرون منهم، وكانوا يُطلقون على من يقول: الاسم غير المسمى زنديقًا؛ بناء على أن الأسماء مخلوقة، وأن الله لم يسم نفسه، ولم يتكلم بها حقيقة، وإنما خلقها في غيره، أو سماه بها بعض خلقه. (^٣)
٢ - أن مرد هذه المسألة، إلى صفة الكلام لله جل وعلا، فبينهما ارتباط وثيق، يقول الإمام ابن تيمية: " إن القول في أسماء الله، هو نوع من القول في كلام الله " (^٤)، فمن أثبت صفة الكلام على حقيقتها، وأن الله جل وعلا يتكلم بحرف وصوت، ويتكلم كيف شاء، ومتى شاء، أثبت أن الله تعالى هو الذي سمَّى نفسه، وتكلم بها حقيقة، وأنها غير مخلوقة، وليست من وضع البشر.
ومن أنكر قيام الصفات بالله تعالى، وقال: إن كلامه مخلوق، خلقه خارجًا عن ذاته، وأنه خلقه في بعض الأجسام، وابتداؤه من ذلك الجسم لا من الله، كما هو قول الجهمية والمعتزلة، طرد مذهبه، وقال: إن أسماءه مخلوقة، لكن هم عبروا بأن الاسم غير المسمى من جهة احتمالها في اللغة؛ تلبيسًا على الناس، وإن كانوا يقصدون إلى ما ذكرناه، ولذلك كانت هذه اللفظة محتملة للحق والباطل.
_________________
(١) ابن تيمية: الفتوى الحموية الكبرى، دار الصميعي، ط ٢، ١٤٢٥ هـ (٤٥٠)
(٢) الشيرازي: جزء فيه امتحان السني من البدعي، دار الإمام مالك، أبو ظبي، (٥٤١)
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦
[ ٣١٤ ]
وأما الأشاعرة والكلابية الذين نزعوا إلى أن الكلام الإلهي، صورة لا حقيقة له؛ لأنهم قالوا بالكلام النفسي، وأنه قديم قائم بالنفس، لازم له غير متعلق بمشيئته وقدرته، واختلفت بعد ذلك ألفاظهم، فقالت الكلابية: أن الحروف والصوت حكاية له دالة عليه، وهي مخلوقة، وقالت الأشاعرة والماتريدية: هي صفة قديمة قدم الذات الإلهية، وأنه واحد لا يتجزأ ولا يتبعض، وأن الألفاظ عبارة عنه، وهي من المخلوقات، ولذا كان من نتاج هذا القول، أن الأسماء هي عين المسمى، ولذا وافقوا أهل السنة حين صرحوا، بأن الأسماء غير مخلوقة، ولكن لم يكن قصدهم هو مقصود أهل السنة فيما نزعوا إليه، بل كان مرادهم: أن الله بذاته غير مخلوق؛ لأن الاسم هو المسمى ذاته وعينه، هذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، ثم أطلقوا القول بأن التسميات مخلوقة، والتسميات عندهم هي الأسماء، كالعليم، والعزيز، وبذلك وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى. (^١)
٣ - أن النزاع فيه هذه المسألة، اشتهر بعد الأئمة، بعد أحمد وغيره. وإنما الذي كان معروفًا عن أئمة السنة، الإنكار على الجهمية، الذين يقولون: أسماء الله مخلوقة، فنُقل عن الإمام أحمد، أنه قيل له: إن رجلًا قال: إن أسماء الله مخلوقة، والقرآن مخلوق، فقال: كفر بيِّن (^٢).
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٢
(٢) النشار والطالبي: عقائد السلف: منشأة المعارف، الاسكندرية، (١٠٤)
[ ٣١٥ ]
وقال الإمام الشافعي: " من حلف باسم من أسماء الله فحنث، فعليه الكفارة؛ لأن اسم الله غير مخلوق " (^١)، وقول الجهمية ضلال، ووجهه ما يلي: قال تعالى: " وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا " (النساء ٣٦)، ومن أعظم الشرك أن يُقال: إن العبادة لاسمه، واسمه مخلوق، وقد أمر بالعبادة للمخلوق " (^٢)، ولذا قال الإمام عثمان بن سعيد (^٣) في نقضه لمفتريات بشر المريسي (^٤)، " ففي هذه الدعوى، استجهال الخالق، إذ كان بزعمه هملًا لا يُدرى ما اسمه، وماهو، وما صفته " (^٥).
٤ - مذهب أهل السنة عمومًا، مخالف لمذهب الجهمية والمعتزلة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله الذي سمى نفسه بأسمائه الحسنى، وتكلم بها حقيقة، وهي غير مخلوقة، وليست من وضع البشر " (^٦). واستدلوا لذلك بأدلة، سردها اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (^٧)، منها:
١ - قول النبي ﷺ: " ما أصاب عبدًا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم أني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك " (^٨)
_________________
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٤٢، السُّبكي: طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٣٠٣
(٢) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: دار طيبة، السعودية، ط ٨، ١٤٢٣ هـ (٢/ ٢٣٠)
(٣) عثمان بن سعيد الدارمي، (٢٠٠ هـ - ت ٢٨٠ هـ)، محدث هراة، له تصانيف في الرد على الجهمية. الزركلي: الأعلام: ٤/ ٢٠٥
(٤) بشر المريسي، فقيه، معتزلي، عارف بالفلسفة، رُمي بالزندقة، قال برأي الجهمية، من أهل بغداد، توفي سنة ٢١٨ هـ. الزركلي: الأعلام: ٢/ ٥٥.
(٥) الدارمي: نقض الإمام عثمان بن سعيد على المريسي: مكتبة الرشد، ط ١،١٤١٨ هـ (١/ ١٥٩)
(٦) محمد التميمي: معتقد أهل السنة في أسماء الله تعالى: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤٢٩ هـ (٢٦٦).
(٧) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٢٣٠، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم لبعضها.
(٨) أخرجه أحمد في المسند، في مسند عبدالله بن مسعود، ح (٣٧١٢)، انظر: ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٦
[ ٣١٦ ]
٢ - أن أسماء الله تعالى من كلامه، وكلامه تعالى غير مخلوق، فأسماؤه غير مخلوقة. (^١)
٣ - أن الله تعالى يُسأل بهذه الأسماء، فلو كانت مخلوقة لم يجز أن يُسأل بها. (^٢)
٤ - أن اليمين بهذه الأسماء منعقدة، ولو كانت الأسماء مخلوقة لما جاز الحلف بها؛ لأن الحلف بغير الله شرك. (^٣)
٥ - أن أسماء الله تعالى مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة به، فأسماؤها غير مخلوقة. (^٤)
٦ - أن المذاهب المحكية في هذه المسألة كثيرة، وهي كالآتي:
أ - أن الاسم للمسمى، وهذا قول أكثر أهل السنة، كما حكاه الإمام ابن تيمية. (^٥)
ب - أن الاسم من المسمى، نقله اللالكائي عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني. (^٦)
ويقول الإمام ابن تيمية:" كان في كلام الإمام أحمد، أن هذا الاسم من أسمائه الحسنى، وتارة يقول: الأسماء الحسنى له ". (^٧)
" والمقصود أن الله هو المسمِّي نفسه بأسمائه الحسنى، وأن لها معاني دالة عليها، وهو يريد بذلك الرد على المعتزلة، في زعمهم: أن الصفات لا تقوم بالذات، وأن الأسماء لا تدل على الصفات " (^٨)
ج - أن الاسم هو المسمى، وهذا ما ذهب إليه الإمام السمعاني، وبعض أئمة أهل السنة، وهو ما سنناقشه.
د - التوقف في المسألة نفيًا وإثباتًا. (^٩)
هـ - أن الاسم غير المسمى، وهو قول الجهمية والمعتزلة، فهؤلاء غاية قولهم: إن الله سبحانه كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه اسمًا، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، وهذا من أعظم الضلالة، والإلحاد في أسماء الله تعالى. (^١٠)
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦
(٢) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٧
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٠
(٤) ابن القيم: شفاء العليل: ٢٧٧
(٥) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٦
(٦) اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة: ٢/ ٢١٢
(٧) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٨
(٨) التميمي: معتقد أهل السنة في الأسماء الحسنى: ٢٨٨
(٩) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٧
(١٠) ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية: ٨٢
[ ٣١٧ ]
و- أن أسماء البارئ لا هي البارئ، ولا هي غيره، وهذا قول بعض الكلابية، وهو متفرع عن قولهم في الصفات، فابن كلاب كان يقول: إن أسماء الله وصفاته لذاته، لا هي الله، وهي غيره، وإنها قائمة بالله، ولا يجوز أن تقوم بالصفات صفات، وكان يقول: إن وجه الله لا هو الله، ولا هو غيره، وهو صفة له. (^١)
ز - ما نُقل عن الإمام أبي الحسن الأشعري: من أن الاسم قد يكون عين المسمى، نحو الله، فإنه اسم علم للذات، من غير اعتبار معنى فيه، وقد يكون غيره، نحو الخالق والرازق، مما يدل على نسبته إلى غيره، ولا شك أنها غيره، وقد يكون لا هو ولا غيره، كالعليم والقدير، مما يدل على صفة حقيقية. نقله عنه صاحب المواقف (^٢)، وقال الإمام ابن تيمية: " وهو المشهور عن أبي الحسن " (^٣)، ورد في كتاب الإبانة على من يقول بقول الجهمية، وذكر قول أهل الحق، فقال: " وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالًا " (^٤).
والذي يهمنا في هذا المقام، رأي الإمام السمعاني في هذه المسألة، وسبق أن أشرت إلى أن قوله فيها، موافق لقول بعض أهل السنة، في أن الاسم هو المسمى، يقول:
ـ " وقوله: " ذُو الْجَلَالِ " ينصرف إلى الاسم، وقوله: " ذِي الْجَلَالِ " ينصرف إلى الرب، والاسم والمسماة واحد عند أهل السنة " (^٥).
ـ " وقوله: " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " (الحاقة ٥٢)، أي: نزه ربك العظيم، واذكره بأوصافه المحمودة اللائقة. وفيه دليل على أن الاسم هو المسمى، ولا فرق بينهما " (^٦).
ـ " وقوله تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى " (الأعلى ١)، وفي قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى ". وقال الشاعر:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكم ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر
_________________
(١) الأشعري: مقالات الإسلاميين: ١/ ١٣٨ - ١٣٩، ٢/ ٣٩٩
(٢) الإيجي: المواقف: ٣/ ٣٠٢
(٣) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٨
(٤) الأشعري: الإبانة: دار الأنصار، القاهرة، ط ١، ١٣٩٧ هـ، (٢٢)
(٥) السمعاني: تفسير القرآن: ٥/ ٣٤٠
(٦) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٤٣
[ ٣١٨ ]
أي: ثم السلام عليكما " (^١).
وهذا هو خلاصة رأي السمعاني ﵀ في هذه المسألة، وقد نُسب هذا القول إلى جماعة من أهل العلم، يقول الإمام ابن تيمية: " والذين قالوا: الاسم هو المسمى، كثير من المنتسبين إلى السنة، مثل: أبي بكر عبدالعزيز، وأبي القاسم الطبري، واللالكائي، وأبي محمد البغوي وهو أحد قولي أصحاب أبي الحسن الأشعري، اختاره أبو بكر بن فورك وغيره" (^٢)، وهو قول أبي القاسم إسماعيل الأصبهاني (^٣)، وأبي نصر السجزي (^٤)، وقد حكى السجزي أن هذا هو منصوص بعض الأئمة، كالشافعي والأصمعي (^٥)، ولكن كلام هؤلاء الأئمة، هو رد وإنكار على الجهمية حين قالوا: إن أسماء الله مخلوقة، ولذا قال ابن تيمية: " ولم يعرف أيضًا عن أحد من السلف، أنه قال: الاسم هو المسمى " (^٦).
وقد شنع ابن حزم عليهم هذا القول، ورده، وبيَّن ما يترتب عليه من المفاسد، غير أنه مال إلى قول الجهمية والمعتزلة، فقال: " الاسم على المسمى، فيه شيء ثالث غير الاسم، وغير المسمى " (^٧).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ٦/ ٢٠٦
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٨
(٣) الأصبهاني: الحجة في بيان المحجة: ٢/ ١٦٩
(٤) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ٢٧٥
(٥) السجزي: رسالة السجزي إلى أهل زبيد: ٢٧٥
(٦) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٨٧
(٧) ابن حزم: الفِصل في الملل والنحل: ٥/ ٢٢
[ ٣١٩ ]
وهذا القول تعقبه كذلك الإمام ابن تيمية، وبيَّن منشأ الغلط فيه، فقال: " لو اقتصروا على أن أسماء الشيء، إذا ذكرت في الكلام فالمراد المسميات، كما ذكروه في قوله: " يا يحيى " ونحو ذلك، لكان ذلك معنى واضحًا، لا ينازعه فيه من فهمه، لكن لم يقتصروا على ذلك؛ ولذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم، لما في قولهم من الأمور الباطلة، مثل: دعواهم أن لفظ (اسم) الذي هو (ا س م)، معناه ذات الشيء ونفسه، وأن الأسماء التي هي الأسماء، مثل: زيد وعمرو، هي التسميات، ليست هي أسماء التسميات، وكلاهما باطل، مخالف لما يعلمه جميع الناس، من جميع الأمم ولما يقولونه. فإنهم يقولون: إن زيدًا وعمرًا ونحو ذلك، هي أسماء الناس، والتسمية: جعل الشيء اسمًا لغيره والاسم: هو القول الدال على المسمى، ليس الاسم الذي هو لفظ اسم هو المسمى، بل قد يُراد به المسمى؛ لأنه حكم عليه، ودليل عليه. وأيضًا: فهم تكلفوا هذا التكليف؛ ليقولوا: إن اسم الله غير مخلوق، ومرادهم أن الله غير مخلوق، وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة، فإن أولئك ما قالوا: الأسماء مخلوقة، إلا لما قال هؤلاء هي التسميات، فوافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، ووافقوا أهل السنة في اللفظ " (^١).
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٢
[ ٣٢٠ ]
ووضح الشيخ محمد رشيد رضا، منشأ الغلط كذلك فقال: " ومنشأ الاشتباه عند بعضهم: أن الله تعالى، أمرنا بذكره وتسبيحه في آيات، وبذكر اسمه وتسبيح اسمه في آيات أخرى رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى وإنما يذكر اللسان اسم الله تعالى، كما يذكر من الأشياء أسماءها دون ذوات مسمياتها، فإذا قال: نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه، وإذا قال الظمآن ماء، لا يحصل مسمى هذا اللفظ فينقع غلته " (^١)، وهذا الذي ذهب إليه يبيِّن أن الاسم غير المسمى بحسب الوضع اللغوي، وهو يقرر بعد ذلك منهج السلف في الإثبات. (^٢)
وقد استدل السمعاني على صحة قوله بأن الاسم هو المسمى بثلاثة أدلة:
١ - قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: " سبحان ربي الأعلى "، فهنا ذكر الاسم وأراد المسمى، فالاسم هو المسمى.
٢ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]، فقال: (ذُو الْجَلَالِ): ينصرف إلى الاسم، و(ذِي الْجَلَالِ) ينصرف إلى الرب، فالاسم والمسماة واحد.
٣ - قول الشاعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ) أي: ثم السلام عليكما. وهناك أدلة أخرى استدل بها أصحاب هذا القول، غير ما ذكره السمعاني، وليس هذا مجال ذكرها، ولكن يهمنا ما ذكره السمعاني، واستدل به.
وقد تعقب الإمام ابن تيمية هذا الأدلة، ورد عليها، وبيَّن أنه خِلاف المقصود، بل هي حجة عليهم لا لهم. وأوجه التعقب ما يلي:
١ - استدلاله بقول تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، وفي قراءة أبي: (سبحان ربي الأعلى):
_________________
(١) محمد رشيد رضا: تفسير المنار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠ م، (١/ ٣٥)
(٢) انظر: تامر محمد متولي: منهج الشيخ رشيد رضا في العقيدة: دار ماجد عسيري، ط ١، ١٤٢٥ هـ، (٣٤٦).
[ ٣٢١ ]
فإن المقصود منها كما قال الإمام الطبري: " معناه: نزه اسم ربك أن تدعو به الآلهة والأوثان، لما ذكرت الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة، أنهم كانوا إذا قرأوا ذلك، قالوا: سبحان ربي الأعلى، فبيَّن بذلك أن معناه كان عندهم معلومًا، عظم اسم ربك ونزهه " (^١).
ومع ذلك فقد فُسِّرت الآية بأقوال أخرى، تنقض وجه استدلاله:
أ - أن (الاسم) في الآية صلة زائدة، والمراد: سبح ربك، وإذا قيل به، بطل قوله، بأن مدلول لفظ الاسم (ا - س - م) هو المسمى؛ لأنه لو كان مدلولًا له، لم يكن صلة. ومن قال بأنه هو المسمى، وهو صلة، فقد تناقض؛ لأن من قال له صلة، لا يجعل له معنى.
ب - أن (الاسم) في الآية، ليس صلة، وإنما هو تسبيح الاسم نفسه، وهذا القول مناقض لقوله.
وأما قراءة أبي بن كعب، فتدل على أن تسبيح الاسم هو تسبيح المسمى، لكن الذي يقول: سبحان الله، وسبحان ربنا، إنما نطق بالاسم، الذي هو (الله) والذي هو (ربنا)، فتسبيحه إنما وقع على الاسم، ولكن مراده هو المسمى، فهذا يُبيِّن أنه ينطق باسم المسمى، والمراد المسمى، لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذي هو (ا - س - م) يراد به المسمى، ولكن يدل على أن أسماء الله في نفسها ليست هي المسمى، لكن يُراد بها المسمى. (^٢)
٢ - استدلاله بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٧٨]: يُرد عليه من جهتين:
أ - أن " تبارك " تفاعل من البركة، والمعنى أن البركة تُكتسب وتُنال بذكر اسمه، فلو كان لفظ الاسم، معناه المسمى، لكان يكفي قوله " تبارك ربك "، فإن نفس الاسم عندهم هو نفس الرب، فكان هذا تكريرًا.
_________________
(١) الطبري: جامع البيان: ٢٤/ ٣٦٨
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ١٩٣
[ ٣٢٢ ]
ب - قول من قال: إن ذكر الاسم هنا صلة، والمراد: تبارك ربك، وليس المراد الإخبار عن اسمه بأنه تبارك، فهذا غلط؛ فإنه على هذا يكون قول المصلي: " تبارك اسمك " أي: تباركت أنت، ونفس أسماء الرب لا بركة فيها. ومعلوم أن نفس أسمائه مباركة، وبركتها من جهة دلالتها على المسمى، ولهذا فَرَّقت الشريعة، بين ما يُذكر اسم الله عليه، مالا يُذكر اسم الله عليه. (^١)
٣ - استدلاله ببيت من الشعر: (إلى الحول ثم اسم السلام عليكما )، وأنه أراد باسم السلام، نفس السلام، فصار الاسم هو المسمى، فيقال: ما ذُكر من قول لبيد مراده: ثم النطق بهذا الاسم وذكره، وهو التسليم المقصود، وكأنه قال: ثم سلام عليكم، ليس مراده أن السلام يحصل عليهما، بدون أن ينطق به، ويذكر اسمه، فإن اسم السلام قول، فإن لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل. (^٢)
_________________
(١) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٢
(٢) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٢، وانظر التميمي: معتقد أهل السنة في أسماء الله الحسنى: ٢٩٤، وما بعده.
[ ٣٢٣ ]
والراجح في هذه المسألة - والعلم عند الله تعالى - هو قول من قال: إن الاسم للمسمى، مع ملاحظة ما أشرنا إليه من أن هذه مسألة حادثة، لولا وجود المخالف، لما خاض فيها العلماء (^١). وهذا القول هو الأوفق والألصق بالنصوص: يقول الإمام ابن تيمية:"وأما الذين يقولون: إن الاسم للمسمى، كما يقوله أكثر أهل السنة، فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة، والمعقول، قال الله تعالى: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى" (^٢). وقال النبي ﷺ: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأحمد، والماحي، والعاقب والحاشر) (^٣) " (^٤)
فهذا القول يقف مع النصوص، والمراد من قولهم: الاسم للمسمى، أن الاسم دال عليه، فيكون للمسمى نصيب من معنى اسمه، وقد لا يكون، أما أسماء الله تعالى، فكلها دالة على مدلولها مطابقة تامة، في أكمل صورها، وأتمها، وأحسنها.
_________________
(١) ولذا كان يشق على الإمام أحمد، ويعظم عليه الكلام في هذه المسألة ابتداء؛ لأنها حادثة. أبو يعلى: طبقات الحنابلة، مطبعة السنة المحمدية، مصر، (٢/ ٢٧٠)، ولذا قال الإمام الغزالي عن هذه المسألة:" الخلاف الطويل الذيل، القليل النيل "، المقصد الأسنى، الجابي، قبرص، ط ١، ١٤٠٧ هـ (٣١)، وقد تعقبه السُهيلي فقال بعد ذكر عبارته: " وليس الأمر عندي كما ذكر، بل فيها كثير لمن نظر واستبصر " انظر: نتائج الفكر في النحو: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ (٢٩)، وقال الزركشي: " ظن كثير من الناس: أن الخلاف في مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره، أنه لفظي لا يترتب عليه فائدة، والأمر ليس على هذا الظن " معنى لا إله إلا الله: ١٣٧
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب ما يجوز من الاشتراط، ح (٢٧٣٦)، وأخرجه مسلم في صحيحه، باب في أسماء الله تعالى، ح (٢٦٧٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب: في أسمائه، ح (٢٣٥٤)
(٤) ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٧
[ ٣٢٤ ]
واختلفت التعبيرات لهذا القول، فبعضهم يقول: الاسم للمسمى، وقال بعضهم. هو صفة للمسمى، وقال بعضهم: علم للمسمى، والجميع واحد (^١). ولذا أضاف الله تعالى الأسماء إليه بلام الاستحقاق، فقال: " وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى"، والشيء لا يضاف إلى نفسه (^٢). فالاسم للمسمى معلوم بأنه دليل وعلم عليه، لكن لا يُطلق القول بأن الاسم هو عين المسمى أو غيره، وإنما يستفصل منه، وهذا هو منشأ الخطأ والغلط، يقول ابن القيم: " منشأ الغلط في هذا الباب، من اطلاق ألفاظ مجملة، محتملة لمعنيين، صحيح وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها " (^٣)، فإذا قيل: أهو المسمى أم غيره فصلوا، فيقال:"الاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه تارة أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، أو سمع الله لمن حمده، ونحو ذلك، فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله، اسم عربي، والرحمن، اسم عربي، والرحمن من أسماء الله تعالى، ونحو ذلك، فالاسم هنا للمسمى، ولا يُقال غيره، لما في لفظ الغير من الإجمال، فإذا أريد بالمغايرة، أن اللفظ غير المعنى فحق، وإن أريد أن الله سبحانه، كان ولا اسم له، حتى خلق لنفسه أسماء، أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال، والإلحاد في أسماء الله تعالى " (^٤)، وكذا لما كان قول بعضهم: الاسم هو المسمى، يحتمل حقًا وباطلًا، كان لابُدَّ من الاستفصال، فإن أراد بالاسم الذات، وأراد أن ألفاظ أسماء الله مخلوقة، فهذا معنى باطل، وإن أراد أن الاسم غير المسمى، بمعنى الاسم لا ينفك عن المسمى، ولم يقل بخلق أسماء الله، فهو كلام حق.
_________________
(١) يحيى العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: أضواء السلف، الرياض، ط ١، ١٤١٩ هـ، (٢/ ٦٠٣)
(٢) يحيى العمراني: الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: ٢/ ٦٠٤
(٣) ابن القيم: بدائع الفوائد: ١٧
(٤) ابن أبي العز: شرح الطحاوية: ١٣١، ابن تيمية: مجموع الفتاوى: ٦/ ٢٠٧، ابن القيم: بدائع الفوائد: ١/ ١٧
[ ٣٢٥ ]
والحاصل: أن قول القائل: إن الاسم عين المسمى أو غير المسمى، إن صدر من إمام من أئمة السنة، فيُحمل قوله على المعنى الحق، وإن جرى على لسان إمام من أئمة أهل الكلام، فيُحمل على المعنى الباطل. (^١)