كل مُؤلِفٍ يسعى للكمال، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يجعل الكمال والعصمة في كتابه العزيز، ولذا لا يخلو مُؤلَّف من المؤلفات، من خطأٍ أو تقصير، " فقلما يخلو إنسان من نسيان، وقلم من طغيان " (^٢)، وما أجمل وأحسن قول من قال: " أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومه، إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر" (^٣).
_________________
(١) ينظر: استنباطات السمعاني في كتابه تفسير القرآن ومنهجه فيه، رسالة علمية مقدمة لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه، من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، لعام ١٤٣٢ هـ، للباحث: فهد القويفل.
(٢) أبو الفضل الميداني: مجمع الأمثال، دار المعرفة - بيروت، دون ذكر رقم الطبعة وتاريخها، (١/ ١).
(٣) حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، دار الكتب العلمية، ١٩٤١ م، (١/ ١٤).
[ ٤٦ ]
ولذا يأتي اللاحق، فيُكمل نقصا، أو يجمع متفرقا، أو يُفصِّل مجملا، أو يُهذب مطولا، أو يرتب مخلطا، أو يُعيّن مبهما، أو يبين خطأ. وهذا ليس فيه غض من حق أحد، أو تنقص له، أو إسفاف به، وإنما هذا شان علم البشر.
علما أن بعض هذه المآخذ هي محل نظر واجتهاد، كمن أشار إلى قلة عرضه للمسائل الفقهية، أو تقعيده لمنهج السلف في الاستدلال في العقائد، أو التوسع في التفسير في مقام دون آخر، فهذه وغيرها من المآخذ خاضعة للنظر والاجتهاد، فهي أمور نسبية، فقد تكون عند بعضهم مآخذ، وعند غيرهم ميزات.
ومن المآخذ التي أُخذت على تفسير السمعاني:
١ - ذكره للإسرائيليات، وإن كان هو قليلُ الأخذ بها بالنسبة لغيره من المفسرين.
٢ - إيراده لبعض الأحاديث الضعيفة دون التنبيه عليها.
[ ٤٧ ]
٣ - اعتماده كثيرا في النقل عن محمد بن الحسن النقاش (^١) المقرئ المفسر، وهو متكلم فيه.
_________________
(١) - هو محمد بن الحسن بن محمد بن زياد، المعروف بأبي بكر النقاش الموصلي الأصل البغدادي. عالم بالقرآن والتفسير، صنف تفسيرا أسماه: (شفاء الصدور)، وله الإشارة في غريب القرآن وغيرهما. اتهم بالكذب، فقال طلحة بن محمد بن جعفر: كان يكذب في الحديث، والغالب عليه القصص. ولكن تصدى لهذه الدعوى الحافظ ابن الصلاح، فقال:" وأما طلحة بن محمد فمعتزلي داعية مجروح فكيف يُرجع إليه في مثل هذا ويُعتمد؟ لا سيما في مثل النقاش على جلالته وشهرته بين أهل القرآن بما يُوجب طهارة ساحته " طبقات الفقهاء الشافعيين:١/ ١٤٢، ويجنح ابن الصلاح إلى أن ما ورد عن الأئمة في جرح النقاش لا يعدو أن يكون نسبة لرواية المناكير، فقال (١/ ١٤٢):" وما ذكرناه عن الحفاظ ليس فيه تكذيب، وليس فيه أكثر من أن نسبوه إلى رواية المناكير وما لا يثبت، وعنها وقع الذم لتفسيره ".وممن وثقه أبو عمرو الداني، جاء في الوافي بالوفيات (٢/ ٢٥٥):" قال الشيخ شمس الدين: وضح أن هذا الرجل مع جلالته ونبله متروك ليس بثقة، وأجود ما قيل فيه، قول أبي عمرو الداني: النقاش مقبول الشهادة "، ولذا قال الذهبي في السيّر (١٢/ ١٢٥):"قلت: قد اعتمد الداني في التيسير على رواياته للقراءات، فالله أعلم؛ فإن قلبي لا يسكن إليه، وهو عندي متهم، عفا الله عنه "، ويقول أيضا:"ولو تثبت في النقل، لصار شيخ الإسلام". فالناس منقسمون فيه، كما قال السبكي في طبقاته (٣/ ١٤٦):" وثقه أبو عمرو الداني وقبله وزكاه، وضعفه قوم مع الاتفاق على جلالته في العلم"، وممن نقده البرقاني، قال: كل حديث الناس مناكير، ليس في تفسيره حديث صحيح، وقال هبة الله اللالكائي: تفسير النقاش إشفاء للصدور، وليس شفاء للصدور، وقال الخطيب: وفي حديثه مناكير بأسانيد مشهورة .. انظر: ابن كثير: طبقات الشافعيين:٢٩٤، وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (٥/ ١٣٢):" ووهاه الدارقطني، وذكر ابن الجوزي أنه حدث عن ابن محمد بن صاعد فدلس جده، وقال: يحيى بن محمد بن عبد الملك، وذكر عنه حديثا موضوعا في فضل الحسين، لا أرى الآفة فيه إلا من النقاش "، وقال السيوطي في طبقات الحفاظ (٣٧١):"ومع جلالته فهو متروك الحديث، وحاله في القراءات أمثل ".
[ ٤٨ ]