الفوضى السياسية العارمة، التي عمت أرجاء المشرق والمغرب، كان لها أثر على الواقع والحال الاجتماعي في تلك الدول. فمع الاضطرابات السياسية: تكثر الحروب، والسرقات، وينتهز الوجهاء والأمراء الفرصة المواتية، للانقضاض على مقاليد السلطة والحكم، مما ينتج عن ذلك: إنفاق هائل للثروات، وهدر للأموال، وهذا بدوره يؤدي إلى فقدان الأمن المعيشي، والاهتزاز الاجتماعي، واضطراب الأمن في البلدان.
فالواقع الذي شهده التأريخ في القرن الخامس، كان مزريا، مليئا بالآلام. فعانت الأمم من توترات أمنية، ونقص معيشي حاد، أُزهقت بسببه الأرواح والمُهج.
ومما زاد الأمر سوءً أن العيارين (^٣)
_________________
(١) المرجع السابق: (١٢/ ١٣٠).
(٢) المرجع السابق: (١٢/ ١١١).
(٣) العيارون: يقول ابن الأنباري في: الزاهر في معاني كلام الناس: مؤسسة الرسالة -بيروت، ط ١ - ١٤١٢ هـ (١/ ١٥٣):" قال أهل اللغة: العيار معناه في كلامهم: الذي يخلي نفسه وهواها، ولا يردعها ولا يزجرها، وقالوا: هو مأخوذ من عارت الدابة: إذا انفلتت. وقال آخرون: الأصل في هذا أن يُقال: تعاير القوم، إذا ذكروا العار بينهم، ثم قيل لكل من تكلم بفحش قد تعاير ". وهذا الوصف إذا أُطلق في كتب التأريخ أُريد به الذم، وإن كان هذا اللفظ يُطلق ويُراد به الذم أو المدح، لكن في هذا المقام يُراد به ما يُرادف الرعاع والأوباش والطرارين، وهي فئة خارجة عن النظام والقانون، ويقوى ساعدهم، ويشد عودهم، أيام انحلال الدول، وضعف الأنظمة، وغياب القانون. ويترافق بظهورهم الفتن المذهبية، والقلاقل السياسية، والاضطرابات العنصرية. ينظر: مقال لمحمد سعيد رضا، من قسم التأريخ، كلية التربية، بغداد العراق، ٣١ أكتوبر ٢٠١٢، موقع إنسانيات الإلكتروني على الشبكة العنكبية.
[ ٢٤ ]
نشطوا في غيهم وفسادهم، وخرقوا هيبة السلطان، وأراقوا الدماء (^١)، بل كانوا على أشد الفجور، وأعظم الخطيئة، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة ٤٢٦ هـ: " ثم اشتد أمر العيارين، وكاشفوا بالإفطار في رمضان، وشرب الخمر، وارتكاب الفجور " (^٢).
وكان الأمر المؤلم لهذه الشعوب المقهورة، أن العيارين صاروا يأخذون أموالهم ليلا ونهارا، ولا مانع لهم؛ لأن السلطان كان عاجزا عن قهرهم، ولذا انتشروا في البلاد، فنهبوا النواحي، وقطعوا الطريق، وبلغوا إلى أطراف بغداد، حتى وصلوا إلى جامع المنصور، وأخذوا ثياب النساء في المقابر (^٣).
فعدم استقرار الأمن، هو نتيجة لما تمر به الدول من الفوضى السياسية، وأما فقدان الأمن المعيشي، فقد بلغ في هذه الأمة مبلغه، حتى لا يكاد المرء يُصدق ما يقرؤه.
فالغلاء الفاحش الذي أضر بالناس لم يستثن أحدا، فارتفعت الأسعار، وفشت الأوبئة، وصار أمر الناس في عُسر.
ففي بدايات هذا القرن الذي نتحدث عنه، " اشتد الغلاء بخراسان جميعها، وعُدِمَ القوت، حتى أكل الناس بعضهم بعضا. فكان إنسان يصيح: الخبز الخبز ويموت، ثم تبعه وباء عظيم، حتى عجز الناس عن دفن الموتى " (^٤).
وفي منتصف هذا القرن، كان الغلاء والوباء عاما في البلاد جميعها: مكة، والعراق، والموصل، والجزيرة، والشام، ومصر، وغيرها من البلاد (^٥).
وفي أواخر هذا القرن، عم الغلاء دامغان (^٦)، حتى شُوهد رجل يأكل كلبا مشويا في الجامع، وإنسان يُطاف به في الأسواق، وفي عنقه يد صبي قد ذبحه وأكله (^٧).
_________________
(١) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ١٧٠).
(٢) ابن الجوزي: المنتظم: (١٥/ ٢٤٦).
(٣) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: دار الكتاب العربي - بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هـ، (٧/ ٥٦٨)، ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ٤٤).
(٤) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: (٧/ ٥٧٣).
(٥) المرجع السابق: (٨/ ٧٤).
(٦) دامغان: بلد كبير بين الري ونيسابور. ينظر: الحموي: معجم البلدان: (١/ ٣٦٥).
(٧) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٦٦).
[ ٢٥ ]
ولازالت الأحداث والنكبات تتوالى على هذه الأمم إلى أن استبد بهم: غلاءٌ، وخوفٌ، ونهبٌ، وجوعٌ، ومرضٌ، وموتٌ، وفسادٌ، عم البلدان، يقول الإمام ابن الجوزي عن أحداث سنة ٤٤٨ هـ: " وعم هذا الوباء والغلاء، مكة، والحجاز، وديار بكر، والموصل، وبلاد الروم، وخراسان، والجبال، والدنيا كلها " (^١).
ونتج عن هذا الفساد والعبث، واختلاف السلاطين فيما بينهم: خوف منع الناس من القدوم إلى حج بيت الله الحرام. ونظرة واحدة لكتب التأريخ تُبيِّن مدى المعاناة، وحجم المأساة، التي كانوا يعيشونها، بسبب فقدان الأمن، وكثرة الفساد.
ومع أن الحال الاجتماعي كانت مزرية، إلا أنه كان يختلف سوءً من بلد لآخر، ومن زمن لآخر. ومع هذا القحط المعيشي، والجفاف الاجتماعي، نجد أن سلاطين الدولة السلجوقية، الذين عاصرهم الإمام السمعاني، كانوا على جانب من الصلاح ومراعاة أحوال الناس.
فقد أرسل الملك طغرلبك كتابا إلى جلال الدولة، يأمره بالإحسان إلى الرعايا، والوصاة بهم (^٢).وكان خَلَفَه ألب أرسلان، شفوقا على رعيته، رفيقا بالفقراء، يُغدق عليهم، ويتفقد أحوالهم (^٣). وهذا بدوره يعكس نوع اطمئنان عند الرعية.