كان الإمام السمعاني شغوفا بالعلم، حريصا عليه، مع ما وهبه الله تعالى من صفاء ذهن، وقوة حافظة، وهمة عالية، حتى إنه قال عن نفسه: (ما حفظت شيئا فنسيته) (^٣).
ومن تمام حرصه على تلقي العلم عن أهله، رحل مُيمما وجهه لبلاد العلم والعلماء بغداد، بعدما تفقه على علماء أهل بلده مرو، فقصد بغداد، فدخلها سنة ٤٦١ هـ، وزار العراقين، واجتمع بالشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وناظر ابن الصباغ (^٤). ثم رحل إلى الحجاز وصحب الإمام الزنجاني، وأبا علي الشافعي، وسمع منهما.
_________________
(١) أبو سعد السمعاني: عبدالكريم بن محمد بن منصور السمعاني الشافعي (٥٠٦ هـ - ت ٥٦٢ هـ)، محدث، حافظ، فقيه، نسابة، مؤرخ، مفسر، له تصانيف كثيرة منها: الأنساب، وتأريخ مرو. كحالة: معجم المؤلفين: (٦/ ٤).
(٢) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٣).
(٣) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٤).
(٤) ابن الصباغ: عبدالسيد بن محمد بن عبدالواحد، أبو نصر، (٤٠٠ هـ - ت ٤٧٧ هـ)، فقيه شافعي، من أهل بغداد، تولى التدريس بالمدرسة النظامية، من كتبه: الشامل والعدة في الأصول. الزركلي: الأعلام: (٤/ ١٠).
[ ٣٤ ]
وهنا بدأ الإمام السمعاني يُقلب النظر والفكر، حتى تحول من مذهبه الحنفي الذي كان يُناظر عنه ثلاثين سنة إلى المذهب الشافعي. فما أن عاد إلى مقر رأسه مرو، وأعلن انتقاله المذهبي، إلا وانقلب عليه الناس، واضطربوا بسبب ذلك اضطرابا شديدا، أدى لخروجه من مرو عام ٤٦٨ هـ إلى طوس (^١)، ثم إلى نيسابور (^٢).
_________________
(١) طوس: بضم أوله، وسين مهملة، مدينة معروفة، ما بين الري ونيسابور. البكري: معجم ما استعجم من البلاد والمواضع، عالم الكتب - بيروت، ط ٣ - ١٤٠٣ هـ، (٣/ ٨٩٨).
(٢) ابن الجوزي: المنتظم: (١٧/ ٣٧).
[ ٣٥ ]
ومرَّ أثناء خروجه ببعض البلدان التي أفاد من علمائها: فرحل إلى جرجان (^١)، ثم إلى أصبهان (^٢)، ثم إلى همذان (^٣)، ثم إلى قزوين (^٤)، ثم إلى الري (^٥)، وبعد أن استقرت الأمور في بلاده مرو رجع إليها، فأفاد وأصبح مرجعا للعلم وأهله.
_________________
(١) جرجان: مدينة جرجان على نهر الديلم، افتتحها سعيد بن عثمان في ولاية معاوية، ثم انغلقت وارتد أهلها عن الإسلام، حتى افتتحها يزيد بن المهلب في ولاية سليمان بن عبد الملك، وبها النخل الكثير، وأصناف ثياب الحرير. اليعقوبي: البلدان: دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٢٢ هـ، (٩٣)
(٢) أصبهان: مدينة معروفة من بلاد فارس، سميت بذلك؛ لأن أول من نزلها إصبهان بن فلوج، وقيل: سميت إصبهان؛ لأن إصبه بلسان الفرس: البلد، وهان: الفرس، فمعناه: بلد الفرسان. البكري: معجم ما استعجم من البلاد: (١/ ١٦٣).
(٣) همذان: مدينة مشهورة من مدن الجبال، لها رقعة واسعة، وهواء لطيف، وماء عذب، وتربة طيبة، افتتحت سنة ٢٣ هـ. اليعقوبي: البلدان: (٨٢)، القزويني: آثار البلاد: (٤٨٣).
(٤) قزوين: مدينة مشهورة، بينها وبين الري ٢٧ فرسخا، فتحها البراء بن عازب في عهد عثمان بن عفان، وينسب إلى قزوين خلق لا يحصون منهم: ابن ماجة القزويني صاحب السنن. الحموي: معجم البلدان: (٤/ ٣٤٢).
(٥) الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد، وأعلام المدن، كثيرة الخيرات، وافرة الغلات والثمرات، قديمة البناء. بناها راز بن خراسان؛ لأن النسبة إليها رازي، ينسب إليها الإمام محمد بن عمر الرازي. القزويني: آثار البلاد: (٣٧٥).
[ ٣٦ ]
ولذا كان الإمام السمعاني محلا لثناء العلماء عليه، لِما آتاه الله تعالى من الفقه والعلم والديانة، يقول ابن القيسراني (^١): "الإمام أبو المظفر السمعاني، صاحب السنة والفقه والعلوم " (^٢)، وقد انهالت عليه عبارات المدح والثناء، التي كان هو مستأهلا لها، فمما قيل عنه:
- " فقد كان بحرا في الوعظ، حافظا لكثير من الروايات والحكايات، والنكت، والأشعار، فظهر له القبول عند الخاص والعام " (^٣).
- " وكان إمام عصره بلا مخالف، أقر له بذلك الموافق والمخالف " (^٤).
- " وكانت له يد طولى في فنون كثيرة " (^٥).
- " الإمام، العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية " (^٦).
- " ويقول إمام الحرمين: لو كان الفقه ثوبا طاويا، لكان أبو المظفر السمعاني طِرازه، وقال أبو علي بن الصفار: إذا ناظرت أبا المظفر، فكأني أناظر رجلا من أئمة التابعين، مما أرى عليه من آثار الصالحين " (^٧).
ولذا فالإمام السمعاني بحق، وحيد عصره في وقته، فضلا، وطريقة، وزهدا، وورعا (^٨)، قال عنه الإمام السبكي (^٩): "الرفيع القدر، العظيم المحل، المشهور الذكر، أحد من طبق الأرض ذكره، وعبق الكون نشره " (^١٠).
_________________
(١) ابن القيسراني: محمد بن طاهر بن علي (٤٤٨ هـ - ت ٥٠٧ هـ)، رحالة، مؤرخ، من حفاظ الحديث، له كتب كثيرة منها: تأريخ أهل الشام، وتذكرة الموضوعات. الزركلي: الأعلام: (٦/ ١٧١)
(٢) ابن القيسراني: الأنساب المتفقة: (٢٠٠).
(٣) الذهبي: تأريخ الإسلام: (٣٣/ ٣٢٣).
(٤) اليافعي: مراءة الزمان: دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١ - ١٤١٧ هأ، (٣/ ١١٥).
(٥) ابن كثير: البداية والنهاية: (١٢/ ١٨٩).
(٦) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٥).
(٧) الذهبي: سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٧).
(٨) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٢).
(٩) السبكي: عبدالوهاب بن علي بن عبد الكافي، (٠٧٢٧ هـ - ت ٧٧١ هـ)، قاضي القضاة، المؤرخ، الباحث، كان طلق اللسان، قوي الحجة، انتهى إليه قضاء الشام وعزل، من مؤلفاته: جمع الجوامع. الزركلي: الأعلام: (٤/ ١٨٤).
(١٠) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٣٥).
[ ٣٧ ]