النتاج العلمي للإمام أبي المظفر السمعاني كان كثيرا، يشمل فنونا عديدة، إلا أنه لم يوجد له شي من المصنفات على المذهب الحنفي الذي تحول عنه (^١)، وإنما كان الكثير من مصنفاته على المذهب الشافعي، يقول ابن العماد (^٢):" وصنف في مذهب الشافعي كتبا كثيرة " (^٣).
يقول أبو سعد السمعاني عن مؤلفات جده:" صنف التفسير الحسن المليح، الذي استحسنه كل من طالعه، وأملى المجالس في الحديث، وتكلم على كل حديث بكلام مفيد، وصنف التصانيف في الحديث مثل: منهاج أهل السنة، والانتصار، والرد على القدرية وغيرها، وصنف في أصول الفقه القواطع، وهو مغن عما صنف في ذلك الفن، وفي الخلاف البرهان، وهو مشتمل على قريب من ألف مسألة خلافية، والأوساط، والمختصر الذي سار في الآفاق والأقطار الملقب بالاصطلام، ورد فيه على أبى زيد الدبوسي، وأجاب عن الأسرار التي جمعها، وكان فقيها مناظرا" (^٤).
فهذه المؤلفات وغيرها، كأماليه في الحديث (^٥)، والطبقات (^٦)، والرسالة القوامية (^٧) التي صنفها لنظام الملك في تقديم أدلة الإمامة، كلها تدل على سعة اطلاع ونظر هذا الإمام الفذ، وجودته في التصنيف، وقدرته على التأليف، علما أن بعض هذه الكتب في حكم المفقود.
وهنا أُشير إلى قضيتين:
الأولى: فيما يتعلق بتنظيم العلوم عند السمعاني:
فالعلم المختص لا يُدخل فيه غيره إلا لحاجة، وربما نبه على مثل ذلك.
_________________
(١) السبكي: طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٤).
(٢) ابن العماد: عبدالحي بن أحمد بن محمد (١٠٣٢ هـ - ت ١٠٨٩ هـ)، مؤرخ، فقيه، عالم بالأدب، له شذرات الذهب، مات في مكة حاجا. الزركلي: الأعلام: (٣/ ٢٩٠).
(٣) ابن العماد: شذرات الذهب: دار ابن كثير - دمشق، ط ١ - ١٤٠٦ هـ، (٥/ ٣٩٤).
(٤) السمعاني: الأنساب: (٧/ ٢٢٤).
(٥) أشار إليها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: (١٤/ ١٥٦).
(٦) أشار اليها العلامة ابن العماد في شذرات الذهب: (٥/ ٣٩٤).
(٧) أشار إليها الإمام السبكي في طبقات الشافعية: (٥/ ٣٤٦).
[ ٤٠ ]
ومن الأمثلة على ذلك: كتابه القواطع، خصصه لمسائل علم أصول الفقه، فتجده في أكثر من موطن منه، يُشير إلى بعض المسائل بأن متعلقها أبواب أصول الدين، وليس علم أصول الفقه، وإنما أشار إليها في هذا المقام لحاجة، ونادرا ما يطيل فيها، ومن النماذج:
- مسألة إمامة علي بن أبي طالب ﵁، وأنها منصوص عليها، فقد أشار إليها عرضا في باب المتواتر، ثم قال: والمسألة من باب أصول الدين، وليست من باب أصول الفقه، فتركنا الإطناب في ذلك (^١).
- وفي مسألة أول واجب على المكلف: بيَّن قول السلف وطريقتهم المباينة لطريقة المتكلمين، ثم قال: وهذا الكتاب (القواطع) إنما قصرناه على محض أصول الفقه، وليست هذه المسألة من باب أصول الفقه (^٢).
وكذلك يُشير السمعاني في كتابه القواطع والتفسير، إلى بعض المسائل التي محلها علم الفقه والخلافيات، فلا يطيل في ذكرها، ولا يسهب في بحث مسائلها، وهو بهذا يؤكد على قضية استقلالية العلم المختص في فن من الفنون.
الثانية: فيما يتعلق بترتيب كتبه زمنيا:
يُعد كتاب القواطع للسمعاني من الكتب المتأخرة في التصنيف لداه؛ فتجده كثيرا ما يُشير فيه إلى مصنفاته الأخرى، فقد أشار فيه: إلى كتاب الانتصار، والاصطلام، والبرهان، ومنهاج السنة.