بادئ ذي بدء، فإن الإمام السمعاني يقرر حقيقة ناصعة، وهو أن أمر التوحيد قد بُين ووضح على أتم وجه وأكمل بيان، يقول السمعاني في كتابه الانتصار:"وكان مما أُنزل إليه وأُمر بتبليغه أمر التوحيد وبيانه بطريقته، فلم يترك النبي ﷺ شيئا من أمور الدين وقواعده وأصوله وشرائعه وفصوله إلا بينه وبلغه على كماله وتمامه، ولم يُؤخر بيانه عن وقت الحاجة إليه" (^١).
وقرر الإمام السمعاني في تفسيره، أن لفظ الإيمان إذا أُطلق، فَيُراد به الإيمان بالله تعالى (^٢)، والإيمان بالله تعالى هو أشرف أقسام الإيمان وأنواعه، وأعظم درجاته، وأعلى مقاماته، وهو "رئيس أعمال القلوب" «^٣). و" الإيمان بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، هو أساس الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، وهو أوجب ما اكتسبته القلوب، وأدركته العقول" (^٤) ولذا كان أعظم ما يستبصر به القلب الإيمان بالله تعالى، فنور الإيمان من أعظم منن الله - ﷿ - وكراماته. (^٥)
_________________
(١) - السمعاني: الانتصار: ٧٠
(٢) «السمعاني: منصور بن محمد: تفسير القرآن، مدار الوطن للنشر: ط ٢،١٤٣٢ هـ، ت: أبي تميم ياسر بن ابراهيم، (٣/ ١٨٧)
(٣) «الرازي: محمد بن عمر: التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ٣ - ١٤٢٠ (١٣/ ٢٦)
(٤) العثيمين: محمد بن صالح، فتح رب البرية بتلخيص الحموية، دار الوطن للنشر، الرياض، (١٠)
(٥) التستري: سهل بن عبدالله: تفسير التستري، دار الكتب العلمية- بيروت، ط ١ -،١٤٢٣ هـ، (١/ ٥٠)
[ ٦٤ ]
وأُثر عن عمر بن عبدالعزيز أنه كتب كتابًا ضمنه قوله: (فإن عز الدين، وقوام الإسلام، الإيمان بالله ) (^١) والإيمان بالله تعالى، هو محل إجماع الأمم كلها، "فالنبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله والإقرار بربوبيته" (^٢) "والمسلمون سنيهم وبدعيهم متفقون على وجوب الإيمان بالله" (^٣) وهذا القول مما اتفقت عليه أقوال الأمة، وتطابقت عليه أراؤهم. (^٤) وإنما كان الإيمان بالله تعالى مقدما على غيره؛ لأنه أصل الإيمان بالشرائع، فمن لايعرف الله تعالى، استحال أن يعرف نبيًا أو كتابًا (^٥).
والإيمان بالله تعالى هو الغيب المطلق، وقد نقل السمعاني في تفسيره أن المراد بالغيب في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة ٣). هو الله تعالى (^٦). وهو الذي تفاضلت به الأنبياء على غيرهم، وهم إنما تفاضلوا فيما بينهم بالعلم به لابغيره من الأعمال. (^٧)
وقد فسر العلماء الإيمان بالله تعالى، بأنه علم ومعرفة وإقرار وعمل (^٨)، وأنه يدخل فيه الإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، وهذه كلها من لوازم الإيمان بالله تعالى (^٩).
_________________
(١) ابن أبي شيبة: عبدالله بن محمد، الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار، مكتبة الرشد، الرياض، ط ١، ١٤٠٩ هـ (١/ ٢٨٠)
(٢) ابن عطية: عبد الحق بن غالب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ - ١٤٢٢ هـ (٣/ ٨٢)
(٣) ابن تيمية: أحمد بن عبدالحليم: الإيمان، المكتب الإسلامي، الأردن، ط ٥، ١٤١٦ هـ (٢٨١)
(٤) المقدسي: عبدالغني بن عبد الواحد، الاقتصاد في الاعتقاد، مكتبة العلوم والحكمة، المدينة المنورة، ط ١، ١٤١٤ هـ (٧٨)
(٥) «الرازي: التفسير الكبير: ٤/ ٧٢
(٦) «السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ٤٣
(٧) «المناوي: عبدالرؤوف بن علي: فيض القدير شرح الجامع الصغير: المكتبة التجارية، مصر، ط ١، ١٣٥٦ هـ (٢/ ٢٦)
(٨) «ابن منده: محمد بن اسحاق: الإيمان، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢،١٤٠٦ هـ (٢٥٧) ابن ابي يعلى: محمد بن محمد: الاعتقاد، دار أطلس الخضراء، ط ١،١٤٢٣ هـ (٢٣)
(٩) «الرازي: التفسير الكبير:٢٩/ ٥١٩، ابن تيمية: الإيمان:١٣٢
[ ٦٥ ]
وهذا الركن العظيم يشتمل على عدة أشياء، عبَّر عنها العلماء بتعابير مختلفة ومؤداها واحد.
فقال بعضهم:" يشتمل على خمسة أقسام: معرفة الذات، والصفات، والأفعال، والأحكام، والأسماء" (^١).
وقال بعضهم: "فإن قيل: فما العمل الحاصل بالاعتقاد والإقرار؟ قيل: مجموع عدة أشياء:
أحدها: إثبات الباري - ﷿ -؛ ليقع به مفارقة التعطيل.
والثاني: إثبات وحدانيته؛ ليقع به البراءة من الشرك.
والثالث: إثبات أن وجود كل ماسواه، كان من قبل إبداعه واختراعه إياه؛ ليقع به البراءة من قول من يقول بالعلة والمعلول.
والرابع: إثبات أنه مدبر ماأبدع، ومصرفه على ماشاء؛ ليقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع، أو تدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة " (^٢).
وقال بعضهم: "وأصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده، في إثبات الإيمان به، ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعتقد العبد آنيَّته؛ ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل، الذين لا يثبتون صانعًا.
الثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا بذلك لمذاهب أهل الشرك، الذين أقروا بالصانع، وأشركوا معه في العبادة غيره.
الثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات، التي لايجوز إلا أن يكون موصوفًا بها، من العلم، والقدرة، والحكمة، وسائر ما وصف به نفسه في كتابه" (^٣)
وبهذه النقول عن العلماء في بيان هذا الركن العظيم، تبيِّن عدة أمور:
١ - أن الإيمان بالله تعالى، شامل لكل ما يستحقه الباري جل وعلا من الكمالات.
٢ - أنه يدخل فيه: الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأن ليس كمثله شيء (^٤).
_________________
(١) «الرازي: التفسير الكبير:٢٦/ ٤٤٢، ٧/ ١٠٨، ٣/ ٥٣٧
(٢) «الحليمي: مختصر كتاب المنهاج في شعب الإيمان، دار البشائر للطباعة والنشر، دمشق، ط ٦، ١٤٢٢ هـ، (٣٢)
(٣) «ابن بطة: عبيدالله بن محمد: الإبانة الكبرى: دار الراية للنشر، الرياض، ط ١، ١٤١٥ هـ، (٦/ ١٤٩)
(٤) «العيني: محمود بن أحمد: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: دار إحياء التراث العربي- بيروت: (١/ ٢٨)
[ ٦٦ ]
٣ - أن هذا التقسيم للتوحيد، ليس تقسيمًا حادثًا، بل هو مستفاد من استقراء النصوص الشرعية، كقوله تعالى: " رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا " (مريم ٦٥)، وهو منقول عن بعض الأكابر من العلماء تنصيصًا عليه، وإلا فهو مضمن في كلام غالب علماء السلف.
يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (^١): " وقد دَلَّ استقراء القرآن العظيم، على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته الثاني: توحيده جَلَّ وعلا في عبادته النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته " (^٢).
٤ - أن الإيمان بالله مقدم على بقية الأركان؛ لأنه الأصل، فإذا أطلق الإيمان بالله تعالى، دخل فيه الإيمان بتوابعه.
ولذا لما ذكر الله تعالى خصال البر في كتابه خصَّ ابتداء أركان الإيمان، فقدمها على أفعال الجوارح؛ تنبيها لشرفها عند الله جل وعلا، ولما ابتدأ بالأركان قدم الإيمان به ﷾، قال جل وعلا: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ﴾ (البقرة ١٧٧)
_________________
(١) «محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، مفسّر، مدرس من علماء شنقيط (موريتانيا)،ولد وتعلم بها، ولد عام ١٣٢٥ هـ، وتوفي سنة ١٣٩٣ هـ، من مؤلفاته: أضواء البيان، وآداب البحث والمناظرة. ينظر: الزركلي: خير الدين بن محمود: الأعلام: دار العلم للملايين، ط ١٥، ٢٠٠٢ م (٦/ ٤٥)
(٢) «الشنقيطي: محمد الأمين: أضواء البيان، دار الفكر للطباعة، بيروت،١٤١٥ هـ، (٣/ ١٧) وانظر: الخلف: سعود بن عبد العزيز: أصول مسائل العقيدة: ١٤٢٠ هـ، (١/ ٨٩)
[ ٦٧ ]
والسر في تخصيص هذه الأركان الخمسة؛ أنه يدخل تحتها كل مايجب الإيمان به، " فقد دخل تحت الإيمان بالله: معرفته بتوحيده، وعدله، وحكمته، ودخل تحت الإيمان باليوم الآخر: المعرفة بمايلزم من أحكام الثواب والعقاب والمعاد، إلى سائر مايتصل بذلك، ودخل تحت الملائكة: مايتصل بآدائهم الرسالة إلى النبي - ﷺ - ليؤديها إلينا، إلى غير ذلك مما يجب أن يُعلم من أحوال الملائكة، ودخل تحت الكتاب: القرآن، وجميع ما أنزل الله على أنبيائه، ودخل تحت النبيين الإيمان بنبوتهم وصحة شرائعهم، فثبت أنه لم يبق شيء مما يجب الإيمان به، إلا دخل تحت هذه الآية" (^١)
٥ - إن الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، قال رجل للإمام الشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال: مالا يُقبل عمل إلا به، قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله، هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًا. (^٢).
وقد ظهر اهتمام السمعاني بهذا الركن العظيم من عدة أمور:
أولا: إبراز مكانة هذا الركن العظيم، وبيان أن تحقيقه مفتقر إلى بيان أركانه وحقائقه ولوازمه.
ثانيا: أن تقرير السمعاني لمسائل هذا الركن يُعد ردا ضمنيا على المخالفين في هذا الباب، فقد جهد السمعاني للانتصار لمذهب السلف في هذا الباب وغيره، وهذا يتضح من جهة تقريره عدة مسائل مبنية على استقصاء النصوص، واتباع منهج السلف، وستظهر مفصلة في ثنايا هذا البحث، وهي:
- إثبات أن التوحيد أول واجب على المكلف.
- إثبات فطرية المعرفة.
- إثبات وجود الله تعالى بالطرق القرآنية المشتملة على الدلائل العقلية وغيرها.
_________________
(١) «الرازي: التفسير الكبير: ٥/ ٢١٥
(٢) «انظر ابن القيم: محمد بن أبي بكر: تهذيب سنن أبي داود، مطبوع ضمن عون المعبود، دار الكتب العلمية، ط ٢، ١٤١٥ هـ، (١٢/ ٢٩٣)
[ ٦٨ ]
- بيان التلازم بين أنواع التوحيد الثلاثة، وأنه لا يُغني أحدها عن الآخر؛ ويظهر هذا جليا من جهة تأصيله لمسألة الإقرار المعرفي للمشركين بربوبية الله تعالى، وأن هذه المعرفة المنفصلة عن التعبد والتأله لله وحده دون ما سواه، لا تنفع صاحبه، ولا تشفع له عند الله تعالى يوم القيامة، وقرر أن مقتضيات ربوبيته تعالى مستلزمة لألوهيته سبحانه.
- وتتبع بالنقض كل الأقوال الفاسدة المتعلقة بالرب جل وعلا، والتي حُكيت عن جهلة الأمم السابقة، وما عُرف من أقوال مشركي هذه الأمة، وهذا منه إثبات لانفراد الرب جل وعلا في ربوبيته.
وقد جرى السمعاني في تقرير هذه المسائل على طريقة السلف، بمنأى عن مناهج أهل الفلسفة والكلام، بل إنه أغلظ القول فيهم، وحذر من اتباع مناهجهم، والسير على طرائقهم؛ لأنها لا تُؤدي إلى حقيقة شرعية، بل هي طرائق مشوبة باللغط، مشوهة بالغلط، أُريد منها أن تكون خليطا بين طريقتين، ومزيجا بين فكرتين، فنشأ عنهما طريقا منحرفا، لا يقوى على رد قول المخالف، ولا على تقرير البين الواضح.