نهى الله عزوجل أهل الكتاب عن الغلو في الدين؛ لأنه من أسباب تضييع الشرائع، وخفاء الحق وظهور التفرق، فقال:" يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ" (النساء ١٧١)، فكان من أثار هذا الغلو، أن قصرت اليهود في حق عيسى، وجاوزت النصارى فيه الحد، حتى جعلته إلها معبودا من دون الله تعالى (^١).
وقد بين السمعاني هذا المصطلح من جه حَدِّه، ودليله، وخطورته.
أ/فأما حَّدُه فقال: الغلو: مجاوزة الحد (^٢)، وجَعَل الاستكبار عن العبادة هو نوع من الغلو، قال تعالى:" وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا" (النساء ١٧٢) يقول السمعاني: " أن الاستنكاف: هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار هو الغلو والتكبر من غير أنفه" (^٣)، وفسر العتو بالغلو، قال تعالى:" فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ" (الأعراف ٧٧)، يقول السمعاني: " العتو: الغلو في الباطل" (^٤).
وهذا الذي عَرَّف به السمعاني الغلو، هو ماتعارفته كتب اللغة والمعاجم، فقد نصت على هذا المعنى وتوارثته:
يقول الأزهري: " غلا في الدين، يغلوا غلوا: إذا جاوز الحد " (^٥).
ويقول ابن منظور: " أصل الغلاء: الارتفاع، ومجاوزة القدر في كل شيء، وغلا في الدين والأمر يغلو غلوا: جاوز حَدَّه" (^٦) ..
وبين ابن الأثير معناه من جهة أخرى فقال: "وقيل معناه: البحث عن مواطن الأشياء، والكشف عن عللها، وغوامض متعبداتها " (^٧).
ويقول الإمام ابن تيمية في تعريف الغلو: " مجاوزة الحد، بأن يزاد الشيء في حده، أو ذمه على مالايستحق ونحو ذلك " (^٨).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٥٦.
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٧.
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ١٩٤.
(٥) الأزهري: تهذيب اللغة:٨/ ١٩٠.
(٦) ابن منظور: لسان العرب ١٥/ ١٣١.
(٧) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث والأثر، المكتبة العلمية- بيروت،١٣٩٩ هـ' (٣/ ٣٨٢).
(٨) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم:١/ ٣٢٨.
[ ٢٣١ ]
ومن مسائل الفضل بن زياد: للإمام أحمد، أنه قال: كتبت إلى أبي عبدالله أسأله عن حديث ابن عباس: (إياكم والغلو)، مامعنى الغلو؟: فأتاني بالجواب: يغلو في كل شيء، في الحب والبغض (^١).
فدين الله تعالى وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، فمن جفا فقد فرَّط، ومن غلا فقد أفرط، فمن جفا عن كمال الامتثال، أو غلا وجاوز كمال الامتثال، فقد وافق هوى الشيطان، ولذا "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان: إما تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط من الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين: فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه: مضيع له هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد " (^٢).
ب/وأما دليله: فقد استدل السمعاني ببعض النصوص الواردة في السنة المؤيدة للقرآن، الناهية عن الوقوع في الغلو في الدين، ومجاوزة الحد فيه، فاستدل (^٣) بحديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو) (^٤)، يقول الإمام ابن القيم تعليقا على الحديث: "عام في جميع أنواع الغلو بين الاعتقاد والأعمال" (^٥)، وقد جاء في السنة المطهرة ما يوافق هذا المعنى ويعضده، فعن عبدالله ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثا (^٦).
قال ابن الجوزي: "التنطع: التعمق والغلو، والتكلف لما يؤمر به" (^٧).
_________________
(١) ابن القيم: بدائع الفوائد:٤/ ٩٦.
(٢) ابن القيم: مدارج السالكين: ٢/ ٤٦٤.
(٣) اخرجه ابن ماجه في سننه، باب قدر حصى الرمي، دار إحياء الكتب العربية، ح (٣٠٢٩) (١٠٠٨).
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥.
(٥) ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ١/ ٣٢٨.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب العل: باب هلك المتنطعون، ح (٢٦٧٠) ..
(٧) ابن الجوزي: غريب الحديث، دار الكتب العلمي-بيروت، ط ١،١٤٠٥ هـ، (٢/ ٤١٨)
[ ٢٣٢ ]
وقال ابن الأثير: "هم المتعمقون والمغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى حلوقهم، مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم اُستعمل في كل تعمق، قولا وفعلا" (^١).
وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك - ﵁ - يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - ﷺ - يسألون عن عبادة النبي - ﷺ - فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - ﷺ - قد غفر له كماتقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله - ﷺ - إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) (^٢)، وهنا يعلق الإمام ابن القيم فيقول: "والغلو نوعان: نوع يخرج صاحبه من كونه مطيعا، كمن زاد في الصلاة ركعة، أو صام الدهر مع أيام النهي، أو رمى الجمرات بالحجرات الكبار، التي يرمى بها في المنجنيق، أو سعى بين الصفا والمروة عشرًا، إلى نحو ذلك عمدا، وغلو يخاف منه الانقطاع والإستحسار، كقيام الليل كله، وسرد لصيام الدهر أجمع، بدون صوم أيام النهي، والجور على النفوس في العبادات والأوراد" (^٣).
ج/ وأما خطورته: فهو الذي أوقع اليهود والنصارى في الغلو في المسيح - ﵇ -، ولذا يقول السمعاني: "الغلو غير محمود في الدين" (^٤)، ويقول: "وهو مذموم وكذلك التقصير، ودين الله بين الغلو والتقصير" (^٥).
ويقول ابن القيم مبينا خطورة الغلو: "ومن أسباب عبادة الأصنام: الغلو في المخلوق، وإعطاؤه فوق منزلته، حتى جُعل فيه حظ من الإلهية، وشبهوه بالله سبحانه" (^٦).
_________________
(١) ابن الأثير: الآية:٥/ ٧٤
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح، ح (٥٠٦٣).
(٣) ابن القيم: مدارج السالكين:٢/ ٤٦٥
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٥٠٥
(٥) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٦٢
(٦) ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، مكتبة المعرف، الرياض، (٢/ ٢٢٦).
[ ٢٣٣ ]
ويقول الإمام ابن تيمية: "وكما أن الغلو في غير الرسول - ﷺ - فيه قدح في منصب الرسول، وما خصه الله به، وهو أحد أصلي الإسلام، فكذلك الغلو في غير الله، فيه قدح فيما يجب لله من الألوهية وفيما يستحق من صفاته، فمن غلا في البشر أو غيرهم، فجعلهم شركاء في الألوهية أو الربوبية فقد عدل بربه وأشرك به وجعل له ندًا " (^١) ..
والغلو في المخلوق درجات فيترقى إلى درجة الشرك، يقول ابن القيم في تعداد الكبائر: "ومنها الغلو في المخلوق حتى يتعدى به منزلته، وهذا قد يرتقي من الكبيرة إلى الشرك" (^٢).
والذي أمر الله جل وعلا به في هذا المقام: هو الاستقامة على شرعه، كما قال جل وعلا:" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ" (هود ١١٢)، يقول السمعاني: "معنى الاستقامة يعني: المداومة على موجب الأمر والنهي " (^٣)، ثم نهاه عن ا لطغيان فقال: " وَلَا تَطْغَوْا "، وقد ذكر السمعاني في توجيهها قولين: أحدهما: ولا تطغوا في الاستقامة يعني: لاتزيدوا على ما أمرت ونهيت، فتحرموا ما أحل الله، وتكلفوا أنفسكم مالم يشرعه الله، ولم يفعله الرسول وأصحابه، والمعنى الثاني: الطغيان: هو البطر لزيادة النعمة (^٤) ..
_________________
(١) ابن تيمية: جامع الرسائل:١/ ٢٧٥
(٢) ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ (٤/ ٣٠٩).
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٢.
(٤) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٤٦٤.
[ ٢٣٤ ]