وكان هذا من أسباب رد التوحيد الحق، قال تعالى:" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَايَهْتَدُونَ" (البقرة ٧٠)، إذن: كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم لايعقلون شيئا ولا يهتدون؟ وفي هذا نهي عن تقليد الآباء في الدين (^١).
وقال عن المشركين في قصة إبراهيم الخليل:" بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ" (الزخرف ٢٢)، يقول السمعاني:"" عَلَى أُمَّةٍ"أي: على ملة ودين، وقوله:" وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ"أي متبعون" (^٢)، ثم قال تعالى:" وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ" (الزخرف ٢٣)، يقول السمعاني: وفي الآيتين دليل على ذم التقليد، والرجوع إلى قول الآباء من غير حجة" (^٣)، وقال ابن الجوزي: "وفي هذه الآية إبطال القول بالتقليد" (^٤)، ويقول الرازي:" لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأن الله تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بطريق نقلي، ثم بَيَّن أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل" (^٥).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن: ١/ ١٦٧.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٩٧.
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:٥/ ٩٨.
(٤) ابن الجوزي: زاد المسير:٤/ ٧٥.
(٥) الرازي: مفاتيح الغيب:٢٧/ ٦٢٨.
[ ٢٣٨ ]
إذن: فتقليد الآباء داء قديم، حكاه الباري في كتابه في أكثر من موضع، وشاهده في قصة إبراهيم مع قومه لما دعاهم إلى توحيد الله تعالى، بم أجابوه حين قال لهم:" مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ" (الأنبياء ٥٢)،" قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ" (الأنبياء ٥٣)، معناه: وجدناهم كذلك فاتبعناهم (^١)، فرد عليهم خليل الرحمن قائلًا:" قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ" (الأنبياء ٥٤)، أي: في خطأ بيّن وفي خسران في عبادتها؛ لأنها جمادات لا تنفع ولا تضر ولا تعلم (^٢)، فهم اقتدوا بهم على طريق التقليد في عبادتها (^٣)،فلم تكن لهم حجة إلا صنيع آبائهم الضُلال (^٤).
والشاهد: أن المشركين: يسوغون شركهم بأسباب وهمية، وطرق واهية، وهي لاتقوم على أساس من برهان أو دليل أو حجة، وليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك، سوى تقليد الأسلاف بأنهم كانوا على دين وملة، ولكن تشابهت قلوب أهل الشرك وتقاربت مقالاتهم (^٥).
وهذا المقام وجد في قوم إبراهيم حكاه الله في القرآن في سورة أخرى، فهم يقولون تلك الحجة الباطلة، والمقالة الفاسدة:" قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ" (الشعراء ٧٤)، فهم أقروا واعترفوا أن هذه المعبودات لاتسمع أقوالا، ولا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا، وإنما فقط هو مجرد الاقتداء الفاسد، يقول السمعاني عن هذه الآية:"واستدل أهل العلم بهذا على أن التقليد لا يجوز" (^٦)
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٩.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:٣/ ٣٨٦ - القرطبي: الجامع لأحكام القرآن:١١/ ٢٩٦.
(٣) الواحدي: التفسير الوسيط:٢/ ٢٤١.
(٤) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٥/ ٣٤٨.
(٥) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٣/ ٢٢٤ بتصرف.
(٦) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم:٤/ ٥٢.
[ ٢٣٩ ]