وقد حكى الله جل وعز ما كان من الأمم السابقة، من التطير بأنبيائهم ﵈، قال تعالى حكاية لما قاله قوم صالح لنبيهم:" اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ " (النمل ٤٧)، وفي قصة موسى:" يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ" (الأعراف ١٣١)، وفي سورة يس (١٨):" إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ "والمعنى: تشاءمنا بكم.
وقال المشركون فيما حكى الله عنهم:" وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ" (النساء ٧٨)، يقول السمعاني:" " وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ"أي: بشؤمك، وذلك أن النبي - ﷺ - لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء، فقالت اليهود: مارأينا أشأم من هذا الرجل، منذ دخل ديارنا قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا، وذلك بلية للمسلمين (^١)، فرد الله افتراءهم فقال:" قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ" أي: الخصب والجدب، والنصر والهزيمة، كل من عند الله تعالى (^٢).
ولذا لما قال قوم موسى لموسى ماقالوا، رد الله عليهم فقال:" أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (الأعراف ١٣١)، أي: الشؤم والبركة، والخير والشر، كله من الله تعالى، وقيل معناه: الشؤم العظيم هو الذي لهم عندالله تعالى في الآخرة (^٣).
والطيرة من الأمور المحرمة، يقول السمعاني: " وأعلم أن الطيرة منهي عنها، وفي بعض الأخبار عن النبي - ﷺ -:لا عدوى ولا طيرة (^٤)، وعنه: أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة (^٥).
وقد كان أهل الجاهلية يتطيرون، وكان الرجل إذا خرج لحاجة فطار طائر، أو لقي شيئًا، أوسمع كلامًا، يتطير بذلك، إما في الامتناع من ذلك الفعل، أو في الدخول في ذلك الفعل، وقد قال بعض الشعراء شعرًا:
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٥٠.
(٢) السمعاني: تفسير القرآن:١/ ٤٥٠.
(٣) السمعاني: تفسير القرآن:٢/ ٢٠٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الجذام، ح (٥٧٠٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، باب الفأل، ح (٥٧٥٦).
[ ٢٥٧ ]
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الليل ما الله صانع " (^١).
وفي الحديث: (الطيرة شرك) (^٢)، وفي الآخر: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) (^٣)، وفي وجه كونها شركا، يقول الإمام النووي: "الطيرة شرك، أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، إذا عملوا بمقتضاها، معتقدين تأثيرها، فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرا في الفعل والإيجاد" (^٤)، فكأنهم أشركوه مع الله (^٥)، ولذا أبطل النبي - ﷺ - لأن يكون لشيء منها تأثير في اجتلاب ضرر أو نفع، واستحب الفأل بالكلمة الحسنة يسمعها، من ناحية حسن الظن بالله تعالى (^٦).
إذن: إنما كان النبي - ﷺ - يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك؛ ولأنها تجلب سوء الظن بالله تعالى.
ووجه الشرك فيها: أن من اعتقد فيها ما كانت الجاهلية تعتقده فيها، فقد أشرك مع الله تعالى خالقا آخر، ومن لم يعتقد ذلك، فقد تشبه بأهل الشرك (^٧).
ولما كان التطير ربما يعتري القلب، ويهجم عليه، كما قال ابن مسعود: وما منا إلا: يعني: إلا من يعتريه التطير، وسبق إلى قلبه الكراهة فيه، والحل الناجح: (ولكن الله يذهبه بالتوكل) (^٨)، "أي بسبب الاعتماد عليه، والإسناد إليه سبحانه. وحاصله: أن الخطرة ليس بها عِبرة، فإن وقعت غفلة لا بد من رجعة، وأوبة من حوبة" (^٩).
_________________
(١) السمعاني: تفسير القرآن:٤/ ١٠٤.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٢١ هـ، ح (٧٠٤٥).
(٤) النووي: شرح مسلم، دار إحياء التراث-بيروت، ط ٢، ١٣٩٢ هـ، (١٤/ ٢١٩)
(٥) المستدرك على مجموع الفتاوى: ٥/ ١٣٠.
(٦) الخطابي: معالم السنن، المطبعة العلمية-حلب، ط ١، ١٣٥١ هـ، (٤/ ٢٣٥).
(٧) أحمد القرطبي: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: دار ابن كثير، دمشق، ط ٥،١٤٣١ هـ، (٥/ ٦٢٨).
(٨) أخرجه أبو داود في سننه، باب في الطيرة، ح (٣٩١٠)
(٩) علي القاري: مرقاة المفاتيح:٧/ ٢٨٩٧، وانظر: السمعاني: تفسير السمعاني:٤/ ١٠٤.
[ ٢٥٨ ]