يعرف الإسلام بأنه: الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراءة من أهله (١).
أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عند السلف من كونه مركبًا في حقيقته من قول وعمل واعتقاد (٢).
ومن خلال هذين التعريفين لهذين المصطلحين يمكن لنا الوقوف على أقوال العلماء في تحديد العلاقة بينهما، فمن رأى أن بينهما ترادفًا فذلك لدلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه تعالى لعباده والذي امتدح من اتصف به.
ويرى الإمام ابن عبد البر - ﵀ - أن هذا هو مذهب الكثير من أهل العلم، يقول: "وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر". (٣)
ومن ذهب إلى اختلافهما استمد ذلك المفهوم من إشارة كل منهما على معنى يظهر منه خصوصيته في الدلالة عليه، دون غيره من الأسماء، فيكون معنى الإسلام: الانقياد الناشئ عن الإذعان والاستسلام، كما هو ظاهر من التعريف، والإيمان: التصديق القلبى الذي يلزم الإتيان بفعل الطاعات وترك المحظورات.
_________________
(١) شرح كتاب التوحيد: سليمان بن عبد الوهاب: ١١٠.
(٢) الإيمان: ٧٤.
(٣) التمهيد: (١/ ٢٤٧).
[ ٢٨٩ ]
وقد قال بهذا بعض كبار السلف كابن عباس - ﵄ - والحسن البصري، وابن سيرين (١) - رحمهما الله -. (٢)
هذا وقد توسطت طائفة من العلماء في تحديد العلاقة بينهما؛ نظرًا لوجود التلازم الواضح، كما يظهر ذلك من خلال تعريفهما، فذهبت إلى أن العلاقة بينهما تتمحور في إمكان ترادفهما حين الافتراق، وتغايرهما عند الاجتماع، لدلالة كل منهما على خصوصية معنى ليست في الآخر.
* * *
أما عن: رأي المتكلمين:
لقد اختلفت عبارات المتكلمين في بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، فيرى الباقلانى أن الإيمان هو التصديق، والإسلام الانقياد، وعليه فكل مؤمن مسلم وليس العكس، ويبرهن على ذلك بأنه من المستحيل على المؤمن تركه للانقياد، أما المسلم فقد يكون منه انقياد بلا إيمان. (٣)
ولا يخفى ما في هذا من مناقضة لأصلهم في جعلهم العمل ثمرة للإيمان، وليس بلازم له.
هذا وتذهب غالبيتهم إلى عدم التفريق بينهما، حتى لا يعارض الأصل المجمع عليه عندهم من أن تارك العمل لا يكفر، مع وجود التصديق بما جاء عن رسول الله - ﷺ -، فحقيقة مذهبهم أن: "الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد، بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق". (٤)
_________________
(١) هو أبو بكر محمد بن سيرين البصري، كان أبوه عبدًا لأنس بن مالك - ﵁ -، وكانت أمه صفية مولاة أبي بكر الصديق - ﵁ -، أحد الفقهاء من أهل البصرة عرف بالورع والتقوى في وقته، توفى سنة: ١١٠ هـ انظر: وفيات الأعيان: (٤/ ١٨٢).
(٢) انظر: الإيمان لابن مندة: ٣١١. وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائى: (٤/ ٨١٢).
(٣) انظر: الإنصاف: ٥٩.
(٤) العقائد النسفية: ١٥٩.
[ ٢٩٠ ]
ويمتد هذا المفهوم حتى لا يفرق بين المسلم والمؤمن فـ: "الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وهذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهى، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران". (١)
* * *
وعند سبر أقوال المتأخرين منهم نجد أنه في الغالب لا تخرج عن هذا المعنى وإن خالف بعضهم وفسر الإسلام بالانقياد الظاهرى.
يقول السنوسى في مكانة شهادة التوحيد: "جعلها الشارع ترجمة على ما في القلب من الإسلام".
ويعلق على ذلك الدسوقى، فيقول: "واعلم أن الإيمان والإسلام، قيل: إنهما مترادفان معناهما واحد، وهو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ - مما علم من الدين بالضرورة. وعليه مشى المصنف.
وقيل: وهو المعتمد أنهما متغايران، فالإيمان هو التصديق بما جاء به النبي - ﷺ -، والإسلام هو الامتثال الظاهرى". (٢)
وعلى هذا فالمسألة محل اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين وإن كان الغالب في كلام الأشاعرة عدم المغايرة بينهما؛ لاتفاقهم على عدم إدخال العمل في صميم المعتقد (٣)، ومن خالف منهم فقد وقع في التناقض.
وستتم مناقشة هذه الأقوال والترجيح بينها عند عرض كلام الصاوي ومناقشته في ضوء منهج السلف الكرام.
_________________
(١) المرجع السابق: ١٦١.
(٢) حاشية أم البراهين: ٢٢٢.
(٣) انظر: تحفة المريد للباجورى: ٧٤.
[ ٢٩١ ]