وحتى يتم بيان أصل الضلال الذي حمل الصاوى وسابقيه من المتكلمين على عد الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من الكفر لا بد من الكشف عن أمرين:
الأول: حكم الأخذ بظواهر الكتاب والسنة.
الثاني: متى يصار إلى التأويل.
أما عن حكم الأخذ بالظاهر فإنه مما تقرر عند علماء الأصول وجوب الأخذ به،
_________________
(١) غاية المرام في علم الكلام، الآمدي: ١٧٤.
(٢) حاشية الجوهرة: ٢٥٢. وانظر: حاشية الجلالين: (١/ ١٣١).
[ ١٠٥ ]
فإنه لا يسمى بذلك إلا لكون ظاهره مما يتبادر إلى الذهن في الدلالة على المعنى المراد حتى ظهر معناه للمخاطب، ولا يصار إلى ما يمكن أن يحتمله الدليل من المعنى المرجوح إلا لقرينة.
يقول الإمام الشنقيطى (١) - ﵀ -: "اعملوا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصًا، كقوله مثلًا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر، وإما أن يتساوى بينهما.
فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل.
أما إذا كان نصًا صريحًا فالنص يعمل به، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ.
فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر، ومقابله يسمى محتملًا مرجوحًا، والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه." (٢)
إذًا فالأصل في حكم الأخذ بالظاهر هو الوجوب، فأين منه هذه المقولة الظالمة التي جعلت الأصل في الأخذ به المنع الذي يقتضى الخروج من الدين بالكلية؟ لا شك أن هذا إجحاف وضلال يطعن في أصل الإيمان بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.
ومن العجب أن الصاوى عند بيان الآداب التي يجب التمسك بها في الأخذ عن الشيخ؛ أوجب على التلميذ أن يحمل كلام الشيخ على ظاهره، ولا يعمد إلى
_________________
(١) هو الإمام الفقيه المفسر الأصولى محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح المختار الجكنى الشنقيطى، من علماء موريتانيا، ولد ﵀ سنة: ٣٢٥ هـ في شنقيط، انتقل إلى الحجاز ودرس في المسجد النبوى وفى الجامعة الإسلامية حتى وفاته تخرج على يديه الكثير من خيرة العلماء، واذكر منهم: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ عطية محمد سالم، اعتنى بالتأليف والتصنيف ومن أشهر مؤلفاته: أضواء البيان في تفسير القرآن، وآيات الأسماء والصفات. توفى سنة: ٣٩٣ هـ. انظر: ترجمته كتاب خصص في ذلك للشيخ عبد الرحمن السديس، والأعلام: (٦/ ٤٥).
(٢) الأسماء والصفات: ٤١.
[ ١٠٦ ]
تأويله، معللًا ذلك بأنه أعلم بمراده من كلامه، لقد كان هذا الأدب أولى مع كلام رب العالمين، الذي وصفه المولى ﵎ بالحكمة، والبيان، والشفاء، والتمام، وأمر بتدبره، وإقامة. أمره، وتصديق خبره قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقد رد عليه الإمام الشنقيطى - ﵀ - مقولته تلك مبينًا ضلاله فيها، كما نبه إلى ما نتج عنها من انحراف الكثير ممن تأثر بالصاوى، كل ذلك بأسلوب شديد وحجة قوية رام بها هدم هذا الأصل المبتدع، الذي مؤداه الطعن فىٍ كلام رب العالمين، الذي قال فيه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وفيما يلى نص كلامه - ﵀ - الذي شدد فيه محرجًا على الصاوى مقولته تلك: "أما قوله إن الاخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله - ﷺ - في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعى صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.
والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس" إلى آخر ما ذكر ﵀. (١)
_________________
(١) انظر الإقليد للأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد، محمد الأمين المختار الشنقيطى: ٢٥. وانظر: أضواء البيان: (٧/ ٤٣٨).
[ ١٠٧ ]
والصاوى لدفع هذا التعارض الذي يراه بين ظاهر النص وما يجب أن يفسر بها اتباعًا للعقل فإنه يقرر مذهب التأويل أو التفويض، فمرة يوجب تأويل النص بما يوافق مذهبه الأشعري، ومرة يوجب التفويض بحيث يمتنع تعيين المعنى لمعارضته العقل المحكم في فهم النصوص المتعلقة بتوحيد الرب تعالى عنده. ولبيان هذا فإنه يتعين الحديث عن: