" القياس قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، كقولنا
_________________
(١) أضواء البيان، للشنقيطى: (٤/ ٣٨٩).
(٢) شرح العقيدة الأصفهانية: ٥٤.
(٣) انظر: الدرء: (١/ ٢٤٧)، (٧/ ٢٣٩)، ومجموع الفتاوى: (١٦/ ٨٤)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة: (٣/ ١٣٧٨).
[ ٩٣ ]
العالم متغير وكل متغير حادث، فإنه قول مركب من قضيتين، إذا سلمتا لزم عنهما لذاتهما: العالم حادث" (١).
ويعد هذا المسلك من المسالك العقلية الدخيلة على الفكر الإسلامى، فلم يكن استعماله في إثبات العقائد مما ألفه الأشاعرة وغيرهم من المتكلمين، بل كان من العلوم المردودة التي كثر ذم أهل العلم لها، ولكن مع تأثر الغزالي به وانتشار تقعيده لعلم الأصول بالأسس التي بنى عليها صار له تعلق كبير بإثبات العقائد الإلهية عند المتكلمين من بعده (٢). يقول الغزالي - ﵀ -: "فكل قياس لم يكن بنظم مقدمات ضرورية، أو بنظم مقدمات مستنتجة من ضرورية، فلا حجة فيه فهذا هو القياس المعقول، وإنما ينتظم أبدًا من مقدمتين: إما مطلقة (٣)، وإما تقسيمية (٤)، وقد تسمى حملية وشرطية (٥)، أما المطلقة، فكقولنا: العالم حادث، وكل حادث فله سبب، فهاتان مقدمتان: الأولى حسية (٦)، والثانية ضرورية عقلية، ونتيجته أن لحوادث العالم إذًا سببًا" (٧). ويطبق الإيجى (٨) القياس المنطقى بصورته الاقترانية (٩) ليستنتج نفس القضية.
_________________
(١) التعريفات للجرجانى: ٢٣١.
(٢) انظر: الرد على المنطقيين، لشيخ الإسلام: ٣٣٧.
(٣) يعني بها الحملية وسميت بذلك لان الحكم فيها أطلق بلا شرط أو قيد.
(٤) يعني بها القضية الشرطية التي قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة بحسب الأداة التي تربط بين جزئيها. انظر: العجم الفلسفى: (٢/ ١٩٥).
(٥) القضية الحملية هي المكونة من محمول وموضوع، أو سند ومسند إليه كقول القائل: محمد ناجح، فمحمد هنا هو الموضوع، وناجح هو المحمول، وتعرف بأنها: التي يحكم فيها بإثبات شيء بشيء أو نفى شيء عن شيء. أما الشرطية فهى التي تتكون من قضيتين حمليتين يربط بينهما أداة شرطية تسمى القضية الأولى: مقدم، والثانية: تالى، كقول القائل: إذا كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. انظر: تسهيل المنطق، عبد الكريم الأثرى: ٣٧.
(٦) المعارف الحسية هي التي يكون مسند التصديق بها أحد الحواس الخمس كالسمع أو البصر، فالطعن بها طعن في صدق ما تمليه الحواس.
(٧) فضائح الباطنية: ٨٥.
(٨) عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار الإيجى الشيرازي الشافعي، فقيه أصولى لغوى، من مؤلفاته: الرسالة العضدية في الوضع، شرح منتهى السول والأمل في علمى الأصول والجدل، المواقف في علم الكلام، توفى سنة ٧٥٣ انظر: شذرات الذهب: (٦/ ١٧٤)، ومعجم المؤلفين: ١١٩.
(٩) القياس الاقترانى سمى بذلك لأن عناصره فيها اقتران ونتيجته في مقدمتيه بالقوة لا بالفعل، يعني بالمادة لا بالصورة والهيئة، يقول الجرجانى: "هو ما لا يكون عين النتيجة ولا نقبضها مذكورًا فيه بالفعل، كقولنا: الجسم مؤلف، وكل مؤلف محدث، ينتج الجسم محدث، فليس هو ولا نقيضه مذكورًا في القياس بالفعل. التعريفات: ٢٣١.
[ ٩٤ ]
فيقول: "قد علمت أن العالم إما جوهر أو عرض، وقد يستدل بكل واحد منهما إما بإمكانه أو بحدوثه، فهذه وجوه أربعة:
الأول: الاستدلال بحدوث الجواهر، وهو أن العالم حادث، وكل حادث فله محدث.
الثاني: بإمكانها وهو أن العالم ممكن، لأنه مركب وكثير، وكل ممكن فله علة مؤثرة". (١)
ومن هنا نجد تأثر الصاوى به واضحًا، وذلك في تطبيقه لبعض صوره عند إثبات عدد من قضايا الإلهية، فمثلًا إثبات وجود الله تعالى، يرى الصاوى أن دليل الحدوث أو الإمكان الذي ابتدعه المتكلمون على طريقتهم من أهم الأدلة التي يصح بها إثبات وجود الباري تعالى، فيقول مستدلًا به على هيئة القياس الاقترانى: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع أو العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع".
ويذكر موضحًا طريقة الاستدلال للقضية الصغرى وهى العالم حادث مستخدمًا نفس الدليل ولكن بأكثر من مقدمتين، فيقول: "العالم الحادث، أما المقدمة الأولى التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم: إثبات أن العالم متغير؛ حيث علمت بالمشاهدة.
أما المقدمة الثانية: كل متغير حادث، فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر، وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم.
ثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض "فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير والأجرام لملازمتها لها، وملازمة الحادث حادث بالضرورة".
_________________
(١) المواقف للإيجى: (٣/ ٧).
[ ٩٥ ]
فيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: "فينتج العالم حادث". (١)
وأما دليل القضية الكبرى: "كل حادث له محدث "فيستند إلى وجوب إثبات المرجح الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: "وإلا لزم الترجيح من غير مرجح وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث" (٢).
* * *