لقد وقع الصاوى كغيره في عدد من التناقضات، التي تدل صراحة على بدعية هذا المسلك، وعدم حجيته في الاستدلال، ومن ذلك:
يرى الصاوى أن الاستدلال على صفة السمع والبصر والكلام، إنما يحصل بطريق السمع، ويؤكد هذا باعتراضه على المسلك العقلى بالاستدلال لها بدليل التقابل بين العدم والملكة أو طريق الكمال (٢)، حيث اعتقد أن في انتهاجه ما يؤدى إلى جواز وصف المولى بكل صفة كمال في حق المخلوق، مع أنها قد تكون صفة نقص في حقيقتها، كصفة الولد مثلًا، ومع ذلك فإنه يثبت هذه الصفات على حقيقتها، ولا يعتقد أن في إثباتها ما يوجب مماثلة للحوادث.
أقول: إذا صح الاستدلال بالسمع والاكتفاء به على هذه الصفات، فلمَ لا يعمم هذا على سائر الصفات التي ثبتت بطريق السمع، دون أن يكون في إثباتها مماثلة للحوادث؟ وهذا سؤال يرد عليه في كل ما تأوله منها، ولازم يوجب عليه الرجوع إلى منهج واحد، في كل ما يجب في حق الله تعالى.
- ومنها موقفه من اتصافه ﷿ بصفة الحكمة: يرى الأشاعرة تأويل جميع النصوص التي ورد فيها إثبات الحكمة لله تعالى، بأن المراد بها الإتقان والإحكام في الخلق، وذلك بحجة نفى الأغراض عن الله تعالى، ويتابع الصاوى أسلافه في هذا
_________________
(١) الصواعق المرسلة: (٣/ ٩٧٨).
(٢) انظر: مناقشه في هذه المسألة في الصفات الذاتية (المعانى): ٢٣٢.
[ ٨٦ ]
بنفس الحجة، ولكنه في المقابل كثيرًا ما يفسر صفة الحكمة بالمعنى الصحيح، فيقول: الحكمة هي وضع الشيء في محله، بل ويقول سبحانك ما خلقت هذا عبثًا، وحتى يخرج من هذا التناقض؛ فإنه يفرق بين العلة الباعثة وبين الغائية، ويرى أن الغائية هي التي يصح وصفه تعالى بها، أما الباعثة فهى مراد الأشاعرة، ومعلوم ببداهة العقول أن هذا تقسيم باطل لا أساس له؛ إذ العلة الغائية هي الباعثة ولا فرق، ولكنه كأنموذج لما يقع فيه أهل الابتداع من الاضطراب والتناقض (١).