لقد واجه المتكلمون في تثبيت أصولهم القائمة على اعتماد العقل أساسًا في العقائد الأصولية الكثير من المعارضات الشرعية؛ إذ تقتضى حقيقة الإيمان المنجى الإقرار بها بل والتصديق بها جزمًا، فحين بنى المتكلمون أصل اعتقادهم في إثبات وجود الله تعالى على دليل الحدوث المعروف، التزموا للإبقاء على سلامته من المعارضة عددًا من الثوابت العقلية - عندهم - اعتقدوا أنها من اليقينيات، ومع ذلك فقد كان في هذه الأصول العقلية المبتدعة ما يخالف الكثير من الأدلة الشرعية التي مبنى التصديق بها الإيمان بما جاء به النبي - ﷺ - من القرآن والسنة.
وتماديًا في التمسك بهذه الأصول المبتدعة، وإلحاحًا في التأصيل لها، فقد قام المتكلمون بالطعن في الأدلة الشرعية التي تخالف ما ظنوه قواطع عقلية، ولكن على هيئة يبقى بها الإيمان على ظاهره من التصديق الشامل لكل ما جاء به الكتاب والسنة، وكان لهم في ذلك سبيلان؛ الطعن في الثبوت والطعن في الدلالة، أما الطعن في الثبوت فقد راموا به إبطال المعارض الشرعي الذي لم يثبت بالطريق المتواتر، فكان حجتهم في عدم اعتماده في رد مسلماتهم العقلية كونه ظنى الثبوت، فحكموا بعدم جواز الأخذ به في العقائد.
_________________
(١) المرجع السابق: (١/ ١٩٠ - ١٩٥) بتصرف.
(٢) المرجع السابق: (١/ ١٩٦) وقد أشار بذلك شيخ الإسلام إلى حال المتكلمين قبل زمن الغزالي الذي أدخل هذا الفن الدخيل في تقنين الأصول.
[ ٩٩ ]
وأما الطعن في الدلالة، فقد اعتقدوا أن دلالة النصوص الشرعية ظنية حتى يردوا منهما بالتأويل أو التفويض ما عارض منهما مسلماتهم العقلية؛ إذ لا سبيل لهم إلى الطعن في ثبوتهما قطعًا، وكان حجتهم في ذلك ما اعتمدوه أساسًا في تقرير العقائد من القطع بدلالة العقل وتقديمه على دلالة النقل، وإمعانًا في إعمال هذا الأصل المبتدع؛ فقد طعنوا حتى في مسالك البعض منهم حين انتهجوا مسلك الاستدلال بالشرع في تقرير بعض ما قد أقروا بوجوبه بطريق العقل من المسائل العقدية كوجوب النظر مثلًا، يقول الإيجى: "أما أصحابنا فلهم في إثبات وجوب النظر المؤدى إلى المعرفة مسلكان: الأول: الاستدلال بالظواهر من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب النظر في المعرفة، نحو قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
فقد أمر بالنظر في دليل الصانع وصفاته والأمر للوجوب كما هو الظاهر المتبادر منه.
ولما نزل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
قال ﵊: (ويل لمن لاكها أي مضغها بين لحييه أي جانبى فمه ولم يتفكر فيها) (١) فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة فهو واجب، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب، وهذا المسلك لا يخرج عن كونه ظنيًا غير قطعى الدلالة، لاحتمال الأمر غير الوجوب، وكون الخبر المنقول من قبيل الآحاد". (٢)
بل قد أدى بهم هذا الزعم إلى الجزم بأن جميع المسائل التي يرجع فيها إلى النقل عندهم - لعدم إمكان الاستدلال عليها بالعقل - دلالتها ظنية، حيث يستقل النقل
_________________
(١) أخرجه ابن حبان بنحوه في صحيحه عن عائشة، وفيه: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها): كتاب الرقائق - باب التوبة، رقم الحديث: ٦٢٠: (٢/ ٣٨٦).
(٢) المواقف: (١/ ١٤٨).
[ ١٠٠ ]
بالدلالة عليها دون العقل، يقول الإيجى: "واعلم أن مسألة الأفضلية لا مطمع فيها في الجزم اليقين؛ إذ لا دلالة للعقل بطريق الاستقلال على الأفضلية بمعنى الأكثرية في الثواب، بل مستندها النقل، وليست هذه المسألة مسألة يتعلق بها علمية فيكتفى فيها بالظن الذي هو كافٍ في الأحكام العملية، بل هي مسألة عملية يطلب فيها اليقين، والنصوص المذكورة من الطرفين بعد تعارضها لا تفيد القطع على ما لا يخفى على منصف، لأنها بأسرها إما آحاد، أو ظنية الدلالة مع كونها متعارضة أيضًا". (١)
ومن هذا النص المتقدم يتبين أنه لا سبيل عند المتكلمين إلى اعتقاد اليقين في المسائل الشرعية إلا بما يستدل له بطريق العقل، إما بالأصالة كمعرفة الله تعالى بصفاته، أو بالاعتضاد كأخبار اليوم الآخر، حيث علم بالعقل إمكانها، أما خلا ذلك فتبقى دلالتها ظنية؛ إذ لا سبيل إلى العقل في إثباتها أو ردها.
وببيان هذا الأصل الفاسد الذي اعتمده المتكلمون في الاستدلال بالأدلة الشرعية يمكن فهم موقفهم من الألفاظ الشرعية من حيث دلالتها على المعانى العقدية: