السبر في اللغة: التجربة والاختبار، يقال: سبر الشيء سبرًا حزره وخبره، والسبر: استخراج كنه الأمر. (٣)
والتقسيم: حصر الأوصاف الممكنة للمحل. (٤)
فالسبر والتقسيم في الاصطلاح: حصر الأوصاف في الأصل وإبطال ما لا يصلح ليتعين ما بقى، وهو إيراد أوصاف الأصل أي المقيس عليه، وإبطال بعضها ليتعين الباقى للعلية. (٥)
وقد استخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى في كثير من قضايا الفقه والأصول وذلك لمعرفة العلة الصحيحة التي ترتب عليها الحكم.
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: (١/ ٣٢٦).
(٢) المرجع السابق: (٢/ ٤٩٥).
(٣) لسان العرب: (٤/ ١٩١٩).
(٤) التعاريف: (١٩٨). وانظر: التعريفات: ١٥٥.
(٥) المرجع السابق: (١٩٨).
[ ٩١ ]
كما استخدمه المتكلمون أيضًا في إثبات مسائل الاعتقاد، يقول الإيجى: "وثانيها أي ثانى الأمور التي هي أشهر الطرق المثبتة للعلة المشتركة السبر، كأن يقال مثلًا علة كون السواد مرئيًا: إما وجوده، أو كونه عرضًا، أو محدثًا، أو لونًا، أو كونه سوادًا، والكل باطل سوى الوجود، والله سبحانه موجود فيصح رؤيته". (١)
وقد تتعدد الغاية من استعمال السبر والتقسيم في الحكم، فقد يراد به إبطال جميع الأقسام الواردة، وقد يراد به إبطال بعضها أو تصحيح الجميع. (٢)
والصاوى متابعة لمنهج المتكلمين نراه يستخدم هذا النوع من الاستدلال العقلى للوصول إلى ما يرمى تقريره من المسائل العقدية، ومن ذلك تقريره لدليل التمانع في إثبات الوحدانية، يقول: "لو فرض إلهان وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا وهو باطل؛ للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا وهو باطل أيضًا للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.
وإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا لوجود التوارد، وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما" (٣)
فأبطل جميع الاحتمالات الممكنة من وجود إلهين قادرين.
* * *
هذا وليس في استخدام هذا الضرب من الاستدلال ما يخالف الحق فقد وجد في القرآن الكريم بعض صور منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]
_________________
(١) المواقف: ١٩٣.
(٢) انظر: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: ٩٩.
(٣) حاشية الجلالين: (٢/ ٢٩٢)، وانظر: حاشية الخريدة البهية: ٦٣، وحاشية جوهرة التوحيد: ٢١.
[ ٩٢ ]
فقد بينت الآية الكريمة أن جميع الأقسام الممكنة من المتسبب في الخلق سوى الله تعالى باطلة، فإما ألَّا يكون ثمة خالق لهم، وهذا باطل وإما أن يكون الخالق هو نفس المخلوق وهذا باطل، فتعين أن يكون الخالق هو الرب تعالى، وقد حذف هذا القسم لظهوره. (١).
وقد درج العلماء على استخدام هذا النوع من الاستدلال لتقرير الحق وهذا كثير في كلام شيخ الإسلام - ﵀ -، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام في بيان دليل القدرة، يقول: "والدليل على قدرته إيجاد الأشياء وهى إما بالذات وهو محال وإلا لكان العالم وكل واحد من مخلوقاته قديمًا وهو باطل فتعين أن يكون فاعلًا بالاختيار وهو المطلوب" (٢).
ومع صحة الدليل إلا أن خطأ الأشاعرة هنا يتجه إلى استخدامهم الدليل، ويتضح هذا من خلال الدليل الذي ذكره الإيجى، فإنه جعل لعلة المصححة للرؤية هي الوجود، ولا شك أن في هذا الاختيار ضعف، لأنه إذا صح وجب سحب الحكم بصحة الرؤية لكل موجود وهذا مما لا يسلم لهم، إذ لأمكن رؤية الروائح والأصوات لكونها موجودة، وقد علم بطلان هذا بالضرورة، وكان السبب في اختيارهم هذا المصحح هو محاولة التفلت من إلزامهم بإثبات الجهة لله تعالى، وهذا ما ألزمهم به شيخ الإسلام - ﵀ - وأبان به فساد مذهبهم في نفى الجهة عن الله تعالى، والصحيح أن الرؤية تثبت عند سلامة البصر، وكون المرئى في جهة، وقيامه بالنفس (٣).