* صفة الوجه:
يلتزم الصاوى حيال هذه الصفة منهج التأويل، ولكن على ما يراه مناسبًا، فهو يؤولها بحسب النص الذي وردت فيه، فتارة يرى أنها تأول برضاه، وفي حين يمتنع عليه مثل هذا التأويل، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] يتوقف فلا يعلق بشيء، مما يشعر بإقراره تفسير الجلالين من قبله، حيث فسر الوجه بالذات، كما هو عند عامة المتكلمين.
وفى كلتا الحالتين هو مجانب للصواب؛ لأنه خالف ما عليه السلف من وجوب الإيمان بها، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، بلا تكيف ولا تمثيل. وهذا ما حكى الإجماع عليه الإمام ابن خزيمة (٢) حيث قال: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله تعالى ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا". (٣)
* صفة اليد:
هنا يذكر الصاوى على جهة التفصيل مذهب السلف والخلف من المتكلمين، ولكنه يمل إلى رأى المتكلمين في المسألة، يوضح هذا رده على من احتج
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة: ٣٣٩.
(٢) هو الحافظ المحدث المسند الكبير إمام الأئمة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمى النيسابورى ولد سنة: ٢٢٣ هـ قال عنه الدارقطني: كان ابن خزيمة إمام ثبتًا معدوم النظير توفى سنة: ٣١١ هـ، انظر تذكرة الحفاظ: (٢/ ٧٢٠).
(٣) كتاب التوحيد: (١/ ٢٥).
[ ٢٦٨ ]
من السلف بدلالة التثنية على إرادة الحقيقة، بأن هذه التثنية قد يراد بها الجنس مثل نعمة الدنيا والآخرة.
والحق أنه قد أصاب عند عرضه لرأى السلف في هذه الصفة ولكنه أخطأ عند إقراره لما عليه المتكلمون. نعم هناك نصوص فسرت فيها اليد بالذات كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. أيضًا فسرت هنا اليد بالقوة، كما هو عليه عامة المفسرين، وهذا التأويل مما يقتضيه السياق، وتحدده القرينة، فلا تحكم فيه بمجرد الرأى. (١)
فاليد هنا أتت بصيغة الجمع، وقد علم من لغة العرب أن اليد إذا جمعت قد يراد بها الذات أو القدرة أو القوة أو الكرم، ومن جهة أخرى فإن اليد في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ إضافة للعمل إليها، دون تعدية بالباء، وفى هذا دلالة صريحة على أن المراد بها هو ما يفهم من قوله خلقنا وعملنا، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وكذلك اليد في قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، فإنها أتت بصيغة الجمع مع عدم إضافتها له تعالى، وهذا ما يحمل المراد بها على القوة أو القدرة. (٢)
أما الآية الكريمة التي بين الله تعالى فيها امتنانه على آدم - ﵇ - بخلقه له بيديه الكريمتين، فلا يمكن بحال أن تؤول بالقدرة؛ لأنه يمتنع ذلك التأويل من عدة وجوه:
- التثنية في قوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]: فإرادة التثنية في اللغة مانعة من احتمال المجاز، وبهذا يكون التأويل الذي ذكره الصاوى لا يستقيم له في نقض حجة السلف؛ لأن ما خرج به تأويل اليدين بالنعمتين ليس من لغة العرب، ولا هو معهود من كلامهم، وهذا ما روى عن الإمام أحمد في إنكاره على
_________________
(١) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٢٨٩).
(٢) انظر: الصواعق المرسلة: ٢٦٩.
[ ٢٦٩ ]
من قال بذلك، حيث قال: "من زعم أن يداه نعمتاه كيف يصنع بقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مشددة". (١)
- دخول الباء التي تفيد تعديت الفعل إليها.
- أنه تعالى إنما قال ذلك بصيغة الامتنان على آدم موبخًا بذلك إبليس الذي امتنع عن السجود له، يقول الشيخ السعدى: "أي شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق" (٢)
وعلى القول بتأويل اليد بالقدرة أو النعمة، امتنع هذا الاختصاص الذي كان لآدم - ﵇ - والذي يقتضى عدم إعراض إبليس عن السجود له عند الأمر به، فثبت بهذا امتناع التأويل وإرادة الحقيقة، وهى اليدين، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظيم سلطانه.
- تضافر الأدلة التي تؤكد اتصاف المولى تعالى بهذه الصفة، فإلى جانب الآيات والأحاديث التي نصت على اتصاف المولى تعالى باليد، هناك أدلة أو صفات تؤكد ذلك، كاتصافه تعالى باليمين والكف والإصبع والقبضة، مما لا يباع مجالًا للشك في نسبة هذه الصفة للمولى تعالى، كما يليق بجلاله وعلو شانه، وإرادة تأويل كل هذه النصوص للخروج من هذا الإلزام، فيه تعنت واضح، لا تسىنده دلالة النصوص السابقة، وإعمالها على ظاهرها هو ما كان عليه أئمة السلف - رضوان تعالى عليهم أجمعين -. (٣)
* صفة القدم:
يجمل الصاوى رأى السلف هنا بإرادة التفويض، وتنزيه المولى عن المعنى الظاهر، كما قد عهد منه؛ استنادًا إلى أن في ذلك إثبات الجارحة لله تعالى - كما يرى - ثم يرجح تأويل القدم بالقوم الكثر من أهل النار، الذين يوضعون فيها فتقول
_________________
(١) إيطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٦٩).
(٢) تيسير الكريم الرحمن: ٧٨٢. وانظر: شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (١/ ٢٩١).
(٣) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام: (٦/ ٣٧٢).
[ ٢٧٠ ]
قط قط. ولكن هذا الذي ذهب إليه لا يقره الحديث الذي وردت فيه هذه الصفة، وذلك أن قول النبي - ﷺ -: (إن جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول: قط قط). (١) يمنع من إرادة المجاز، فنسبة القدم للرب تعالى صراحة (٢)، مع عدم وجود القرينة الصارفة، تدل على استحالة ما ذكره الصاوى من أن القدم هنا هي القوم الكافرين من أهل النار؛ إذ لا سند له في ذلك، بل القرائن تحف إرادة الحقيقة، وذلك أنه يستحيل إضافة الكفار إلى الله تعالى هكذا مباشرة؛ لأن "إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف". (٣)
هذا وقد علم أن طلب النار للمزيد يكون بعد أن يلقى فيها جميع أهلها من الكفار، فكيف يقال بأن القدم هنا هم قوم من الكفار؟ (٤)
فيتحتم بعد العلم بامتناع ما ذهبوا إليه أن تجرى هذه الصفة "مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه". (٥)
* الساق:
هذه الصفة الكريمة وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وفي السنة المطهرة في الحديث الشريف، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا. . . إلخ). (٦)
ولكن بعض المفسرين من السلف ذهب إلى تفسير الساق في الآية الكريمة بمعنى الشدة، وهذا المعنى مما عهد عند العرب ومما أثر عن ابن عباس - رضي الله تعالى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير - باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، رقمه ٤٨٤٨.
(٢) انظر: إبطال التأويلات: (١/ ١٩٩).
(٣) شرح العقيدة الواسطية للشيخ العثيمين: (٢/ ٣٣).
(٤) انظر: نقض الإمام الدارمي على المريسى: (١/ ٤٠١).
(٥) شرحه العقيدة الواسطية للشيخ محمد خليل هراس: ١٧٢.
(٦) أخرج البخاري في صحيحه بنحوه: كتاب التفسير - باب يوم يكشف عن ساق، رقمه: ٤٩١٩.
[ ٢٧١ ]
عنهما -. (١) وقد أيد الصاوى هذا التأويل؛ مستدلًا بتأويل حبر الأمة، ولكنه لوقوفه على الحديث الشريف حيث رواه مطولًا في التفسير، رأى أنه لا يمكن تأويل الساق بشدة الموقف، وذلك لتصريح الخبر بنسبة الساق إلى الرب تعالى (٢)، فاختار أن يكون الكشف هنا عن الحجاب، ولكن هذا التأويل لا تسنده لغة العرب، وليس هو مما عهد عنهم، وإنما كان محاولة من الصاوى للخروج من الإلزام الذي وجد نفسه لا يستطيع التخلص منه بتأويل الساق في الحديث بالشدة، كما فسرت الآية الكريمة من بعض العلماء.
والحق أن الساق في الآية الكريمة إنما هو صفة من صفات الرحمن، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فيحمل المتشابه على المحكم؛ لأن الحديث قد أوضح المراد على جهة لا تدع لإرادة المجاز سبيلًا إلى النص.
وذلك أنه مما قد تقرر في الأصول أن السنة المطهرة هي المرتبة الثانية من مراتب التشريع بعد القرآن الكريم، فهى مفسرة لما أبهم، مبينة لما أجمل؛ لهذا فإن الكثير من السلف قد فسر الساق في الآية الكريمة بإثبات الصفة للمولى تعالى بما يليق بجلاله وعظمته؛ استدلالًا بالحديث الشريف، ولا بد من بيان أمر مهم نبه إليه الإمام ابن القيم - ﵀ - أنه لم يحدث النزاع بين الصحابة على إثبات الصفة نفسها، وإنما في دلالة الآية القرآنية على إثباتها، أما من بلغه الحديث من الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - فلم يثبت عن أحد منهم أنه أراد حمله على غير ظاهره، هذا وقد حكى الإمام حجة من أثبت الصفة من الآية الكريمة من لغة العرب أنفسهم ورد قول من فسرها بكشف الشدة، فقال: "فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف: ٥٠] " (٣)
_________________
(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري: (٢٩/ ٣٩).
(٢) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى: (١/ ١٥٩).
(٣) مختصر الصواعق المرسلة: (١/ ٣٨).
[ ٢٧٢ ]