مما سبق اتضح لنا أن الصاوى عاش في عصر متأخر؛ وكان قد تتلمذ على عدد
_________________
(١) انظر: إحياء علوم الدين، للغزالى: (١/ ٢٥٣).
(٢) المرجع السابق: (٨/ ٤٥٢).
(٣) المنقذ من الضلال: ٢٢ - ٢٣.
[ ١٢٣ ]
كبير من مشايخ الأشاعرة في عصره، على رأسهم شيخه: الدردير والجمل. لذا نجد أنه غالبًا ما يقرر مذهب أشياخه في المسائل التي يعرضها، ولعلو مكانته ورسوخ قدمه في المذهب الأشعرى لا يقتصر على ذلك، بل يرجح القول الذي يراه صوابًا وكثيرًا ما يدعم ذلك الترجيح بادلة واضحة الدلالة، بأسلوب معبر، وعبارة سلسة، وقد يظهر عليه خلال عرضه لمسائل العقيدة تأثره بنزعته الصوفية، فيذكر أقوال أهل التصوف إما على سبيل التقرير، أو عرض الرأى الآخر.
وتتلخص آراؤه في معرفة الله تعالى - بناء على ما تقدم - أن معرفة الله تعالى هي أول واجب على المكلف. وبما أنها كذلك فلا بد أن يكون الدليل الموصل إليها واجبًا بوجوبها، حيث يمثل النظر عنده وسيلة للمعرفة المقصودة أو المعتمدة، وبهذا الاعتبار كان حكمه واجبًا.
يقول: "ولما كان أول الواجبات المعرفة على الأصح، وكان النظر وسيلة لها كان واجبًا". (١)
ومع ذلك فإنه يرى أن أساس ذلك الوجوب هو الشرع. حيث إن الله تعالى لم يدع المكلفين موكولين إلى عقولهم في معرفته سبحانه، بل أرسل الرسل، وبين أن الحجة لا تقام، والعذاب لا ينزل بمن يستحقه، إلا بعد إرسالهم، يقول: فإن قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل، مع قيام الأدلة التي تدل على معرفة الله ووحدانيته، كما قيل:
وفى كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.
أجيب بأن الله لم يكلفنا بذلك بمجرد العقل، بل لا بد من ضميمة الرسل التي تنبه على الأدلة، وشاهده هذه الآية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فلذلك قال أهل السنة: إن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع. خلافًا للمعتزلة". (٢)
_________________
(١) حاشية جوهرة التوحيد: ١٥.
(٢) حاشية تفسير الجلالين: (٢/ ٢٤٤).
[ ١٢٤ ]
وتظهر نزعة التصوف جلية في هذه المسألة، حيث يقرر الصاوى أن معرفة الله تعالى قد تحصل للعبد بلا دليل، بل هي محض فضل ونور يقذفه الله تعالى في قلب عبده فيعرفه ويؤمن به. يقول: "فمعرفة الله تعالى تكون ضرورية لأهل الكشف والبصيرة النيرة، ونظرية لأهل الدليل" (١)
وفي موضع آخر يوضح حقيقة هذه الضرورة ووجه كونها كذلك. يقول: "فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه؛ فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته" (٢).
ولا يكتفى بذلك بل إنه يضفى على هذه المعرفة نوعًا من الخصوصية، ليست لتلك التي تحصل بطريق النظر، حيث يقول: "واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة. فالعامة معرفة الله بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار". (٣)
هذا ويوافق الصاوى الحق بأن معرفة الله أمر فطرى وذلك في معرض تقريره لكلام المحلى، إلا أنه لا يذكر هذا الرأى في تحريره لمسائل الاعتقاد.
ومع ما تقدم فإنه حين يعرض أقوال العلماء في المسألة، فإنه يرجح أهمية النظر ولا يخرجه عن كونه واجبًا يقع في العصيان من حاد عنه، وكانت لديه أهلية النظر (٤).
* * *