يعترض على هذا النوع من الاستدلال؛ بأنه لا يصح طرده في جميع الوجوه، وذلك لعدم استواء طبيعة الشاهد والغائب، وهذا ما أنكره ابن رشد على المتكلمين في استخدامهم هذا النوع من الاستدلال، في الحكم على جميع الأعراض بالحدوث، يقول: "فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا من حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد على الغائب" (٣).
_________________
(١) المواقف للإيجى: (٣/ ٦٩).
(٢) انظر: مبحث الأسماء والصفات: ٢٠١.
(٣) الكشف عن مناهج الأدلة: ١٠٩.
[ ٨٩ ]
وقد أبطل الشيخ أبو الحسن الأشعري (١) مقولتهم في نفى اليدين، وتأويلها بالنعمة استدلالًا بقياس الغائب على الشاهد ببيان أنه لا يصح اعتماده في صفات الله لما يؤول إليه من نفى الكثير منها بالرغم من تسليمهم باتصافه ﷿ بها، يقول: "ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله بيدى يدين ليستا نعمتين؟ فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة. قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجونا إلى شاهدنا أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق، فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.
قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى، فكذلك لم نجد حيًا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك -، وإلا كنتم لقولكم تاركين، ولاعتلالكم ناقضين، وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا؛ فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين، ولا جارحتين، ولا كالأيدى". (٢)
* * *
وشيخ الإسلام - ﵀ - لبيان ضلال هؤلاء المتكلمين في استدلالهم بهذا الدليل يذكر ما وقعوا من تناقض واضطراب نتيجة لاتباعهم مسلك الابتداع، ويقول: "المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالاتهم هم في قياس الغائب على الشاهد مضطربين، كل منهم يستعمله فيما يثبته ويرد على منازعه ما استعمله في ذلك، وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه، وسبب ذلك أنهم
_________________
(١) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن قيس الأشعرى اليماني، تنسب إليه الطائفة الأشعرية ولد بالبصرة سنة: ٢٧٠، كان على مذهب الاعتزال تتلمذ على يد أبى على الجبائى وبعد ذلك فارقه إلى الاشعرية ومنه إلى مذهب السلف وله مؤلفات كثيرة رد فيها على المعتزلة والخوارج شذرات الذهب: (٢/ ٣٠٣) ومعجم المؤلفين: (٧/ ٣٥).
(٢) الإبانة: ١٣٦.
[ ٩٠ ]
لم يمشوا على صراط مستقيم، بل صار قبوله ورده هو بحسب القول، لا بحسب ما يستحقه القياس العقلى" (١).
وبهذا فهو يظهر أن أساس ما وقع فيه المتكلمون من الاضطراب والتناقض، حيث اتباع المذهب هو الأساس الذي يحملهم على الاستدلال به في الإثبات أو النفى لا حجة لهم في ذلك، يقول - ﵀ -: "فإن قيل: هذه الحجة مبناها على قياس الغائب على الشاهد وهو باطل، قيل: قياس الغائب على الشاهد باتفاق الأمم ينقسم إلى حق وباطل فإن لم يتبين أن هذا من الباطل لم يصلح رده بمجرد ذلك" (٢).
والمعلوم أن القياس المعتمد في حق الباري تعالى هو قياس الأولى الذي دل عليه الكتاب العزيز، حيث قال المولى تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠].
* * *