٢ - دليل الوجوب والإمكان.
دليل حدوث الأجسام
يعد هذا الدليل عند عامة المتكلمين من الأصول اليقينية التي لا يتم إيمان المرء إلا باعتقاد دلالته على وجود الباري جل وعلا؛ إذ لا يتمكن - عندهم - من إثبات الصانع إلا به، وكان أول من ابتدع هذا الطريق المعتزلة، وقد صرح بذلك شيخ
_________________
(١) الدرء: (٨/ ٤٤٦، ٤٤٧).
[ ١٤٥ ]
الإسلام حيث قال: "والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك" (١) ولشيخ الإسلام كلام يرجع فيه هذا الدليل إلى الجهم بن صفوان (٢). (٣)
وقد أرجع القاضي أولية الاستدلال به لأبي الهذيل من شيوخ المعتزلة. (٤)
ويقوم هذا الدليل على أربع دعائم تجتمع في اعتقاد أن الأجسام لا تخلو من الحوادث وهى: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وعدم انفصال الجسم عنها، يعني أنه حادث مثلها. (٥) وتكون كالتالى على جهة التفصيل:
١ - أن في الأجسام معانٍ هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون، وبيان ذلك: أن اجتماع الجسم بعد أن كان متفرقًا يحتاج إلى مخصص؛ وما كان كذلك فهو محدث، وأيضا يقال ذلك في السكون بعد الحركة، ومثله يقال في الافتراق، ودلالته أقرب، فإن الذي نراه من الأجسام إنما يكون بعد اجتماعها، والافتراق يكون بعد الاجتماع، إذًا فالافتراق دلالته على حدوث الأجسام من أقوى الأدلة.
٢ - أن هذه المعانى محدثة. وتحرير هذه الدعوى إثبات أن هذه أعراض (٦) والأعراض حادثة والدليل على حدوثها أنه يجوز عليها العدم فيمتنع عنها القدم ولا توسط في ذلك.
٣ - أن أي جسم من الأجسام لا يخلو من الأعراض، فالجسم إما متحرك وإما
_________________
(١) الدرء: (٨/ ٩٨، ٩٩).
(٢) هو أبو محرز جهم بن صفوان الراسبى الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها، وزعم أن الإيمان معرفة الله فقط، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان: الفرق بين الفرق: ٢٢١.
(٣) انظر: منهاج السنة النبوية: (٨/ ٥).
(٤) شرح الأصول الخمسة: (٩٥).
(٥) مذاهب الإسلاميين، عبد الرحمن بدوى: (١/ ٣٩٨).
(٦) العرض: [هو الموجود في شيء غير متقوم به لا كجزء منه، بل ولا يصح قوامة دون ما هو فيه]: المباحث المشرقية، [أو ما لا يقوم بنفسه وإنما يحتاج إلى جسم يقوم به، مثل الطعومات والمشمومات والمبصرات والألوان والحركات] الرازي: (١/ ١٣٨). وانظر: المواقف للإيجى: ٩٦.
[ ١٤٦ ]
ساكن، والحركة والسكون أعراض، والدليل على عرضيتها كما سبق، أنه يجوز فناؤها، فتذهب الحركة مثلًا ويحل السكون، والعكس بالعكس، فإثبات حلول هذه المعانى في الجسم يعتمد على مبدأ الإدراك الحسى، الذي يميز الأجسام المتحركة من الساكنة، والمجتمعة من المتفرقة.
٤ - أنها إذا لم يخلو الجسم منها، وجب حدوثه مثلها؛ لأن حظ هذه المعانى في الوجود الحدوث، وارتباط الجسم بها يعني عدم إمكان انفكاكه عنها؛ لذلك وجب أن يكون حادثًا مثلها. (١)
وبهذا يرى القاضي عبد الجبار أنه تمكن من إثبات حدوث العالم، ليثبت بذلك احتياجه لمحدث أحدثه، ويستخدم طريق السبر والتقسيم لإثبات ذلك، فيقول: "لا يخلو: إما أن تكون قد أحدثت نفسها، أو أحدثها غيرها"، ويبرهن على فساد الفرض الأول، بأن الفاعل يجب أن يكون متقدمًا على فعله، فاستحال بذلك أن تحدث الأجسام نفسها؛ لأنه يلزم من ذلك اتصافها بالقدرة حال عدمها.
بقى الفرض الثاني وهو إثبات محدث لها، وجب أن يكون مخالفًا لها، لاستحالة إيجاد الحادث للحادث، يقول: "فلم يبق إلا الفرض الثاني: وهو أن يكون الذي أحدثها فاعل مخالف لها، وهو الله تعالى الذي ليس كمثله شيء". (٢)
وقد تابع الأشعرية من تقدمهم من الفرق في ابتداع هذا الأصل، وجعله سبيلًا إلى معرفة الله تعالى، كما هو مقرر في الكثير من كتب الأشاعرة. (٣)
ومع إجماعهم على أهمية الدليل وحصول المطلوب به، إلا أن طرق عرضهم لهذا الدليل تختلف، ولكن لا يخرجها هذا الاختلاف عن المقصود، وحيث ينبنى هذا الدليل على مقدمتين هما:
١ - العالم حادث.
٢ - وكل حادث له محدث.
_________________
(١) شرح الأصول الخمسة: ٩٥، ٩٧، ٩٩، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١١١.
(٢) المرجع السابق: ١١٩.
(٣) انظر: المواقف للإيجى: ٢٤٥.
[ ١٤٧ ]
النتيجة هذا العالم لا بد له من محدث.
وتستند المقدمة الأولى في إثبات حدوث العالم، إلى تقسيمه لجواهر (١) وأعراض، وأن العرض حادث، ولا يمكن انفصال الجوهر عنه، فصار بذلك حادثًا مثله. (٢)
أما المقدمة الثانية فتستند إلى امتناع التسلسل في الحوادث، وأنه لا بد من رجوع إلى واجب الوجود، يستحيل عليه العدم. (٣)
وهذا الرازي يعرض الدليل كأسلافه من المعتزلة، ويقول: والأكوان حادثة؛ لأن كل كون فإنه يصح عليه العدم، وكل ما صح عليه العدم امتنع عليه القدم، ومما امتنع عليه القدم فهو حادث، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذن الجسم حادث". (٤)
ويصل بذلك إلى إثبات احتياج هذه الحوادث لمحدث أحدثها، هو واجب الوجود؛ لامتناع التسلسل بين الحوادث، فيقول: "إنه لما ثبت أن العالم ما كان موجودًا ثم كان موجودًا، فحقيقة العالم قابلة للعدم وقابلة للوجود وكلما كان كذلك فرجحان وجوده على عدمه؛ لأجل ترجيح مرجح، فثبت أن وجود العالم محتاج إلى الموجد المؤثر". (٥)